آخر الأخبار

غرينلاند في قلب منظومة الدفاع الأمريكية وأطماع واشنطن

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

باريس – في القرن الـ21، لم تعد الجغرافيا مجرد خرائط وحدود، بل تحولت إلى امتدادات رقمية وعسكرية تصل إلى أعماق البحار ومدارات الفضاء.

ومع تسارع سباق التسلّح وتحول التهديدات من صواريخ باليستية تقليدية إلى منظومات فرط صوتية وقدرات فضائية هجومية، عاد اسم غرينلاند إلى الواجهة بقوة، ليس بوصفها جزيرة نائية في القطب الشمالي، بل كعقدة إستراتيجية في التصور الأمريكي الجديد لمنظومة دفاع صاروخي شامل.

وجاء الطرح، هذه المرة، من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وفريقه، عبر الحديث عن مشروع " القبة الذهبية"، وهي رؤية طموحة، أو مثيرة للجدل، لنظام دفاعي متعدد الطبقات يمتد من الأرض للفضاء، ويدمج أجهزة الاستشعار والاتصالات والصواريخ الاعتراضية الفضائية في إطار موحّد.

بين الضرورة والوهم

لا يحظى هذا المشروع بإجماع داخل الأوساط العسكرية والعلمية، فبين من يراه استجابة ضرورية تفرضها تحولات التهديد العالمي، يعتبره آخرون وهما سياسيا مكلفا ويتجاهل القيود التقنية والاقتصادية، ما يكشف عُمق هذا الانقسام ويضع القبة الذهبية في قلب معركة تتجاوز الجغرافيا نحو تعريف معنى الأمن نفسه.

ومنذ الحرب الباردة، كانت غرينلاند جزءا من منظومة الإنذار المبكر الأمريكية، خصوصا عبر قاعدة "ثول" الجوية التي شكّلت خطوة متقدمة لرصد الصواريخ السوفيتية العابرة للقارات.

وخلال العقد الأخير ومع دخول روسيا و الصين بقوة إلى مجال الصواريخ فرط الصوتية، تحول القطب الشمالي إلى أقصر مسار لأي ضربة وأصبح المجال الجوي والبحري هناك أكثر نشاطا عسكريا، ما أدى لإبراز غرينلاند كنقطة استشعار وإنذار مبكر ومركز بيانات حيوي في أي منظومة دفاع مستقبلية.

في هذا الإطار، رأى القائد السابق للقيادة الشمالية ل لولايات المتحدة الجنرال غلين ديفيد فانهيرك، أن التركيز الأمريكي المتجدد على غرينلاند ليس وليد خطاب سياسي عابر، بل نتيجة مباشرة لتحول مسارات التهديد عبر صواريخ كروز والطائرات المُسيّرة العسكرية والمركبات فائقة السرعة.

إعلان

وقال فانهيرك للجزيرة نت "تغيرت طبيعة التعامل مع أمريكا الشمالية عبر الحدود بين غرينلاند و المملكة المتحدة أو آيسلندا في المحيط الأطلسي"، مؤكدا أن مشروع القبة الذهبية ليس ضربا من الخيال، وقابل للتحقيق خلال السنوات الثلاث أو الخمس المقبلة.

وعن أهمية الجزيرة القطبية في خطاب الرئيس ترمب، رأى الجنرال فانهيرك أن غرينلاند تتميز بموقع إستراتيجي لرصد أي صواريخ محتملة قد تصل عبر القطب الشمالي من دول مختلفة، بما في ذلك روسيا والصين وإيران وغيرها.

وقد انتقدت موسكو نظام الدفاع الصاروخي الأمريكي، ووصف رئيس مجلس الأمن الروسي، ديميتري ميدفيديف، المشروع بـ"الاستفزازي"، مستشهدا بالمعاهدة التي تحمي الأمن القومي الأمريكي عبر فرض قيود على الأسلحة النووية العابرة للقارات الروسية قائلا: "إنه يتناقض جوهريا مع الترابط الوثيق بين الأسلحة الإستراتيجية الهجومية والدفاعية".

مصدر الصورة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يطمح إلى السيطرة على غرينلاند نظرا لأهميتها الإستراتيجية والأمنية (غيتي)

تحديات المشروع

وخلال مؤتمر "أيام صناعة الفضاء" في لوس أنجلوس الأسبوع الماضي، أكد رئيس برنامج الدفاع الصاروخي "القبة الذهبية"، الجنرال مايكل غيتلين، أن التحدي الرئيسي للبرنامج يكمن في اقتصاديات الدفاع الصاروخي، وتحديدا كيف تحد تكلفة كل عملية اعتراض من عدد الصواريخ الاعتراضية التي يمكن لأمريكا الاحتفاظ بها.

وتعليقا على ذلك، أوضح الأستاذ الفخري للعلوم والتكنولوجيا والأمن الدولي في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، ثيودور أ. بوستول، أن المشروع سيكون عبارة عن كوكبة من الأقمار الصناعية، لأن كل قمر سيحمل صاروخا اعتراضيا لتدمير أي صاروخ باليستي عابر للقارات يُطلق من سطح الأرض.

وأضاف بوستول للجزيرة نت: "تتحرك الأقمار الصناعية بسرعة تقارب 8 كيلومترات في الثانية، ما يعني أنه إذا أطلِق صاروخ باليستي عابر للقارات من موقع على سطح الأرض، فسيكون هناك قمر صناعي على مسافة كبيرة يجب أن يعطي إشارة لإطلاق صاروخ اعتراضي، وسيستغرق ذلك بضع دقائق قبل أن يصل فعليا إلى موقع إطلاق الصاروخ الباليستي".

لذا، يعتبر أن التعامل مع إطلاق محلي لحوالي 100 صاروخ باليستي عابر للقارات في الوقت نفسه من موقع لا يمكن الوصول إليه إلا بواسطة قمر صناعي واحد، سيعني الحاجة إلى 100 ضعف عدد الصواريخ الاعتراضية أو الأقمار الصناعية.

المكان والتكلفة

من جانبه، لا يتجاهل الجنرال فانهيرك هذه التحديات، ويقرّ بافتقار غرينلاند إلى بنى تحتية حيوية من وقود وقدرات لوجيستية وانتشار عسكري كافٍ، سواء أمريكي أو مع الحلفاء.

غير أن التحدي الأكبر -برأيه- لا يكمن في التكنولوجيا بقدر ما يكمن في البيروقراطية والثقافة المؤسسية، وفي صعوبة مشاركة البيانات بين الوكالات الحكومية والحلفاء في الوقت المناسب.

ومن زاوية الردع، يذهب فانهيرك إلى أبعد من الدفاع التقني، قائلا: "غياب قدرة دفاعية موثوقة يضع القيادة السياسية أمام خيارين كارثيين: الضربة الاستباقية أو تحمل الضربة. أما بناء منظمة دفاع شاملة، فيوفر ما يسميه "الردع بالمنع"، أي جعل كلفة الهجوم مرتفعة إلى درجة تدفع الخصم للتفكير ماليا قبل الإقدام عليه".

إعلان

وتتراوح التكلفة التقديرية لمشروع "القبة الذهبية" بين 10 و15 تريليون دولار، لتمكينه من التعامل مع إطلاق جماعي يضم 100 صاروخ باليستي عابر للقارات.

ومع مضاعفة عدد الصواريخ الاعتراضية لضمان إطلاق صاروخين ضد كل هدف، ترتفع الكلفة وحدها إلى نحو 8 تريليونات دولار، دون احتساب التعقيدات التقنية أو المخاطر الإستراتيجية المصاحبة.

وفي السياق، أشار بوستول إلى أن نشر الأقمار الصناعية أو نظاما فضائيا لمدة 20 عاما، سيتطلب استبدال كل قمر صناعي اعتراضي كل 7 سنوات، أي 3 أضعاف عدد الأقمار الصناعية الاعتراضية.

ورأى بوستول، الذي عمل في مختبر أرغون الوطني ووزارة الدفاع الأمريكية ( البنتاغون)، أن هناك تحديات في التحكّم بمجموعة أقمار صناعية بهذا الحجم وتحديد مهامها أثناء تحركها، قائلا: "من حيث المبدأ، كل هذه المشاكل قابلة للحل تقنيا، لكننا لسنا متأكدين من أن الصواريخ الاعتراضية ستصمد في بيئة إشعاعية على ارتفاع 400 كيلومتر لمدة 7 سنوات".

وتابع: "سيحتاج تطوير نظام الاعتراض والعمل على برنامج بحث ضخم إنفاق جزء من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي، وهو أمر بالغ الخطورة لبلد يعاني من تراجع اقتصادي كبير".

"أزمة دولية"

وبحسب مصدر مطلع -رفض كشف هويته- فإن تغطية عملية إطلاق واحدة لصاروخ باليستي عابر للقارات في أي مكان على سطح الأرض، ستتطلب حوالي 1200 قمر صناعي في المدار لكل صاروخ.

وبالتالي، تتلخّص الفكرة في وضع أقمار صناعية تحمل صواريخ اعتراضية في مدارات تُمكّنها، نظريا، من اعتراض الصواريخ الباليستية العابرة للقارات قبل أن تكمل مسارها وتنشر رؤوسها الحربية وتطلق شركها الخداعي.

ونظرا لأن الأقمار الصناعية الاعتراضية يجب أن تُحلّق بسرعة عالية في مدارات دائرية منخفضة الارتفاع لموازنة الجاذبية، فإن كل قمر صناعي لا يستطيع اعتراض صاروخ باليستي عابر للقارات إلا خلال فترة زمنية قصيرة يمر خلالها فوق منطقة صغيرة محددة من سطح الأرض (ربما دقيقة واحدة أو أقل).

كما أكد المصدر أن كل قمر صناعي أمريكي مُعترض يجب أن يكون سريعا بما يكفي لضرب صاروخ باليستي عابر للقارات أثناء صعوده إلى الفضاء، ومهاجمة وتدمير عدد قليل من الأقمار الصناعية ذات الأهمية العسكرية التي تُشغلها روسيا والصين على ارتفاعات عالية.

ولا يستبعد المصدر أن يؤدي نشر الأقمار الصناعية الاعتراضية إلى أزمة دولية جادة بين روسيا والصين والولايات المتحدة، معتبرا أن الرد الروسي الصيني قد ينتج عنه تعدد منظومات الأقمار وتداخل في مدارات أرضية منخفضة، ما سيعني هجوما فوريا بين المنظومات وتدميرها خلال مدة قصيرة جدا.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا