آخر الأخبار

السودان بعد ألف يوم من الحرب- أزمة إنسانية مأساوية وصمت دولي

شارك
السودان من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم صورة من: Ashraf Shazly/AFP

بعد أكثر من ألف يوم من الصراع، يعيش السودان  أزمة إنسانية كبيرة  . فالنساء والفتيات يتعرضن للعنف، وأكثر من 21 مليون شخص يواجهون خطر الجوع، بينما نزح أكثر من 15 مليون سوداني داخليًا وخارجيًا، ليجد قرابة ثلث السكان أنفسهم بلا مأوى أو مصدر للعيش.

فخلال ثلاث سنوات من العنف المتواصل، أعاقت صعوبة الوصول إلى المحتاجين ونقص التمويل تقديم المساعدات، ما جعل السودان من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، حيث يحتاج نحو 33.7 مليون شخص إلى  مساعدات إنسانية  هذا العام.

كما أن الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان الدولية والمجتمع المدني ووسائل الإعلام أفادت بأن العام الجاري شهد عمليات قتل تعسفي وغير قانوني واسعة النطاق. وتتحمل القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، فضلاً عن الميليشيات المتحالفة معهما، مسؤولية انتهاكات جسيمة شملت عمليات قتل ممنهجة بحق المدنيين.

ورغم عودة بعض النازحين إلى الخرطوم، لا يزال المدنيون يواجهون أخطارًا جسيمة، من بينها الأسلحة غير المنفجرة، في وقت يستمر فيه القتال في غرب كردفان. وأفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) بأن  الحصار المفروض على مدينتي كادوقلي والدلنج أدى إلى انقطاع الاتصال بهما، ما حدّ بشكل كبير من الوصول إلى الغذاء، والرعاية الصحية، والمزارع، والأسواق.

معاناة المدنيين

وفي هذا السياق، أظهر استطلاع أجراه برنامج " السودان الآن "، الذي تبثه DW عربية، أن الأوضاع لا تزال صعبة، مع استمرار المخاطر الأمنية وغياب الخدمات الأساسية في مناطق النزاع.

وقالت حباب، التي نزحت منذ بداية الحرب" قبل ألف يوم، إن الناس ما زالت تعاني ويلات النزوح وفقدان المأوى، مشيرة إلى الخسائر الكبيرة في الممتلكات والأوراق الثبوتية، إضافة إلى تدهور التعليم والصحة. وأضافت أن الحرب رسخت الانقسامات في النسيج الاجتماعي ونشرت خطاب الكراهية على نطاق واسع، ما زاد من معاناتهم  وهم يعيشون في الشتات حول العالم."

وقال فارس، شاب سوداني نازح في بورتسودان، إن الصراع مستمر منذ ألف يوم، وما زالت معاناة المدنيين قائمة في أجزاء من بلاده. وأضاف أن النزوح والتهجير ونهب الممتلكات مستمران، رغم وجود بعض المناطق الآمنة، مشيرًا إلى استمرار حالات القتل والاغتصاب في مناطق النزاع.

ويرى عماد، شاب آخر، أن ألف يوم من الحرب فاقت كل توقعاته. وقال إنه لأول مرة يفترق عن أهله كل هذه المدة، معبرًا عن أمله في العودة إلى بلاده واللقاء بأصدقائه وعائلته قريبًا.

السودان عانى منذ الاستقلال من حروب وتمردات مسلحة في الجنوب ودارفور والنيل الأزرقصورة من: Mohammed Jamal/REUTERS

المدنيون في خطر

وفي تقرير صدر عن البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان، أشارت البعثة إلى أن أطراف النزاع تستهدف المدنيين عمدًا في مختلف أنحاء البلاد، وترتكب فظائع قد ترقى إلى  جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك الاضطهاد والإبادة.

وبالإضافة إلى ذلك، حذّر مسؤولون أمميون من تفاقم الأزمة الإنسانية، مشيرين إلى أن المكملات الغذائية المنقذة للحياة للأطفال الصغار والحوامل والمرضعات أصبحت نادرة في الخرطوم بسبب نقص الموارد. ورغم ذلك، يواصل برنامج الأغذية العالمي تقديم مساعداته لنحو أربعة ملايين شخص شهريًا، مع خطة لرفع العدد إلى سبعة ملايين، خاصة في مناطق المجاعة والمناطق عالية الخطورة، إلى جانب دعم المجتمعات المحلية عبر المساعدات النقدية لتنشيط الأسواق.

وفي المقابل، أعرب مكتب أوتشا عن قلقه من تصاعد العنف في  إقليم كردفان  ، خصوصًا بعد غارات جوية استهدفت مناطق سكنية في مدينة الأبيض، ما أسفر عن إصابة مدنيين وأعاق وصول المساعدات الإنسانية، إضافة إلى تهديد الطرق الرعوية الحيوية.

كما أشار المكتب إلى استمرار تدهور الأوضاع في مناطق أخرى، حيث استقبلت الولاية الشمالية نحو 6000 نازح جديد من شمال دارفور، معظمهم من كبار السن والجرحى وذوي الأمراض المزمنة، وهم بحاجة ماسة إلى الرعاية الصحية ومياه الشرب الآمنة وخدمات الحماية. ولا تزال الكوليرا تمثل تهديدًا في ولاية الخرطوم، رغم تراجع عدد الحالات والوفيات، وسط مخاوف من أن يخفي نقص الإبلاغ الحجم الحقيقي لتفشي المرض.

صمت العالم

وفي إقليم دارفور، وتحديدًا في منطقة جبل مرة، يواجه النازحون أوضاعًا إنسانية شديدة القسوة، مع تزايد أعداد الفارين من العنف وتحول كثير منهم إلى مراكز إيواء مؤقتة تفتقر إلى الغذاء والمياه والخدمات الصحية، خاصة في مناطق مثل طويلة وجبل مرة.

وفي هذا السياق، أكد مدير المركز الإعلامي لحقوق الإنسان وحرية الإعلام، أمية يوسف، لبرنامج السودان الآن" أن السودان يعاني من تراجع واضح في الاهتمام الدولي، في ظل انشغال القوى الكبرى بأزمات عالمية أخرى، مثل الحرب في أوكرانيا."

ويرى يوسف أنه بعد مرور ألف يوم على اندلاع  الحرب في السودان  ، يمكن وصف هذا الصراع بأنه الأخطر تدميرًا في تاريخ الدولة السودانية الحديثة. فالسودان عانى منذ الاستقلال من حروب وتمردات مسلحة في الجنوب ودارفور والنيل الأزرق، إلا أن الحرب الحالية تجاوزت كل ما سبقها من حيث اتساع رقعتها ومدى تأثيرها.

وأضاف يوسف أن الكلفة الإنسانية هائلة، حيث أسفرت الحرب عن نحو 200 ألف قتيل وعشرين ألف أسير ومعتقل في سجون قوات الدعم السريع، في ظروف وصفت بأنها بالغة السوء وتفتقر إلى أدنى معايير حقوق الإنسان. كما أدت الحرب إلى تدمير واسع للبنية التحتية، بما في ذلك المستشفيات والمدارس والجامعات، ما أثر بشكل مباشر على الخدمات الأساسية، في ظل استمرار استهداف هذه البنية من قبل قوات الدعم السريع.

ويحذر المراقبون من أن سيطرة  قوات الدعم السريع  على مناطق جديدة في غرب السودان تزيد التوترات السياسية والأمنية، وقد تؤجج النزاعات المحلية وتولد مطالب بالحكم الذاتي، ما يجعل الحل السياسي الفوري والدعم الدولي أمورًا حاسمة لحماية وحدة السودان واستقراره.

السودان ما زال يعيش حربًا قاسية وسط صمت العالم، والمدنيون يدفعون الثمن الأكبر كل يوم، في انتظار تدخل عاجل يوقف الفظائع ويعيد الأمل للشعب الذي أنهكته المعاناة.

تحرير: عبده جميل المخلافي

DW المصدر: DW
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا