آخر الأخبار

ترمب يستعد لضرب إيران.. كيف ستبدو المواجهة؟

شارك

في الأيام الأخيرة، صعَّد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بشكل واضح لهجته تجاه إيران معلنًا انطلاق "أسطول ضخم" إلى الشرق الأوسط، مبديا الأمل في "ألا تضطر واشنطن لاستخدامه" على حد قوله. وبذلك يضع ترمب طهران بين المطرقة والسندان، فإما الجلوس على طاولة المفاوضات والقبول بالمطالب الأمريكية حول برنامجها النووي وفرض قيود على مدى الصواريخ الباليستية، أو التعرّض لضربة عسكرية.

هذا النوع من الرسائل العسكرية المزدوجة المتمثلة في "قوة عسكرية تقف أمام باب منزلك" مع "فتح دعوة للتفاوض" ليس جديدًا في العقيدة السياسية الأمريكية، بل متكرر، لكنه لا شك يصبح حساسًا بفارق أكبر، حين يرتبط بانطلاق "فريق حاملة طائرات"، وفي سياق وضع إقليمي شديد التوتر.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 رغم غناهما بالنفط.. هكذا يعاني سكان الحسكة ودير الزور من تردي الخدمات
* list 2 of 2 كيف يستعد حزب الله للحرب مع إسرائيل؟ end of list

وبحسب رويترز، فإن واشنطن تدرس أيضًا نشر أنظمة دفاع جوي إضافية في المنطقة، وكلها إجراءات ترمي إلى "توسيع خيارات الرئيس الأمريكي" سواء بتعزيز دفاع القوات الأمريكية في جميع أنحاء المنطقة في ظل التوترات الراهنة، أو لاتخاذ أي إجراء عسكري إضافي ضد إيران. وهو ما يطرح أسئلة مهمة: هل قررت أمريكا توجيه ضربة عسكرية لإيران؟ وكيف سيكون شكل تلك الضربة حال تنفيذها؟

"فريق" حاملة الطائرات

لا نمتلك الكثير من المعلومات إلى الآن عن الطبيعة الدقيقة لتلك القوة التي أرسلها ترمب إلى المنطقة، لكن المعروف أن مركزها يتمثل في مجموعة تقودها حاملة طائرات "أبراهام لينكولن" ومعها ثلاث مدمرات مرافقة هي: المدمرة "يو إس إس فرانك إي. بيترسن جونيور"، والمدمرة "يو إس إس سبروانس"، والمدمرة "يو إس إس مايكل مورفي".

وعلى متن الحاملة " لينكولن" تتواجد أسراب من الطائرات المقاتلة متعددة المهام من الجيل 4.5 "إف/إيه-18إي/إف سوبر هورنت"، وطائرات التشويش من بوينغ طراز "إي إيه-18 جي غرولير"، وطائرات "إف-35 سي" المقاتلة، ومروحيات "إم إتش-60 آر/إس"، وغيرها من المعدات القتالية.

إعلان

من المهم هنا الإشارة إلى أن حاملة الطائرات ليست مجرد منصة قتال عائمة، وغالبا ما تصنف المجموعات المكونة من حاملات الطائرات ومرافقيها من السفن بأنها أدوات سياسية بقدر ما هي أدوات قتالية، فهي توفر إمكانية حشد وإطلاق قدرة جوية مستمرة تبدأ من دوريات استطلاع وتوجيه الضربات متفاوتة الشدة. وحتى إذا لم تستخدم الحاملة قدراتها العسكرية فإن تحركها يرسل رسائل قوية تمكن الولايات المتحدة من انتزاع التنازلات من خصومها دون الإقدام على فعل عسكري حقيقي.

عسكريًا، ضمن مجموعة حاملة الطائرات، تقوم المدمّرة بدور الحارس متعدد المهام الذي يجعل الحاملة قادرة على العمل بأمان، فالمدمرة تشكل أولا مظلة دفاع جوي وصاروخي حول الحاملة بفضل رادارات بعيدة المدى وأنظمة اعتراض دقيقة، تمكنها من مواجهة الطائرات والصواريخ والطائرات المسيرة قبل أن تقترب من الحاملة.

بجانب ذلك، تمنح المدمرات قدرة ضرب بعيدة المدى عبر صواريخ كروز مثل توماهوك والتي استخدمت بالفعل في عملية استهداف المنشآت النووية الإيرانية في العام الماضي. وأخيرا تؤدي المدمرات دورًا أساسيًا في الحرب المضادة للغواصات، إضافة إلى مهام الاستطلاع وإدارة الاشتباك ضمن شبكة قيادة وتحكم تربط سفن المجموعة وطائراتها.

على الجهة المقابلة، طورت إيران إستراتيجية تعرف بـ"منع الوصول والمناطق المحرمة" (A2/AD)، وهو مفهوم عسكري يعني أن تقيم قوة أو دولة ما منطقة محظورة عسكريا على قوات الخصم (حاملة الطائرات ومجموعتها في هذه الحالة)، وبمجرد اختراقها تبدأ عملية إطلاق النار. هذه الإستراتيجية تجعل مسرح المعركة صعبا ومكلفا على الخصوم.

في الحقيقة يركز مفهوم "منع الوصول" (Anti-Access) على إبعاد الخصم ومنعه أصلا من الاقتراب أو التعزيز ضمن مناطق معينة عبر تهديد القواعد والموانئ والسفن الكبيرة بصواريخ بعيدة المدى، بينما "المناطق المحرمة" (Area Denial) تهدف إلى جعل القتال داخل المنطقة نفسها خطرا وبطيئا، عن طريق استخدام ألغام وزوارق سريعة ومسيرات وتشويش ودفاعات جوية.

ما وظيفة الحشد الأمريكي؟

في سياق المعلومات المتاحة إلى الآن، تنقسم تقديرات الخبراء في اتجاهين رئيسيين. الاتجاه الأول هو "مدرسة الردع" ويرى أنصارها أن التحركات العسكرية الأمريكية ذات مغزى سياسي في المقام الأول، فالكثير من الأصول التي تتحرك إلى المنطقة تبدو موجهة أساسًا للدفاع، والمقصد هو حماية القواعد والقوات الأمريكية، ومساعدة الحلفاء على مواجهة ردود الفعل وليست لتنفيذ عملية هجومية واسعة.

ويستشهد هؤلاء بما حدث في صيف العام الماضي، فالضربات على منشآت نووية إيرانية اعتمدت بدرجة أكبر على قاذفات بعيدة المدى ووسائط قادمة من خارج "مسرح المعركة الإقليمي". وفي هذا السياق، استخدمت الأصول العسكرية المتوفرة في المنطقة بكثافة للدفاع ضد الرد الإيراني، لا الهجوم على إيران. وتظل الثغرة الرئيسية في هذا الرأي أن تحريك هذه الأصول عملية صعبة ومكلفة تتطلب نوايا عسكرية، كما أن تعزيز الدفاعات يعني أن هناك نية لشن هجوم محتمل قد يثير رد فعل إيرانيًّا مضادًّا.

إعلان

على الجانب الآخر، يرجح محللون أن التحركات الأمريكية تفتح الأبواب لخيارات أكثر هجومية، تبدأ من "ضربات ضد أهداف محددة" أو ربما "حملة أوسع". ومن منظور عسكري بحت، فإن الانتقال من استعراض القوة إلى حرب واسعة لا يكون بقرار واحد فقط، أو بـ"قفزة مفاجئة"، بل عبر مسارات تدريجية. ونعني هنا أن الولايات المتحدة نفسها ربما لم تتخذ قرارات حاسمة حول شكل ومدى الحملة العسكرية المنتظرة أو حتى أهدافها الكاملة، وأن الأمور ستتشكل وفق متسلسلة الأفعال وردود الأفعال المنتظرة خلال الأيام المقبلة.

ففي حال اتخذت واشنطن قرارًا بتوجيه ضربة عسكرية فإنها ستكون غالبًا ضربة محدودة ومركزة في البداية، والمقصد هنا هجوم جوي أو بحري محدود على أهداف منتقاة، مثل الدفاعات الجوية، والمواقع الصاروخية، ومراكز القيادة. عادةً سيعقب ذلك ردٌّ إيرانيٌّ، عبر الصواريخ والمسيرات، على أن يتحدد الشكل النهائي من خلال النتائج الفعلية للعمليات.

في سيناريو آخر محتمل، قد تقرر الولايات المتحدة توجيه ضربة كبرى، لكنها موزعة على إطار زمني أوسع، أي حملة تمتد أيامًا أو أسابيع لضرب البنية التحتية العسكرية الإيرانية، مع إبقاء حاملة الطائرات وفرقتها كمنصة ضغط سياسي. لكن المشكلة أن هذا الضغط المستمر يهدد بإثارة ردود أفعال أكبر من قبل الإيرانيين وينذر بخروج المواجهات عن السيطرة.

مصدر الصورة الانتقال من استعراض القوة إلى حرب، من منظور عسكري بحت، غالبا لن يتم بقرار واحد فقط، أو قل "قفزة واحدة"، بل عبر مسارات انتقالية أخف (غيتي)

إمكانات الاشتعال تتفاقم

في تقرير بعنوان "10 صراعات مرشَّحة للاشتعال" في 2026، ترسم مجموعة الأزمات الدولية ما يمكن تسميته "سلسلة اشتعال" في المنطقة لا تحتاج إلى قرار حرب شامل منذ البداية، بل يمكن أن تتطور مثل قطع الدومينو لتصل إلى نقطة الصراع الموسَّع.

يرى المركز أن الوقود اللازم لإشعال الأمور متوفر بالفعل، فهناك تعطُّل لمسار التفاوض بين طهران وواشنطن ووجود خطط لضربات إسرائيلية جديدة، في سياق "إشارات" أمريكية إلى أن نشاط إيران الصاروخي والنووي قد يجرّ إلى هجمات متجددة. وسواء كانت تلك "الإشارات" مقصودة أم لا، فإن ذلك يرفع احتمال أن تبدأ الجولة التالية بضربة محدودة تتبعها ردود تتسع بسرعة.

إلى جانب ما سبق، هناك عامل إضافي خفي، يتعلق بالصين، والواقع أن كل نظرة لقرار أمريكي عسكري حاليًا يجب أن تضع في الحسبان دور بكين. فالصين هي المشتري الأكبر للنفط الإيراني، وترى واشنطن أن تلك الأموال تُمكِّن طهران موارد تتيح لها تحديث ترسانتها العسكرية بقدر المتاح في سياق العقوبات. ومن ثم فإذا شعرت واشنطن أن الأدوات الاقتصادية لا تُبطئ برنامج إيران العسكري كما ينبغي (بالنسبة لها)، فقد يزيد ذلك وزن الخيارات العسكرية لدى بعض دوائر صنع القرار.

على جانب آخر، هناك حديث غربي عن "تقارب" يصل إلى حد "التشابك" بين الصين وإيران ضمن صورة أوسع تشمل روسيا وكوريا الشمالية في محاولة لتشكيل محور مناهض للهيمنة الأمريكية. هذا "التقارب" المحتمل بين طهران وخصوم أمريكا يجعل واشنطن أكثر حساسية لأي تقدم إيراني عسكري، سواء نووي أو صاروخي، لأنه في هذه الحالة يُترجَم إلى نفوذ إقليمي يتفق تمامًا مع مصالح بكين، ومن ثم "يعبث" بخريطة توزيع القوة حول العالم كما تراها واشنطن. يأتي ذلك بالطبع في سياق تصادم بدأت تبدو ملامحه بين الولايات المتحدة والصين، حيث يسعى كل طرف إلى بناء "خريطة" حلفاء في انتظار لحظة صدام مرتقبة.

عملية محدودة أم حرب واسعة؟

ما هو السيناريو المرجح إذن؟ يميل الخبراء إلى أن أمريكا قد تنفذ ضربة محدودة في إيران، وليس حربًا موسعة، وهو ما ينسجم مع النهج العملي للرئيس ترمب في الحروب السريعة والخاطفة وتجنّب الخوض في عمليات طويلة ومكلفة. هناك عوامل سياسية أخرى تدعم هذا الترجيح، فحتى مع وجود أسطول أمريكي ضخم، هناك كوابح جدية تجعل الحرب الكاملة خيارًا صعبًا، تأتي على رأسها القيود السياسية الإقليمية، فمعظم دول المنطقة (وأغلبهم من حلفاء الولايات المتحدة) أعربوا عن معارضتهم لاستخدام أراضيهم وأجوائهم كمنصة محتملة للهجوم على طهران.

إعلان

يعضد ذلك أيضًا عدم القدرة على التنبؤ بطبيعة رد الفعل الإيراني، فمنذ توقف الحرب قبل عدة أشهر، تعمل إيران على ترميم ما تضرر من دفاعاتها الجوية، وتقييم نقاط القوة والضعف بهدف جعل ضرباتها القادمة أكثر حدة، وبالتحديد الضربات ضد دولة الاحتلال الإسرائيلي. من المرجح أيضًا أن إيران لن تخوض المعركة وحيدة، حيث يُنتظر أن يستأنف الحوثيون هجومهم على الملاحة في البحر الأحمر، وهو تحرك يرفع الكلفة سريعًا لأنه يمس التجارة الدولية ويخلق ضغطًا سياسيًا واقتصاديًا متزامنًا مع التوتر العسكري.

وفي العراق، بحسب أسوشيتد برس، أصدرت جماعة كتائب حزب الله تحذيرًا مباشرًا مفاده أن أي هجوم على إيران قد يفضي إلى حرب شاملة في المنطقة، وهذه صيغة تهديد تهدف عمليًا إلى خلق ردع مقابل، أي أن ضرب إيران قد يفتح الباب لهجمات على قوات ومصالح أمريكية. يعني ذلك أنه ستكون هناك عشرات السيناريوهات التصعيدية مع كل يوم إضافي للحرب، وأن كل هجوم أمريكي وكل رد فعل إيراني يمكن أن يوسع الاشتباك، خاصة إذا نجح في إلحاق ضرر حقيقي بالأصول أو الجنود الأمريكيين.

يخلق هذا التعقيد دوافع أقل للحرب الموسعة، خاصة أن واشنطن لا تستطيع التأكيد أن أي ضربة مهما بلغت شدتها أو نطاقها يمكن أن تُلحق ضررًا حقيقيًا بالنظام. وربما يكون ذلك ما دفع مجلة تايم لترجيح أن الولايات المتحدة لا تتجه حاليًا نحو حرب شاملة مع إيران، نظرًا لوجود قلق من "عدم يقين كبير" في المنطقة، قد يكون السبب في فوضى كبيرة لا تستطيع الولايات المتحدة التحكم بها، رغم إقرارها أن موجة الاحتجاجات الواسعة في إيران بسبب الأوضاع الاقتصادية وتدهور العملة والضغوط الاجتماعية، أسالت لعاب الولايات المتحدة لاستهداف النظام الإيراني.

يشير تقرير تايم إلى أن هناك حديثًا داخل الإدارة الأمريكية عن إمكانية تنفيذ ضربات عسكرية محدودة، مع خيارات غير مباشرة مطروحة مثل العمليات السيبرانية، والمزيد من العقوبات الاقتصادية، وغيرها من أدوات الضغط التي تُستخدم بديلًا عن الخيارات العسكرية لتقويض قدرة طهران.

يتفق ذلك مع خطاب ترمب نفسه الذي يجمع بين التلويح بـ"قوة عسكرية قادمة" و"الدبلوماسية كخيار"، هذا النمط غالبًا ما يستهدف دفع الطرف الآخر لتقديم تنازلات أو الدخول في قناة تفاوض تحت ضغط عسكري. لكن سجل إدارة ترمب مراوغ بشدة في هذا الشأن، وما تخبرنا به الوقائع السابقة في فنزويلا ونيجيريا وحتى مع إيران نفسها، فإن تحركات واشنطن غالبًا ما تليها عملية عسكرية فعلية. ويبقى السؤال الآن حول نطاق الضربة ووقتها، وما الذي تهدف إليه حقًا.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا