آخر الأخبار

ما محددات العلاقة بين لندن وبكين؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

لندن- لا يبدو أن التقارب مع الصين صار مجرد خيار سياسي يعكس نهج البراغماتية الواقعية التي يصر رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر على أنها النهج الناظم لسياساته الخارجية، بل أصبح خيار المضطر وسط علاقات أضحت أقل يقينا مع الولايات المتحدة التي تتبنى استراتجيتها الدفاعية ما سمّتها "الواقعية القاسية" تجاه الحلفاء.

ويقود ستارمر زيارة رسمية للصين هي الأولى من نوعها لرئيس وزراء بريطاني منذ عام 2018 على رأس وفد وزاري مهم يضم أكثر من 50 مسؤولا من كبار مديري المؤسسات المالية والتجارية البريطانية، مدفوعا بالحاجة إلى شريك اقتصادي يحقق للملكة المتحدة التوازن الإستراتيجي المطلوب في لحظة جيوسياسية معقدة.

ولا يُعَد ستارمر أول الزعماء الغربيين الذين زاروا العاصمة الصينية بكين أخيرا، ففي غضون أشهر قليلة تردد عليها الملك الإسباني ورئيس وزرائه والرئيس الفرنسي ورئيس الوزراء الكندي وقادة الاتحاد الأوروبي، في حملة دبلوماسية غير مسبوقة لحلفاء واشنطن التقليديين للتصدي لضغوطها التجارية والبحث عن بدائل ممكنة.

الحاجة والتوسع

أكد ستارمر، في حديث لوكالة بلومبرغ قبل توجهه إلى بكين، أنه لا يستطيع تجاهل الفرص التي توفرها العلاقات مع ثاني أكبر اقتصاد عالمي، ولا تجاهل إمكانات الصين، مصرّا على غياب مفاضلة بين اختيار الصين أو الحفاظ على علاقات وثيقة مع أمريكا.

وعاشت العلاقات الصينية البريطانية فترة توتر مع نهاية حكم حزب المحافظين، وكافحت للتغلب على الصراع حول الهيمنة بين واشنطن وبكين، ثم اضطرت إلى التراجع عن إطلاق ما عُرف بـ"العصر الذهبي" للتعاون بين البلدين الذي بدأ في عهد رئيس الوزراء الأسبق ديفيد كاميرون عام 2015.

لكن حكومة حزب العمال استطاعت منذ عودتها إلى السلطة ربط العلاقات من جديد بالقيادة الصينية، وترميم شروخ الخلافات التي خلَّفتها حكومات حزب المحافظين السابقة بعد أن فضّلت التعاطي بنهج أكثر صرامة وصدامية مع الصين، وقاد وزراء بارزون في حكومة حزب العمال زيارات لبكين لجذب الاستثمارات وبحث آفاق التعاون الثنائي.

إعلان

وتُعَد الصين بما فيها هونغ كونغ ثالث أكبر شريك تجاري لل مملكة المتحدة في مجال السلع والخدمات بعد أمريكا وألمانيا، في حين ارتفع إجمالي حجم التجارة بين البلدين بنسبة 5.7% على أساس سنوي ليصل إلى 125.2 مليار جنيه إسترليني (الجنيه الاسترليني = 1.37 دولار أمريكي) في الربع الثاني من 2025.

مصدر الصورة لقاء سابق بين رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر والرئيس الأمريكي دونالد ترمب (غيتي)

تقارب مدروس

لكن ذلك التقارب لا يخفي الطبيعة المتوترة للمفاوضات التجارية مع الصين والمخاوف من نفوذها المستتر وأدوات الهيمنة التي تمتلكها للتأثير في استقلالية القرار الاقتصادي الأوروبي، في وقت يصعب على لندن أيضا التخلي عن عقيدتها الأمنية التي ترى في الصين تهديدا محتملا، والاندفاع للإيحاء بأن هذا التقارب يعني قطيعة مع واشنطن.

وتتعالى الأصوات الداعية إلى تبنّي رؤية واضحة في التعامل مع الصين، مع تحولها من التهديد الأهم للهيمنة الأمريكية في عهد إدارة جو بايدن إلى خطر غير داهم في عهد الرئيس دونالد ترمب وقوة يمكن ردعها بالدبلوماسية تتقاطع المصالح الأمريكية معها.

ورأى المختص في العلاقات البريطانية الصينية في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (إي سي إف آر)، جيمس كرابتري، أن هناك حاجة إلى صياغة رؤية واضحة بشأن طبيعة العلاقات مع الصين عبر رسم مسار مستقل ومتوازن، يوفق بين تحقيق النمو الاقتصادي والمخاوف من التهديدات الأمنية الصينية.

لكن كرابتري استبعد، في تصريح للجزيرة نت، إمكانية الحفاظ على علاقات متوازنة بسبب الضغوط الدبلوماسية والاقتصادية الهائلة التي تتعرض لها بريطانيا من الشريك الأمريكي لدفع سياساتها في مدار لا يخرج عن فلك المصلحة الأمريكية وحساباتها الجيوسياسية.

وفي الأثناء، يرى مدير معهد الدراسات الصينية بجامعة كينغز كوليج البريطانية، لاري براون، أن تحقيق التوازن في العلاقات بين الصين والولايات المتحدة في لحظة فرز واستقطاب عالمي متوترة يصعب أن يصبح مستداما.

وأشار براون، في حديثه للجزيرة نت، إلى أن بريطانيا تحاول إعادة حساباتها الإستراتيجية بناء على مصالحها الوطنية، دون أن تبقى وفية لولائها التقليدي لأمريكا المتوجسة من أي تقارب بريطاني صيني، في وقت تتقاطع فيه أيضا المصالح الصينية الأمريكية على أكثر من صعيد.

مخاوف أمنية

لكن لهجة العداء للصين أصبحت تهيمن على خطابات النخب البريطانية، بعد موافقة الحكومة العمالية قبل أيام قليلة من زيارة ستارمر لبكين على إنشاء المقر الجديد للسفارة الصينية التي تُعَد الأضخم في أوروبا بقلب المركز المالي في العاصمة لندن.

وأثار القرار موجة انتقادات بشأن شفافيته ومخاوف من استخدام السفارة منطلقا لعمليات تجسس وتخابر وأنشطة عدائية ضد بريطانيا، وأن تكون الموافقة عليها الثمن الذي سدَّده ستارمر لدخول الصين.

وشنت القيادات الحزبية هجوما واسعا على القرار، ووصفه وزير شؤون المجتمعات في حكومة الظل المحافظة جيمس كليفرلي بأنه "عمل جبان" ويعكس "افتقار حكومة ستارمر إلى الحزم".

وحذَّر مدير جهاز الأمن الداخلي البريطاني (إم آي 5) كين ماكالوم ، في رسالة بعث بها إلى كل من وزيرة الداخلية ووزير الخارجية، من أنه يصعب تماما تحييد تهديدات الأمن القومي المرتبطة بالسفارة الجديدة، في وقت تصر الحكومة البريطانية على أن جميع أجهزة الاستخبارات شاركت في كل مراحل دراسة القرار وتقييمه، وتم تطوير آليات لإدارة الأخطار.

إعلان

وأعاد الجدل بشأن إنشاء السفارة مناقشة مدى امتلاك الحكومة البريطانية رؤية واضحة لمسار إعادة ضبط العلاقات مع الصين دون أن تعرّض أمنها القومي أو الاقتصادي للخطر، مع اندفاعها لتنويع الشراكات الاقتصادية على أكثر من صعيد.

ورأى الأكاديمي لاري براون أنه ليس من السهل القفز على حالة التوجس التي تطبع العلاقات مع الصين والمخاوف من تهديدها الأمن القومي، مما يحول دون السماح بفتح الباب على مصراعيه للاسثمارات الصينية وإطلاق العنان للتعاون معها في قطاعات حيوية.

أما المختص جيمس كرابتري فأشار إلى أن هناك خشية حقيقية من السماح للصين بالنفاذ إلى عصب البنية التحتية والقطاعات الحساسة، وهو ما ينذر بخلق تبعية جديدة في النظام الاقتصادي، في وقت يحاول البريطانيون ومعهم الأوروبيون فك الارتباط مع أمريكا، وتعزيز استقلاليتهم الاقتصادية والعسكرية عن الحماية الأمريكية والهيمنة الصينية معا.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا