آخر الأخبار

تحذيرات من تحوّل الانتخابات إلى شرارة حرب بجنوب السودان

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

جوبا- تشهد دولة جنوب السودان منذ أسابيع تصعيدا عسكريا متسارعا ينذر بعودة البلاد إلى مربع الحرب الشاملة، مع توسع هجمات لفصائل المعارضة المسلحة التي يقودها رياك مشار النائب الأول للرئيس مع تشكّل تحالف يضم فصائل بارزة تنسق عملياتها ضد القوات الحكومية في عدة جبهات.

وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد الهشاشة السياسية والأمنية، إذ تتقاطع صعوبات مسار السلام مع احتجاز وملاحقة مشار قضائيا، في حين تواصل الحكومة التحضير لأول انتخابات عامة منذ انفصال البلاد عن السودان وسط أزمة اقتصادية خانقة تهدد تماسك الجيش الحكومي.

وفي تطور ميداني لافت، أعلنت فصائل المعارضة سيطرتها الأسبوع الماضي على منطقة "فجوت" الإستراتيجية قرب مدينة بور، عاصمة ولاية جونقلي المتاخمة للعاصمة جوبا، في خطوة -وصفها مراقبون- بأنها تصعيد نوعي، نظرا لقرب المنطقة من طرق إمداد حيوية تربط بين ولايات وسط البلاد وشرقها.

تصعيد مسلح

وفي السياق ذاته، شنت هذه الفصائل هجوما على مدينة كبويتا بولاية شرق الاستوائية، ما أدى إلى نزوح آلاف المدنيين، في ظل أوضاع إنسانية متدهورة تتسم بنقص حاد في الغذاء والمياه والخدمات الصحية، بحسب إفادات محلية ومنظمات إغاثية.

ومع اتساع رقعة المواجهات، شرعت الحكومة في الدفع بتعزيزات عسكرية إلى ولاية جونقلي، في مسعى لحماية مدينة بور، عقب سيطرة قوات المعارضة على بلدة باجوت ذات الموقع الإستراتيجي، ما أثار مخاوف من احتمال تقدم المتمردين جنوبا.

وأفادت مصادر أمنية، بخروج قافلة تضم قوات ومركبات مدرعة وشاحنات إمداد من جوبا، في تحرك وصف بأنه دفاعي لتثبيت الطوق الأمني حول بور، على أن تستكمل لاحقا بحشود أكبر لطرد الفصائل المسلحة من الولاية.

ويعد هذا التطور سابقة ميدانية لافتة، إذ تسجل للمرة الأولى حالات سيطرة وتوغل لقوات المعارضة داخل مناطق تُصنف تقليديا ضمن العمق الحكومي في ولايتي جونقلي وشرق الاستوائية، ما يعكس تحولا نوعيا في مسار الصراع واتساع رقعته الجغرافية.

إعلان

وحذرت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في جنوب السودان من تصعيد كارثي للعنف مع تقدم المعارضة في جونقلي واحتدام الاشتباكات في مناطق متعددة، معتبرة -في بيان صادر عنها- أن التطورات تمثل تآكلا خطِرا لاتفاق السلام الذي أنهى الحرب الأهلية عام 2018.

مصدر الصورة رياك مشار يجلس في أقصى اليمين في قفص الاتهام بقاعة المحكمة في جوبا (أسوشيتد برس)

اعتقال المعارضة

وأكدت اللجنة أن التصعيد يعرض المدنيين لمخاطر الموت والنزوح والحرمان، داعية إلى خفض التصعيد فورا ووقف الأعمال العدائية في المناطق السكنية، بما في ذلك الغارات الجوية والهجمات البرية، ومشددة على أن حماية المدنيين "التزام قانوني" على الحكومة.

كما أفادت اللجنة بأن أكثر من 100 ألف شخص نزحوا قسرا من ولاية جونقلي منذ أواخر ديسمبر/كانون الأول 2025، في ظل تدمير متكرر للأسواق والمرافق الصحية في مقاطعات أورور وأيود ونييرول، ما فاقم من حدة الأزمة الإنسانية.

وفي سياق متصل، حذر آدموند ياكاني، مدير منظمة تمكين المجتمع للتنمية، من خطورة التصعيد العسكري المتسارع، مؤكدا في حديثه للجزيرة نت "تشكل تحالفات بين جماعات مسلحة، إلى جانب تراجع الروح المعنوية داخل صفوف الجيش الحكومي بسبب تأخر صرف الرواتب وارتفاع معدلات التجنيد الإجباري، يجعل احتمال اندلاع حرب واسعة قائما".

ودعا ياكاني إلى إطلاق حوار سياسي عاجل بين الأطراف لتجنب تفكك الدولة وتفاقم العنف، مشددا على أن "البديل عن الحوار سيكون مزيدا من الدماء وحركات النزوح".

مصدر الصورة المتحدث باسم المعارضة دعا عناصر الجيش الحكومي للانضمام إلى صفوف ما سماها بالمقاومة (الفرنسية)

استمرار التوتر

وفي ولاية الوحدة شمال غربي البلاد على الحدود مع السودان، اندلعت اشتباكات جديدة في مقاطعة كوج بين القوات الحكومية و الحركة الشعبية لتحرير السودان المعارضة، أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 15 جنديا، في مؤشر على استمرار التوترات الميدانية رغم الدعوات المتكررة لوقف العنف.

ويرى مراقبون أن هذا التصعيد يرتبط باعتقال ريك مشار زعيم المعارضة والنائب الأول لرئيس الجمهورية ومحاكمته في جوبا، إلى جانب عدد من قيادات المعارضة، في خطوة تعتبرها هذه القوى محاولة لإقصائه من المشهد السياسي ومنعه من المشاركة في العملية الانتخابية المقبلة.

وترى المعارضة أن إصرار الحكومة على المضي في تنظيم الانتخابات العامة مع نهاية العام الجاري، من دون مشاركة مشار، يشكل دافعا لاعتماد خيار الضغط العسكري لفرض معادلة سياسية جديدة، في ظل تعثر الحوار وتجميد تنفيذ الاتفاقات الانتقالية، وهو ما يزيد من هشاشة الوضع الأمني وينذر بتداعيات أوسع على الاستقرار.

وفي سياق التصعيد، أعلن المتحدث العسكري باسم المعارضة في جنوب السودان بيتر لام قبريال، في بيان له، أن "باب الانضمام إلى صفوف المقاومة لا يزال مفتوحا أمام عناصر الجيش الحكومي في ولايات أعالي النيل وبحر الغزال وشرق الاستوائية"، ودعا للتحول إلى جانب الشعب والمشاركة في "مشروع التغيير الوطني" الذي يهدف إلى إسقاط نظام سلفاكير.

وأكد قبريال وجود تحالف جديد يضم جميع الفصائل المعارضة، من بينها الجبهة المتحدة وجبهة الخلاص الوطني وحركة الجنرال ستيفن بواي، "الذي يعمل بتنسيق كامل بهدف إسقاط النظام وإقامة حكم مدني يعكس إرادة الشعب"، كما ناشد المواطنين الابتعاد عن المواقع العسكرية، مشيرا إلى أن "المعارك المقبلة ستستهدف مناطق إستراتيجية".

مصدر الصورة القلاقل السياسية والعسكرية تسببت في نزوح آلاف المدنيين (أسوشيتد برس)

هدنة هشة

وفي خطوة تعكس تصاعد الأزمة السياسية، دعت "مفوضية مراقبة وتقييم اتفاق السلام" التابعة ل لاتحاد الأفريقي، الجمعة، إلى التدخل وتأمين إطلاق سراح مشار وعدد من قيادات المعارضة، محذرة من أن استمرار احتجازهم يهدد بحدوث "انهيار لا رجعة فيه" لهدنة هشة.

إعلان

وقال الجنرال المتقاعد جورج أغري أوينوف، رئيس المفوضية بالإنابة، في كلمة له أمام مجلس السلم والأمن الأفريقي إن الوضع "تدهور بشكل كبير"، وأن تنفيذ اتفاق السلام 2018 تعرض لتقويض شديد.

وطالبت المفوضية بفتح حوار سياسي عاجل والعودة إلى التنفيذ الكامل لاتفاق "السلام المفعّل" بما في ذلك إعادة الحقائب الحكومية التابعة لحركة المعارضة، محذرة من أن عدم اتخاذ خطوات عاجلة قد يدفع البلاد نحو حرب أهلية شاملة.

وأضاف أوينوف أن وقف إطلاق النار انهار عمليا في مناطق واسعة، مع توسع الاشتباكات بين القوات الحكومية وحركة المعارضة في ولايات جونقلي وأعالي النيل والوحدة وغرب بحر الغزال والمنطقة الاستوائية، مشيرا إلى أن "الوقائع الميدانية تؤكد وقوع اشتباكات مسلحة في 6 من أصل 10 ولايات و3 مناطق إدارية".

من جانبها، تصر السلطات الحكومية على أن الانتخابات تمثل "مرحلة انتقالية حاسمة نحو استقرار الدولة وبناء مؤسساتها"، لكن هذا الطرح يواجه رفضا واسعا من المعارضة التي تعتبرها محاولة لإقصائها من العملية السياسية، في ظل استمرار احتجاز مشار ومحاكمته.

وتأتي هذه الاستحقاقات في وقت لا يزال فيه اتفاق السلام لعام 2018 يواجه رفضا من مجموعات مسلحة متعددة، ما يرفع من مخاطر أن تتحول الانتخابات إلى شرارة جديدة لتصعيد الصراع بدلا من أن تكون بوابة نحو سلام شامل.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا