قبل نحو ثلاثة أسابيع، وعد الشاب إبراهيم محمد (33 عامًا) شقيقه الأصغر بشراء هاتف "آيفون" جديد له من دولة قطر، التي يعمل ويُقيم فيها مُنذ ما يقرب من سبع سنوات، إلا أن فرض ضريبة جُمركية تُقدر بـ 38.5% من قيمة الهاتف الذي سيشتريه ويُحضره معه دفعه للتراجع عن قراره.
يقول إبراهيم لـ DWعربية، إن الضريبة التي ستُفرض على الهاتف ستجعل سعره مقاربًا لنفس السعر الموجود بالسوق المحلي المصري ، والذي هو أغلى من سعره الطبيعي بنحو 25 ألف جنيه مصريًا (530 دولارًا). وأضاف إبراهيم أنه يتمنى إلغاء القرار وبنفس الوقت توفر منتجات تنافسية ذات جودة عالية داخليًا تدفع المواطنين للإقبال على المُنتج المحلي بدلًا من الرغبة في الشراء من الخارج.
أما أحمد (30 عامًا)، وهو شاب مصري درس في ألمانيا ويعمل ويُقيم فيها منذ عدة سنوات، فقد وضعه قرار الحكومة في "مأزق"، وفق حديثه مع DWعربية. فقد وعد والدته بشراء هاتف جديد لها بجودة عالية؛ حتى يتمكن من التواصل معها بشكلٍ أفضل بعيدًا عن الهواتف "ضعيفة الجودة" المُتاحة في السوق، لكنه لن يستطع تنفيذ وعده، بحسب قوله.
يرى أحمد أن قرار الحكومة هدفه الأول "جمع الأموال من المغتربين بطريقة غير منطقية"، مُتسائلاً عن الفائدة العائدة عليه من دفع الضريبة الجمركية على هاتف يشتريه لوالدته، بقوله: "ببساطة.. أنا كمغترب ماذا ستقدم لي الحكومة في مصر من خدمات مقابل أخذ هذه الأموال، أنا لست ضد مكافحة تهريب الهواتف، ولكن لماذا تم تعميم القرار وكأن كل المُغتربين يهربونها؟".
يُقدر عدد المصريين المُقيمين في الخارج بـ 14 مليون شخص، وفق تصريحات رسمية لوزيرة الهجرة في لقاء تلفزيوني عام 2024، وتُشكل تحويلاتهم أحد أهم مصادر النقد الأجنبي لمصر، حيث بلغت في 11 شهرًا بين يناير/ كانون الثاني ونوفمبر/ تشرين الثاني 2025، نحو 37.5 مليار دولار، بحسب بيان رسمي للبنك المركزي المصري في يناير الجاري.
وبموجب قرار انتهاء الإعفاء الاستثنائي للهواتف المحمولة الواردة، الصادر عن مصلحة الجمارك والجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في 20 يناير/ كانون الثاني الجاري، فإن جميع أجهزة المحمول التي يُدخلها الركاب تخضع للرسوم الجمركية والضريبة المقررة، مع منح المصريين المغتربين والسائحين 90 يومًا من تاريخ تفعيل الهاتف داخل مصر لتسديد الرسوم أو إيقاف الجهاز نهائيًا عن العمل داخل البلاد.
أصبحت جميع أجهزة المحمول التي يُدخلها الركاب إلى مصر تخضع للرسوم الجمركية والضريبة المقررةصورة من: Mahmoud Eltabakh/DWوتُبرر الحكومة قرارها بـ "حوكمة أجهزة الهواتف"، و"توطين" صناعتها ومكافحة الممارسات غير القانونية. وتقول إنها سمحت بجهاز محمول لراكب واحد قبل أشهر، وكان "قرارًا استثنائيًا" لحين توفير هواتف محمولة مصنعة محليًا غير خاضعة للجمارك. وتوضح الحكومة أن "الأمر تغير بتلبية احتياجات السوق وتوفير أحدث الطرازات العالمية المصنعة محليًا في منافذ البيع وبموصفات فنية وجودة عالية وأسعار تنافسية"، مع دخول 15 شركة عالمية لتصنيعه في البلاد بطاقة إنتاجية ۲۰ مليون جهاز سنوياً، وفق بيانها.
في هذا السياق، يُشير بيان صادر عن مجلس الوزراء المصري في 24 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، إلى أن الـ 15 علامة تجارية التي دخلت السوق، تضم مصنع سامسونغ بإجمالي استثمارات 700 مليون دولار بطاقة إنتاجية 6 ملايين وحدة سنويًا، و"شاومي" باستثمارات تصل لنحو 30 مليون دولار وبطاقة إنتاجية تصل إلى 3 ملايين وحدة سنويًا، وشركة "أوبو" باستثمارات 50 مليون دولار، بجانب كل من "فيفو" الصينية، وشركة "سيكو".
وبحسب الحكومة المصرية فقد جرى تقديم تسهيلات وحوافز وإعفاءات كبيرة للشركات السابقة، منها توحيد التعريفة الجمركية على بعض مستلزمات الإنتاج في حدود 2% بدلًا من 10%، إلى جانب الإعفاء من رسم وزارة المالية على الأجزاء والمكونات اللازمة للتصنيع والهواتف المصنوعة محليًا، على أن تكون نسبة القيمة المضافة والتصدير 40%.
على منصات التواصل الاجتماعي وخاصةً "فيسبوك" و"إكس"، عّبر الكثير من الشباب المغتربين والمُقيمين داخل البلاد على حد سواء عن رفضهم للقرار واستيائهم منه، مُتسائلين عن سبب وجدوى إجبارهم على دفع ضرائب جديدة على هواتفهم. الأمر الذي دفع إعلاميين مقربين من الحكومة للإشارة إلى وجود "حالة غضب كبيرة" بين المصريين في الخارج، مشيرين إلى ضرورة أخذ الأمر بعين الاعتبار و"مراعاة" المصريين في الخارج والسماح لهم بهاتف واحد فقط؛ ردًا على جميل وقوفهم بجانب الدولة وضخ أموالهم التي تُنقذ الاقتصاد.
وسط هذا الجدل، ظهرت مخاوف بشأن ارتفاع أسعار الهواتف المحمولة في الداخل خلال الأيام المقبلة. لكن سرعان ما نفت شعبة الاتصالات والمدفوعات الرقمية بالاتحاد العام للغرف التجارية المصرية هذا الاتجاه. وشددت في بيان رسمي، على لسان رئيسها المهندس إيهاب سعيد، على أن قرار "إلغاء الإعفاء الاستثنائي للأجهزة الواردة" يعكس جدية الدولة في مواجهة ظاهرة تهريب الأجهزة، التي وصلت إلى 90% قبل يناير/ كانون الثاني 2025، وتسببت في خسائر ضخمة للخزانة العامة، على حد تعبيره.
وحول المخاوف المتعلقة بتأثير القرار على أسعار الهواتف، أكد سعيد أن الأسعار لن تشهد زيادات نتيجة تطبيق القرار، حيث بات السوق المصري يعتمد بشكل أساسي على التصنيع المحلي، وهو ما يقلل من تكاليف الاستيراد والشحن، ويسهم في استقرار الأسعار، ويوفر مُنتج يُناسب جميع شرائح المستهلكين، بحسب البيان.
وأجرت DWعربية، جولة بشارع "عبد العزيز" في منطقة العتبة بالقاهرة ، والذي يضم مئات المحلات المتخصصة في بيع وشراء كافة أنواع الهواتف الذكية، ما يجعله أكبر سوق للمحمول والأجهزة الكهربائية في البلاد. التقت DWعربية بخمسة تجار، أكدوا أن قرار إلغاء الإعفاء، تسبب في زيادة أسعار الطرازات الثمينة من الهواتف لاسيما "آيفون 17 برو ماكس" بمقدار من 3- 5 آلاف جنيه (64 -106 دولار) خلال يومين فقط.
التاجر إبراهيم يونس يعتبر القرار "عقابًا"صورة من: Mahmoud Eltabakh/DWفي هذا السياق، يقول التاجر إبراهيم أنس لـ DWعربية، إن هاتف "آبل" الأحدث "آيفون 17 برو ماكس"، هو أكثر الأجهزة المُتأثرة بالقرار الحكومي؛ كونه "خارج التسعيرة" ويُصنع خارج البلاد، وهو النوع المُفضل لدى كثير من المقيمين بالخارج لإهدائه إلى أقاربهم وأبنائهم في الداخل، واصفاً القرار بأنه "عقاب" لهم وليس مُكافأة.
ووفق إبراهيم، فإنه رغم زيادة مبيعات عدد من شركات الهاتف الموجودة في السوق خلال الأشهر الأخيرة جراء التصنيع المحلي، إلا أنه لم يحظ بالانتعاشة المطلوبة كما يظن البعض، حيث لا يزال السوق متأثرًا بتعويم العُملة، والصراع الاقتصادي بين الصين وأمريكا.
وبينما يرى التاجر المصري أن قرار الحكومة بشأن إلغاء الإعفاء الاستثنائي على هواتف الركاب "قد يبدو جيدًا" لرواج الهواتف المُصنعة محليًا، إلا أنه يعتبره "عبثيًا وعشوائيًا وغير مدروس". ويُرجع إبراهيم ارتفاع أسعار الهواتف المُصنعة محليًا مثل "سامسونغ غالاكسي إس 25 ألترا"، إلى استيراد الأجزاء الرئيسية فيها من الخارج والاكتفاء حتى الآن بـ "تجميع الهاتف" في المصانع الموجودة بالداخل، فضلاً عن مسألة فرق سعر صرف العملة.
وأجرت DWعربية، مقارنة في 23 يناير/ كانون الثاني الجاري بين أسعار هاتف "سامسونغ غالاكسي إس 25 ألترا" المُصنع محليًا، وأسعار نفس الهاتف في سوق مجاور مثل المملكة العربية السعودية التي تستورده. وبلغ سعره على "أمازون مصر" 60 ألف جنيه مصريًا (1272 دولارًا)، فيما كان سعر نفس الهاتف على "أمازون السعودية" 3500 ريال سعودي (933 دولارًا)، أي بفارق نحو 340 دولارًا.
وبالنسبة لسعر هاتف "آيفون 17 برو ماكس" نسخة "256 غيغا بايت" الذي يُباع عالميًا بمتوسط سعر يبلغ نحو 1200 دولار أمريكي، فقد عُرض للبيع على "أمازون مصر" في نفس التاريخ المشار إليه بـ 94 ألف جنيه مصري (1994 دولارًا أمريكيًا)، مقابل سعره في "أمازون السعودية" 5400 ريال سعودي (1440 دولار أمريكي)، أي بفارق نحو 550 دولارًا.
هذا التفاوت الكبير في الأسعار بين السوق المحلي والأسواق المجاورة، دفع الدكتور كريم العمدة، خبير الاقتصاد المصري؛ للتساؤل عن جدوى التسهيلات التي تقدمها الحكومة لشركات صناعة المحمول الكبرى في ظل تكلفة الإنتاج العالية للأجهزة، رغم رخص الأيد العاملة ومصادر الطاقة.
الخبير الاقتصادي المصري كريم العمدة يرى أن القرار قد يفتح باباً للتحايل والفسادصورة من: Karim El-Omda/DWويرى العمدة، في حديثه لـ DWعربية، أن المُبرر الاقتصادي المتمثل في إنعاش التصنيع المحلي لا يعني تعميم القرارات بهذا الشكل الذي يثير غضب المواطنين، لاسيما المُقيمين في الخارج. ويقول إنه "كان من الأجدر وضع ضوابط للتصدي للدخول التجاري للهاتف وليس المنع الكامل على أساس أن فلسفة الضريبة الجمركية تقوم على التشجيع والحماية، مع ضرورة وضع المصريين بالخارج في الحسبان باعتبارهم أهم مُدخل للنقد الأجنبي".
وبحسب العمدة، فإن القرار قد يفتح باباً للتحايل والفساد، فضلاًُ عن زيادة المخاوف من التهريب عبر حدود الدول المجاورة لاسيما السودان وليبيا، وتفاقم السوق السوداء للهاتف داخل البلاد، ناصحًا الشباب في الوقت ذاته بالبعد عن نمط الاستهلاك السيء وضرورة الاعتداء والحكمة في الشراء.
وبخصوص نفس الموضوع، تقدم أربعة نواب هم مجدي مرشد، وعبد المنعم إمام، ومها عبد الناصر، وصافيناز طلعت، بأسئلة برلمانية وطلبات إحاطة إلى رئيس الحكومة الدكتور مصطفى مدبولي ووزيري المالية والاتصالات حول قرار إلغاء الإعفاء الاستثنائي على الهواتف الواردة من الخارج بصحبة الراكب، مُتسائلين عن مردوده على العائد القومي وآثاره الاجتماعية على المواطنين في ظل حالة الغضب المُثارة والأوضاع الاقتصادية للبلاد.
وفي بث مباشر عبر صفحتها الرسمية على منصة "فيسبوك"، قالت النائبة مها عبد الناصر، وكيلة لجنة الاتصالات بمجلس النواب، إنه سيجري استدعاء مُمثلي الحكومة قبل نهاية يناير/ كانون الثاني الجاري، للوقوف على مبررات القرار وتوقيت وآليات تطبيقه، ومدى توافقه مع اعتبارات العدالة الاجتماعية ومصلحة المواطنين.
فيما طالب النائب عبد المنعم إمام، الحكومة بتعديل قراراها وإتاحة هاتف واحد لكل مُقيم في الخارج على الأقل، على أساس أن "أسعار الهواتف في السوق المحلية أعلى من الخارج بنسبة تصل إلى 20 و30%، حتى للأجهزة المُصنعة محليًا، بينما تصل الزيادة على بعض الهواتف المستوردة إلى نحو 50%"، معتبرًا أن ذلك "يُمثل عبئًا كبيرًا على المصريين العائدين نهائيًا من الخارج، فضلًا عن تأثيره السلبي على استخدام الخطوط المصرية وتحويلات المصريين بالخارج".
تحرير: محيي الدين حسين
المصدر:
DW