تزايدت المؤشرات على أن إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، تقترب من خيار توجيه ضربة لإيران، فيما تتحرك دول الخليج دبلوماسيا للبقاء بعيدا عن دائرة المواجهة المباشرة.
وارتفع مستوى القلق في عواصم عدة في المنطقة، مع حديث ترامب عن “أسطول” يتجه إلى الشرق الأوسط.
وكنت دول خليجية قد رفضت بشدة السماح باستخدام أراضيها أو أجوائها في أي عمل عسكري محتمل ضد إيران. وتحدث موقع أكسيوس الأميركي ، الخميس، عن استضافة البيت الأبيض مسؤولين سعوديين، وإسرائيليين، كبار في الدفاع والاستخبارات لمناقشة الوضع مع إيران. كما أن وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، يزور واشنطن حاليا لعقد اجتماعات تركز على إيران.
وأفادت كالة الأنباء السعودية ، الثلاثاء، أن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان أبلغ الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، في اتصال مباشر أن الرياض لن تسمح باستخدام مجالها الجوي أو أراضيها في عمليات عسكرية ضد طهران، فيما قالت وكالة مهر، أن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ، بحث “آخر التطورات الإقليمية والدولية خلال اتصالات هاتفية منفصلة مع نظرائه في قطر ومصر والإمارات العربية المتحدة وباكستان وعُمان وتركيا، مساء أمس، واليوم” الخميس.
وتضغط دول خليجية، لاسيما السعودية وقطر وسلطنة عمان، إضافة إلى مصر، على واشنطن منذ أسابيع للدفع نحو احتواء التصعيد، لكن الإيام القليلة الماضية لم توح بتراجع ترامب عن خيار الضربة بشكل حاسم.
ويتركز القلق الخليجي، وفق خبراء تحدثوا لـ”الحرة”، في التداعيات الأمنية والاقتصادية، للرد الإيراني المحتمل على أي ضربة. وتخشى دول الخليج أن تكون هي أول من يدفع ثمن أي مواجهة، سواء عبر صواريخ مباشرة، أو هجمات بطائرات مسيرة، أو عبر وكلاء إقليميين في مقدمتهم الحوثيون في اليمن.
وفي حديث مع “الحرة،” يقول الكاتب والباحث المختص بالشأن الإيراني، عارف ناصر، إن “الهاجس الأمني المباشر يتمثل في احتمال لجوء إيران في حال تعرضها لهجوم إلى رد غير منضبط، أو ما يمكن وصفه بالرمي الأعمى”. وفي مثل هذا السيناريو، تصبح منشآت الطاقة والبنى التحتية الخليجية أهدافا محتملة، “سواء عبر أدوات إيرانية مباشرة أو عبر وكلاء، وهو ما يرفع كلفة أي انخراط خليجي، حتى غير المباشر، في مواجهة عسكرية واسعة”.
وكانت السعودية قد تعرضت لهجوم في سبتمبر 2019 على منشأتي بقيق وخريص التابعتين لأرامكو، شل مؤقتا نصف إنتاج المملكة النفطي، وكشف هشاشة قطاع الطاقة أمام الضربات الدقيقة.
لكن الحسابات الخليجية لا تقتصرعلى الأمن. يرى ناصر أن الموقف السعودي يرتبط أيضا باعتبارات استراتيجية. فمن وجهة نظره، قامت المقاربة الأميركية التقليدية للمنطقة على معادلة تجمع بين احتواء إيران والحفاظ على توازن إقليمي يمنع هيمنة طرف واحد. وأي تغيير جذري في هذه المعادلة، ولا سيما إذا أدى إلى انهيار النظام الإيراني، قد يفضي إلى تفوق إسرائيلي مطلق، وهو ما تعتبره دول الخليج “اختلالا استراتيجيا خطيرا لا عامل استقرار”.
ويضيف أن الرياض لا ترى بالضرورة أن سقوط النظام الإيراني يخدم مصالحها، بل تخشى فراغا سياسيا وأمنيا لا تملك أدوات جاهزة لإدارته. ومن هنا، يربط بين هذا القلق وبين سعي السعودية إلى تعزيز قدراتها الدفاعية النوعية، بما في ذلك محاولة الحصول على منظومات متقدمة، “في إطار البحث عن توازن ردع جديد، لا عن لحظة كسر قد تفلت من السيطرة”.
وعبرت الإمارات، أيضا، عن رفض استخدام أراضيها أو مجالها الجوي في أي ضربة لإيران. يقول الكاتب محمد فيصل الدوسري إن هذا الرفض يحمل دلالتين أساسيتين: الأولى تتصل بالسيادة، وتأكيد أن القرار الأمني يُصاغ داخليا ولا يخضع لظروف الضغط، أما الثانية فمرتبطة بإدارة المخاطر، إذ ترى أبوظبي أن خفض التوتر يبدأ “بضبط المسارات وإعادة الملف إلى أدوات الحوار والقانون الدولي، بوصفها مقاربة تحمي الاستقرار الذي تقوم عليه التنمية”.
وبرأي الدوسري، تسعى دول الخليج من خلال هذا الموقف إلى توجيه رسالتين متوازيتين: إلى واشنطن بأن أمن الخليج ليس ساحة اختبار وأن الشراكة لا تعني تفويضا مفتوحا، وإلى طهران بأن الخليج لا يبحث عن صِدام، لكنه لا يقبل أيضا إدارة الإقليم بمنطق التصعيد أو عبر أدوار الفاعلين غير الرسميين.
في خلفية هذا كله، يقف عامل الاقتصاد والطاقة بوصفه الأكثر حساسية. فإيران لم تُخفِ يوما أن أحد أوراقها الأساسية في أي مواجهة هو مضيق هرمز. وتشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى أن نحو 20 مليون برميل من النفط تمر يوميا عبر المضيق، أي ما يقارب خُمس تجارة النفط البحرية العالمية، إضافة إلى نحو 35% من تجارة الغاز الطبيعي المسال.
وأعلن نائب قائد القوة البحرية في الحرس الثوري الإيراني، علي رضا تنغسيري، في تصريحات نقلتها وسائل إعلام متعددة، الثلاثاء، أن إيران تملك “سيطرة كاملة” على سطح البحر وما تحته في المضيق، مؤكدا أن استخدام أراضي أو أجواء أو مياه الدول المجاورة ضد إيران سيجعلها تُعامل كدول معادية.
يقول الدوسري إن الاقتصاد “جزء من المعادلة، لكنه ليس عنوانها الوحيد”، فصحيح أن أي تصعيد سيرفع كلفة الشحن والتأمين ويضغط على التجارة وسلاسل الإمداد، لكن الإمارات، بحسب تعبيره، “لا تبني قراراتها على حسابات قصيرة النفس، بل على قاعدة أن استقرار الإقليم جزء من أمنها الوطني، وأن الفوضى لا تنتج مصلحة مستدامة لأي طرف”.
ويذهب الكاتب السعودي، شاهر النهاري، أبعد من ذلك في توصيف تداعيات الضربة المحتملة، معتبرا أنها “لن تكون في مصلحة أحد”، وقد تجر المنطقة إلى خسائر فادحة. ويحذر من أن الحرب على إيران لن تعني فقط تدمير دولة يبلغ عدد سكانها عشرات الملايين، بل قد تفتح الباب أمام موجات نزوح واسعة، وظهور جماعات مسلحة، واضطرابات تمتد من جنوب آسيا إلى قلب الخليج.
ويقول النهاري إن تدمير إيران لن يؤدي إلا إلى “دمار شامل في الشرق الأوسط”، محذرا من أن انهيار دولة مركزية بحجم إيران قد يحول المنطقة إلى فراغات متنازعة، ويعيد إنتاج سيناريوهات عدم الاستقرار على نطاق أوسع.
المصدر:
الحرة