آخر الأخبار

كيف تحول الإنترنت في إيران إلى تجارة سوداء وامتياز “طبقي”؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

طهران- في ظل استمرار قطع الإنترنت في إيران ومواصلة القيود الشديدة التي بدأت طهران بتطبيقها قبل أسبوعين على الشبكة العنكبوتية إثر اندلاع احتجاجات معيشية سرعان ما تخللتها أعمال شغب أدت إلى مقتل أكثر من 3 آلاف شخص، تشكّلت سوق سوداء يتحول فيها الوصول إلى خدمات الاتصال بالعالم الرقمي إلى معركة يومية على البقاء المهني والاجتماعي.

وفي هذه السوق الموازية، "لم يعد بيع إعدادات اتصال ذات سِعات صغيرة بأسعار فلكية للاستهلاك الترفيهي أو الاستخدام الفاخر" كما يقول الشاب مهدي (36 عاما).

ويوضح للجزيرة نت، أن استعداده لدفع مبالغ طائلة مقابل إعداد اتصال بحجم "10 ميغابايت" فقط يظهر تحول الإنترنت إلى أداة بقاء أساسية لضمان استمرارية عمله والحفاظ على علاقاته المهنية وحتى العائلية.

ويكشف مهدي عن تحوّل بعض المناطق الحدودية إلى أسواق بديلة للإنترنت، موضحا أنه اعتاد خلال الأيام الماضية السفر إلى أحد المعابر الحدودية المشتركة مع العراق جنوب غربي البلاد.

وأشار إلى أن آخرين يتجهون بدورهم إلى معابر حدودية مع إقليم كردستان أو أفغانستان، في محاولة لالتقاط إشارة الشبكات الأجنبية عبر خاصية التجوال الدولي (الرومينغ) باستخدام شرائح اتصال محلية.

غير أن تشديد القيود لاحقا دفع كثيرين إلى الاعتماد على شرائح الهاتف الأجنبية، ما أسهم في تدفق واسع لشرائح عراقية وأفغانية إلى الداخل الإيراني باعتبارها الخيار المتاح الوحيد.

أزمة الإنترنت

أما الشابة غزل (28 عاما)، فتقول إنها اشترت برمجية لتخطي الحجب بمبلغ 150 مليون ريال (الدولار يساوي مليونا و410 آلاف ريال إيراني) أي ما يقارب نحو 10 أضعاف السعر الذي كانت تدفعه لاقتناء مثل هذه البرمجيات خلال الأشهر الماضية، موضحة في حديثها للجزيرة نت أن أزمة الإنترنت في بلادها ولّدت "اقتصاد ظل" قائما على بيع الخدمات الرقمية المهرّبة لا سيما معدات الإنترنت الفضائي بأسعار خيالية.

إعلان

وفي السياق، كشف موقع "زوميت"، المتخصص في البيانات الرقمية عن توفير بعض شركات الاتصالات الداخلية خدمات الإنترنت لبعض زبائنها بشكل غير رسمي، مضيفا أن هذه الثغرة النادرة سرعان ما تحوّلت إلى سلعة نادرة وقيّمة في سوق الإنترنت حيث بدأ السماسرة في بيع إمكانية الوصول إلى هذه الخدمة للمواطنين.

ونقل الموقع عن الخبير الشبكي شهاب الدين حسيني، أن بعض الخوادم كانت تملك الإنترنت من اليوم التالي لقطعها، مضيفا أن بعض الأشخاص يحصلون بالفعل على الإنترنت من بعض الشركات ومراكز البيانات بينما كان آخرون يبيعون نفس الإعدادات بأسعار باهظة.

وعلى ضوء هذه التقارير، أقالت السلطات الإيرانية علي رضا رفيعي، الرئيس التنفيذي لشركة "إيرانسل"، ثاني أكبر مُشغّل للاتصالات في البلاد، بدعوى "عدم الامتثال للقوانين المعلنة في ظروف الطوارئ"، في خطوة فسّرها مراقبون برفضه تنفيذ قرار أمني يقضي بقطع الإنترنت.

مصدر الصورة انقطاع الإنترنت في إيران جاء نتيجة احتجاجات ومطالب شعبية واتهامات بتدخل جهات خارجية (الجزيرة)

البيع الوهمي

وأفاد موقع "زوميت" بأن حاجة الناس للشبكة العنكبوتية أفرز معضلة الاحتيال أو ما يسمى بالبيع الوهمي الذي نما بشكل كبير مع زيادة الطلب وانعدام الشفافية، حيث تحوّلت السوق الموازية للإنترنت إلى بيئة خصبة لعمليات النصب والاحتيال يروج فيها المحتالون لبيع إعدادات وهمية أو غير فعالة، مستغلين حاجة الناس.

وانطلاقا من الحاجة الماسة التي يفرضها قطع الإنترنت، يقول مراقبون إن الحاجة دائما تولّد سوقا سوداء غير منظمة، محذرين من أن غياب التنظيم يفتح الباب على مصراعيه للفساد والاستغلال، والنتيجة النهائية هي أن المواطن العادي يدفع الثمن مرتين، مرة في تكاليف مالية باهظة قد تذهب لجيوب محتالين، ومرة في الخسائر الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن العزلة الرقمية.

وبينما تثير مثل هذه الثغرات التقنية في مراكز البيانات -إن كانت مقصودة أو غير مقصودة- حفيظة الأوساط الإيرانية، تطرح تساؤلات جدية عن قدرة الجهات المعنية باتخاذ القرار بشأن قطع الإنترنت تارة وتقييدها تارة أخرى على تنفيذ السياسات بشكل منسّق، وبشأن الجهة المستفيدة من السوق الموازية للشبكة العنكبوتية في البلاد.

سبل بديلة

في السياق، يصف عبد الرضا داوري الناشط السياسي المحافظ ومستشار الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد، نشوء سوق سوداء للإنترنت بأنها "ظاهرة معقدة وخطيرة" لهذه الخدمة الحيوية.

وقال داوري للجزيرة نت، إنها ليست مجرد قضية تقنية عابرة، بل هي مؤشر على تكوين فجوة رقمية عميقة وتكريس بنيوي لانعدام العدالة في الوصول إلى المعلومات، مشددا على أنها تتناقض مع المبادئ الأولية للثورة الإسلامية التي نادت بالعدالة الاجتماعية.

وأشار المتحدث نفسه إلى أن السوق السوداء للإنترنت تقوم أساسا على محورين رئيسيين لتلبية طلب المواطنين على الوصول إلى الفضاء الافتراضي:


* يتمثل المحور الأول في توفير خدمات رقمية غير قانونية، من بينها برامج تخطي الحجب وإعدادات الاتصال عبر الشبكات الافتراضية، التي تُباع بأسعار خيالية، مع اشتراط الدفع في الغالب باستخدام العملات الرقمية.
* أما المحور الثاني -وفق داوري- فيتمثل في تهريب البضائع والأدوات مثل شرائح الهواتف الأجنبية سواء كانت عراقية أو أفغانية، حيث تباع بأسعار فلكية تصل إلى 300 مليون ريال في المدن البعيدة عن الحدود المشتركة، بالإضافة إلى معدات الحصول على الإنترنت عبر الأقمار الصناعية مثل "ستارلينك" كبديل لحصول الإيرانيين على الإنترنت الدولي.
إعلان

ويحذر داوري، من أن لهذه الظاهرة تبعات كبيرة على الأمن القومي والاقتصاد، حيث إن استخدام أدوات اتصال مجهولة المصدر يعرّض المستخدمين والبنى التحتية للاختراق، كما أن تدفّق المدفوعات بالدولار أو العملات المشفرة يساهم في هروب رؤوس الأموال من البلاد، ويؤدي لتحويل جهود المجتمع وموارده، لمجرد الحصول على خدمة أساسية، إلى إضعاف الإنتاجية الوطنية.

لكن الأخطر من ذلك -برأي داوري- هو ما يسميه "تشكُّل إنترنت طبقي" يقسّم المجتمع إلى 3 شرائح كالتالي:


* الطبقة الأولى: تضم النخب الحاكمة وبعض المؤسسات الخاصة التي تتمتع باتصال آمن ومصرح به عبر ما يعرف بـ"الإنترنت الأبيض" أو تراخيص خاصة.
* الطبقة الثانية: هي تلك التي تستطيع تحمل تكاليف باهظة للحصول على اتصال عبر السوق السوداء، ما يحوّل الإنترنت إلى سلعة فاخرة بالنسبة للأسر متوسطة الدخل.
* الطبقة الثالثة: التي يشكّلها الفقراء وذوو الدخل المحدود، تكون محرومة من هذه الخدمة، وبالتالي من فرص التعليم والعمل والتواصل العالمي، في مؤشر على واقع مستحدث يناقض مبدأ العدالة الاجتماعية الذي كان من أركان الثورة، ويعمّق الفجوة الطبقية القائمة.
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا