نشرت قناة "i24 News" تقريرا كشفت من خلاله تفاصيل حياة الجاسوس الإسرائيلي إيلي كوهين الذي اخترق قلب النخبة السورية كرجل أعمال وتمكن من الاطلاع على أسرار الجيش السوري الدفينة.
وفي تقريرها قالت القناة: "في يناير 1965، ساد صمت غريب في الحي الراقي بدمشق، بينما كانت الحكومة السورية تشغل معدات رصد متقدمة في ظل "صمت إذاعي" تام، سمعت في إحدى الغرف أصوات طقطقة سريعة كان ذلك إيلي كوهين الرجل الذي تخطى كل حدود ممكنة، في العمل لصالح إسرائيل.. واقتحم رجال أمن سوريون شقته في ذلك الشهر ليضعوا حدا لإحدى أجرأ عمليات التجسس في التاريخ الحديث".
وذكر أن كوهين وبعد 61 عاما لا تزال شخصية الركيزة الأساسية للاستخبارات الإسرائيلية.
وإيليا بن شاؤول كوهين ولِد عام 1924 في الإسكندرية بمصر، بعد أن هاجرت عائلته إليها من حلب السورية، في قلب جالية يهودية عاشت تحت ظل تصاعد القومية العربية.
وفي خمسينيات القرن الماضي كان بالفعل متورطا في نشاط صهيوني سري، وهي تجربة شكلت صلابته النفسية.
في عام 1957 هاجر إلى إسرائيل واستقر في بات يام وعمل محاسبا في شركة عادية، لكن مصيره كان مكتوبا في أماكن أخرى.
وبعد أن تم تجنيده في الاستخبارات العسكرية ولاحقا في الموساد تحت الرقابة الدقيقة لمئير عميت، بدأ مسار تحوله إلى "كمال أمين ثابت".
خضع كوهين لتدريب مكثف لتشغيل سري وتشفير رسائل، وقبل كل شيء بناء هوية مزيفة لرجل أعمال سوري غني يعود إلى بلاده من الأرجنتين، حيث أنشأ في بوينس آيرس شبكته الأولى، من خلال احتكاكه بالمنفيين السوريين ومؤيدي حزب البعث، وكسب ثقتهم بمهارة كبيرة وكاريزما استثنائية.
وفي بداية عام 1962 وصل كوهين إلى دمشق، واستقر في شقة فاخرة في حي راق وبدأ يعيش حياة مزدوجة ومثيرة.
كان "كمال" (كوهين) يقيم حفلات فاخرة للضباط البعثيين حيث يتدفق فيها الخمر بحرية، ومع نشوة السكارى تطفو أسرار الجيش السوري الدفينة.
وذكرت القناة العبرية أن ضباطا كبارا وأعضاء في البرلمان السوري يرونه وطنيا وكريما، ولم يشكوا للحظة أن المضيف الساحر الذي يتجول بكأس مشروب يتذكر كل كلمة، وكل توزيع لوحدة عسكرية، وكل صراع سياسي.
المعلومات التي نقلها كوهين لم تكن نصية فقط، فخلال جولاته الشهيرة في هضبة الجولان انضم إلى ضباط سوريين إلى خط مواقع التماس، وهناك في عمل "الاهتمام بالجنود"، اقترح زراعة أشجار الكافور بالقرب من المواقع.
وهذه الأشجار أصبحت في حرب الأيام الستة علامات هدف واضحة لسلاح الجو والجيش الإسرائيلي، الذين رسموا تحصينات الجيش السوري بدقة قاتلة بفضل تقاريره.
النجاح الذي حققه كوهين حمل في طياته أيضا خطرا متزايدا، فالاستخبارات السورية التي شعرت بالإحباط من تسريب المعلومات، بدأت بالاستعانة بخبراء لكشف الجاسوس.
كوهين، وتحت ضغط لتقديم معلومات مستمرة وربما أيضا بسبب الثقة الزائدة بالنفس، واصل البث بوتيرة عالية، وفي 24 يناير 1965، أُحكم الفخ عليه واقتحمت قوات الأمن السورية شقته بينما كان منكبا على جهاز إرسال وهو الدليل القاطع الذي لم يكن بالإمكان إنكاره.
ووفق المصدر ذاته، تبين من شهادات متأخرة أنه من المحتمل أن علاقاته مع شخصيات مشبوهة مثل الوسيط ماجد شيخ الأرض، قد أثارت الشبهات ضده حتى قبل التتبع التكنولوجي حيث رسمت بداية نهاية "الجاسوس" وبدأت تحاك في أقبية التحقيقات السورية حيث تعرض لتعذيب شديد لكنه تمسك بموقفه.
وعلى الرغم من حملة دولية غير مسبوقة ومناشدات من قادة العالم الغربي والعربي وضغط دبلوماسي شديد من جانب إسرائيل، رفضت سوريا تخفيف حكمه، وفي 18 مايو 1965 أعدم إيلي كوهين شنقا في ساحة المرجة بدمشق أمام جموع الناس وهو ملفوف بلافتة تسرد "جرائمه".
مضت 61 سنة ولم تعد جثته إلى إسرائيل بعد، علما أن النظام السوري حافظ عبر الأجيال على موقف متشدد ورافض في هذا الشأن.
كشف باروخ يديد المحلل المختص بالشؤون العربية في القناة العبرية، مؤخرا عن أحد أكثر التطورات في هذه القضية، ففي مايو 2025 هبطت مروحية في السويداء جنوب سوريا، في عملية سرية تهدف إلى جمع "كنز" المخابرات السورية المتعلق بإيلي كوهين.
وكشف مصدر سوري في حديث مع قناة "i24NEWS" أن نقل الأرشيف كان بمثابة إشارة ولفتة من الرئيس السوري الجديد الشرع، إلى إسرائيل والولايات المتحدة.
وبينما تساءل الكثيرون عن الغرض من هذا الهبوط الغامض، اتضح أن المروحية وصلت لجمع نحو 2500 وثيقة وصورة ومقتنيات شخصية كانت محفوظة في أكثر أقسام المخابرات السورية سرية لعقود.
ووصلت هذه المواد إلى إسرائيل بالتزامن مع الذكرى الستين لإعدامه، وتشمل تسجيلات من ملفات الاستجواب، ورسائل بخط يد كوهين إلى عائلته، وحتى المفاتيح الأصلية لشقته في دمشق.
وفي لقاء عقد في شهر مايو 2025 بحضور رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ورئيس الموساد برنياع، قُدمت للأرملة نادية كوهين النتائج التي تم العثور عليها.
وإحدى اللحظات الدراماتيكية كانت الكشف عن وثيقة الوصية الأصلية التي كتبها إيلي قبل ساعات قليلة من صعوده إلى المشنقة وهي وثيقة لم تكشف حتى الآن إلا بنسخ مصورة.
وبين الملفات العديدة، يوجد أيضا ملف برتقالي سميك يحمل اسم "ناديا كوهين"، تبيّن أن المخابرات السورية تابعت بدقة كل نشاط قامت به ناديا من أجل تحرير زوجها، بما في ذلك رسائلها إلى قادة العالم.
وإلى جانب إعادة الأرشيف، تزداد التقارير التي تشير إلى أن إعادة رفات كوهين لدفنه في إسرائيل باتت قريبة أكثر من أي وقت مضى.
وفي ختام تقريرها قالت القناة إن "قصة إيلي كوهين بدأت في الإسكندرية، ومرت عبر مقاهي دمشق وانتهت على المشنقة في ساحة المرجة، والآن، بعدما أصبحت وثائقه الشخصية في إسرائيل لم يبق سوى الانتظار لعودة رفاته".
المصدر: "i24 News"
المصدر:
روسيا اليوم
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة