آخر الأخبار

كيف تجند إسرائيل العملاء في غزة؟

شارك

لا يمكن فهم ظاهرة العمالة للاحتلال الإسرائيلي في السياق الفلسطيني بوصفها مجرد انحراف فردي أو خيانة سياسية معزولة عن شروطها. فهذه الظاهرة، كما تكشفها الدراسات النفسية والاجتماعية الحديثة، تتشكل داخل بنية قهرية مركبة، تتداخل فيها القوة العسكرية مع العنف الرمزي، والابتزاز الأمني مع إعادة تشكيل الوعي. ومن هذا المنطلق، تأتي هذه القراءة التي تستند إلى رسالة ماجستير تناولت ظاهرة الخضوع والتوحد مع المعتدي لدى عملاء الاحتلال الإسرائيلي في محافظات غزة، في محاولة لنقل النقاش من منطق الإدانة الأخلاقية وحده إلى أفق الفهم والتحليل النفسي العميق.

حصل الباحث علي ذياب إبراهيم على درجة الماجستير في قسم الإرشاد النفسي والتوجيه التربوي بكلية التربية في الجامعة الإسلامية بغزة عن هذه الدراسة، التي تنطلق من فرضية مركزية مفادها أن سلوك العمالة لا يُنتَج فقط بدافع المصلحة أو الخوف المباشر، بل يتغذّى على آليتين نفسيتين متداخلتين: الخضوع القهري والتوحد مع المعتدي. وهما آليتان لا تنشآن في فراغ، بل تتشكلان في سياق احتلال طويل الأمد، قائم على السيطرة، والإخضاع، وتفكيك البنى الفردية والجماعية للمجتمع الواقع تحت الهيمنة.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 حرب بلا رصاص.. مواجهات المعارضة والسلطة بإيران عبر الذكاء الاصطناعي
* list 2 of 2 طريق الحرير القطبي.. كيف أصبح القطب الشمالي ساحة صراع بين القوى الكبرى؟ end of list

تمثّل مجتمع الدراسة في عملاء الاحتلال الإسرائيلي بمحافظات غزة، وجرى اختيار عينة الدراسة وفق معايير دقيقة تراعي الخصوصية الأمنية والاجتماعية لهذه الفئة. كما توضح الدراسة حجم الصعوبات التي واجهت الباحث في الوصول إلى العينة، نظرًا لحساسية الموضوع وما يتطلبه من إجراءات أخلاقية وأمنية مشددة.

من العمالة إلى التوحد مع المعتدي: الإطار النظري لظاهرة العملاء

تُعدّ ظاهرة العمالة للاحتلال الإسرائيلي من أكثر الظواهر تعقيدًا وخطورة في السياق الفلسطيني، ليس فقط بسبب آثارها الأمنية المباشرة، بل لما تنطوي عليه من أبعاد نفسية واجتماعية عميقة تمسّ بنية الفرد والمجتمع معًا. وينطلق الفصل الثاني من الدراسة – بوصفه الإطار النظري – من تفكيك هذه الظاهرة عبر ثلاثة مداخل مترابطة: العميل بوصفه فاعلًا داخل منظومة الاحتلال، والخضوع بوصفه حالة نفسية مُمَهِّدة، والتوحد مع المعتدي باعتباره أخطر مآلات العلاقة القهرية.

أولًا: العميل… من التجسس إلى الاختراق الاجتماعي

يعالج الإطار النظري مفهوم «العميل» انطلاقًا من تعريفاته اللغوية والاصطلاحية، وصولًا إلى معناه السياسي والأمني في السياق الفلسطيني. فالعميل، وفق هذا التصور، ليس مجرد ناقل معلومات، بل فرد فلسطيني جُنّد – طوعًا أو قسرًا – للعمل لصالح أجهزة الأمن الإسرائيلية، وأُسندت إليه أدوار تتراوح بين جمع المعلومات، وتنفيذ المهام الميدانية، والمساهمة في ضرب البنية الاجتماعية والأمنية للمجتمع الفلسطيني.

إعلان

ويبيّن العرض أن الفكر الفلسطيني يتعامل مع العمالة بوصفها جريمة خيانة وطنية وأخلاقية، ترتبط وجودًا واستمرارًا بواقع الاحتلال. فالعميل لا يعمل في فراغ، بل داخل منظومة استخبارية متكاملة تستهدف اختراق المجتمع من داخله، وتحويل بعض أفراده إلى أدوات وظيفية في خدمة المشروع الاستعماري.

كما يفصل الإطار النظري بين مفهوم العمالة ومفهوم التجسس، مؤكدًا أن الخلط بينهما يُنتج التباسًا خطيرًا. فبينما يُنظر إلى التجسس في بعض السياقات بوصفه نشاطًا مشروعًا في حالات الحرب والدفاع، فإن العمالة للاحتلال الإسرائيلي تندرج حصريًا في إطار الإضرار بالمجتمع الواقع تحت الاحتلال، ولا يمكن تبريرها بأي سياق أخلاقي أو وطني.

ويستعرض الفصل دوافع الاحتلال لتجنيد العملاء، وفي مقدمتها الاعتماد على العنصر البشري بوصفه أكثر أدوات الاستخبارات دقة وفاعلية، إلى جانب أهداف تتعلق بإحباط المقاومة، وزرع الشكوك، وبث الخوف، وتنفيذ مهام يعجز جيش الاحتلال عن تنفيذها مباشرة. وفي هذا السياق، يعرض الإطار النظري فلسفة التجنيد الإسرائيلية القائمة على التدرج، واستغلال نقاط الضعف، والعمل طويل الأمد، بما يحوّل العميل إلى جزء من منظومة السيطرة لا مجرد متعاون عابر.

ثانيًا: الخضوع… الأرضية النفسية للعمالة

ينتقل الفصل الثاني إلى مفهوم الخضوع بوصفه متغيرًا نفسيًا أساسيًا في تفسير سلوك العملاء. ويُعرَّف الخضوع لغويًا بالإذعان والانقياد، واصطلاحيًا بوصفه حالة طاعة تُنتجها علاقة غير متكافئة تقوم على القهر والتهديد وفقدان الأمان.

ويعرض الإطار النظري مجموعة من المقاربات النفسية والاجتماعية التي تفسر الخضوع، بدءًا من التحليل النفسي، مرورًا بنظريات السلطة والطاعة، وصولًا إلى تجارب علم النفس الاجتماعي، وعلى رأسها تجربة ستانلي ميلغرام الشهيرة، التي كشفت مدى استعداد الأفراد لطاعة السلطة حتى عندما تتعارض أوامرها مع ضمائرهم.

ويبيّن العرض أن الخضوع لا يُولد فجأة، بل يتشكل عبر مسار طويل من التنشئة الاجتماعية القائمة على الطاعة، سواء داخل الأسرة الأبوية، أو المدرسة، أو المؤسسات السياسية. كما يناقش الفصل مفهوم ثقافة الخضوع، حيث تتحول الطاعة إلى قيمة اجتماعية، ويُعاد إنتاجها عبر الخطاب الديني المؤدلج، والخوف المزمن، وأنماط الحكم السلطوية.

وفي السياق الفلسطيني، يكتسب الخضوع بعدًا إضافيًا بفعل الاحتلال، حيث يُستخدم القهر المادي والنفسي لتطبيع الطاعة، وإضعاف القدرة على الرفض، ما يجعل بعض الأفراد أكثر قابلية للانخراط في علاقة قهرية مع أجهزة الاحتلال.

ثالثًا: التوحد مع المعتدي… ذروة الإخضاع النفسي

يصل الإطار النظري في مبحثه الثالث إلى مفهوم التوحد مع المعتدي بوصفه أخطر آليات الدفاع النفسي المرتبطة بالعمالة. ويعود الباحث إلى الجذور التحليلية للمفهوم كما صاغته آنا فرويد، حيث يُنظر إلى التوحد مع المعتدي كآلية يلجأ فيها الفرد إلى استدماج صفات المعتدي وسلوكه وخطابه، في محاولة لا واعية لتخفيف القلق والخوف.

ويعرض الفصل أشكال التوحد المختلفة، مثل تقمص قيم المعتدي، وتبني روايته، والدفاع عنه، أو إعادة توجيه العدوان نحو الذات أو المجتمع. ولا يقتصر العرض على المستوى الفردي، بل يتوسع ليشمل التوحد بوصفه ظاهرة جمعية في سياقات القهر الممتد، مستحضرًا نماذج تفسيرية مثل متلازمة ستوكهولم.

إعلان

ويؤكد الإطار النظري أن التوحد مع المعتدي يمثل مرحلة متقدمة من الخضوع، حيث لا يكتفي الفرد بالطاعة أو الامتثال، بل يعيد تشكيل وعيه وهويته بما يتماشى مع المعتدي. في هذه المرحلة، يتحول العميل من مجرد أداة تنفيذية إلى شريك نفسي في إعادة إنتاج خطاب الاحتلال، ما يجعل الظاهرة أكثر تعقيدًا وخطورة.

مصدر الصورة مصلحة السجون الإسرائيلية، كما نشرتها على صفحتها على فيسبوك للاستعمال الحر

دلالات النتائج النفسية

1- دلالات ارتفاع مستوى الخضوع

تفسر الدراسة ارتفاع مستوى الخضوع لدى أفراد العينة بوصفه نتيجة مباشرة للتعرض المستمر للتهديد والابتزاز والضغط النفسي. فالعلاقة بين العميل وجهاز الاحتلال تقوم على اختلال جذري في موازين القوة، حيث يمتلك الطرف المعتدي القدرة على الإيذاء الجسدي أو المعنوي، مقابل شعور دائم بالعجز لدى الفرد الخاضع.

وترى الدراسة أن الخضوع في هذا السياق لا يعني الرضا أو القبول، بل يمثل في كثير من الحالات آلية بقاء يلجأ إليها الفرد لتقليل الخسائر النفسية والجسدية. كما تشير إلى أن هذا الخضوع قد يتعزز مع الزمن ليصبح نمطًا ثابتًا من الاستجابة، يؤثر في قرارات الفرد وسلوكه وتقديره لذاته.

2- دلالات التوحد مع المعتدي

توضح الدراسة أن ارتفاع مستوى التوحد مع المعتدي لدى العينة يعكس تحولًا نفسيًا أعمق من مجرد الامتثال السلوكي. فالتوحد، وفق التحليل النفسي، يُعدّ آلية دفاعية يلجأ إليها الفرد عندما يفشل في مواجهة مصدر التهديد، فيسعى إلى تقليل القلق عبر تبني بعض خصائص المعتدي أو رؤيته للعالم.

وتشير الدراسة إلى أن هذا التوحد قد يتجلى في تبرير أفعال الاحتلال، أو تبني خطابه الأمني، أو النظر إليه باعتباره الطرف الأقوى والأكثر عقلانية. وتؤكد الدراسة أن هذا النمط من التوحد لا يُفهم بوصفه تحولًا أيديولوجيًا واعيًا بالضرورة، بل كنتاج لمسار طويل من القهر النفسي والتفكك الداخلي.

3- العلاقة التبادلية بين الخضوع والتوحد

تؤكد مناقشة النتائج أن العلاقة بين الخضوع والتوحد مع المعتدي علاقة تبادلية ودائرية؛ إذ يسهم الخضوع المستمر في تهيئة الأرضية النفسية للتوحد، بينما يعزز التوحد من استدامة الخضوع ويمنحه مبررات نفسية داخلية. وبذلك يدخل الفرد في حلقة مغلقة من التبعية، يصعب كسرها دون تدخل نفسي واجتماعي ممنهج.

مصدر الصورة لم ينجح البطش الإسرائيلي في اخضاع كل الأسرى، فخرجوا من سجونه يرفعون علامات النصر (الفرنسية)

أساليب الاحتلال الإسرائيلي في إخضاع العملاء

المحور الأول: الابتزاز الأمني بوصفه البنية الحاكمة للعلاقة

عرضت الدراسة أن الابتزاز الأمني يشكّل العمود الفقري للعلاقة بين الاحتلال الإسرائيلي والعملاء، وليس مجرد أداة عابرة تُستخدم عند الحاجة. فالابتزاز، كما تطرحه الدراسة، هو حالة دائمة تُبنى عليها العلاقة منذ لحظتها الأولى، ويتم ترسيخها تدريجيًا في وعي الفرد حتى تصبح جزءًا من إدراكه لذاته ولمكانه في العالم.

وبيّنت الدراسة أن الاحتلال يسعى إلى إحاطة الفرد المستهدف بشعور شامل بالانكشاف، بحيث يشعر بأن حياته الخاصة، وتاريخه، وعلاقاته، وسلوكه اليومي، جميعها باتت تحت المراقبة أو قابلة للكشف في أي وقت. ولا يشترط لتحقيق هذا الهدف أن يمتلك الاحتلال فعلًا كل هذه المعلومات، بل يكفي أن يُقنع الفرد بذلك، أو يزرع لديه الشك في حدود ما يعرفه عنه الطرف الآخر.

وتسهب الدراسة في وصف كيف يتحول الابتزاز من تهديد خارجي إلى قيد داخلي، حيث يبدأ الفرد في مراقبة ذاته ذاتيًا، وضبط سلوكه وفق توقعاته لما قد يريده الاحتلال. ومع مرور الوقت، لا يعود الامتثال نتيجة أمر مباشر، بل يصبح سلوكًا وقائيًا يتخذه الفرد من تلقاء نفسه لتفادي الأسوأ.

وتعرض الدراسة حالات وصفية عامة لأفراد يعيشون في حالة استنفار دائم، يخشون أن أي تصرف أو موقف قد يُستثمر ضدهم لاحقًا. وفي هذا السياق، يتحول الابتزاز إلى حالة نفسية مستمرة، تتجاوز لحظة الاتصال أو التحقيق، وترافق الفرد في تفاصيل حياته اليومية.

المحور الثاني: التهديد غير المباشر وصناعة الخوف المستدام

أفردت الدراسة مساحة واسعة لعرض التهديد غير المباشر بوصفه أحد أكثر أدوات الإخضاع تأثيرًا واستمرارية. فالاحتلال، وفق ما توضحه الدراسة، لا يعتمد دائمًا على التهديد الصريح، بل يفضّل في كثير من الأحيان الإيحاء، والتلميح، وترك الفراغات النفسية تعمل لصالحه.

إعلان

وتعرض الدراسة أمثلة وصفية لحالات يُستدعى فيها الفرد للتحقيق دون توضيح سبب محدد، أو يُترك لساعات طويلة دون حسم، أو يُفرج عنه بعد تجربة ضغط نفسي مكثف، مع عبارات مبهمة تفتح باب القلق بدل أن تغلقه. هذا النمط، كما تشير الدراسة، يُبقي الفرد في حالة ترقّب دائم، ويجعله يعيش في ظل سؤال مفتوح: “ماذا يمكن أن يحدث لاحقًا؟”.

ومع تكرار هذا الأسلوب، يتحول الخوف من حدث محتمل إلى حالة نفسية مستقرة، حيث لا يحتاج الاحتلال إلى التهديد المتكرر، لأن الفرد بات يقوم بهذه المهمة بنفسه. وتصف الدراسة هذا الوضع بأنه خوف بلا نهاية واضحة، ينهك الفرد نفسيًا، ويدفعه إلى البحث عن أي شكل من أشكال الاستقرار، حتى لو كان زائفًا.

المحور الثالث: استغلال الحاجة الاقتصادية وتحويلها إلى اعتماد نفسي

عرضت الدراسة الحاجة الاقتصادية بوصفها أحد أهم مداخل الإخضاع النفسي، لا لأن الفقر يؤدي تلقائيًا إلى العمالة، بل لأنه يضعف صورة الذات، ويُشعر الفرد بالعجز وعدم الكفاية. وفي سياق غزة المحاصر، حيث تتداخل البطالة، والفقر، وانعدام الأفق، تصبح الحاجة الاقتصادية ضغطًا نفسيًا متواصلًا.

وتسهب الدراسة في وصف كيف يُعاد تقديم التسهيلات أو المساعدات الاقتصادية ضمن علاقة مشروطة، بحيث لا تُمنح بوصفها حقًا، بل بوصفها امتيازًا قابلًا للسحب. ومع الزمن، يبدأ الفرد في ربط استقراره المعيشي، وقدرته على إعالة أسرته، باستمراره في الامتثال.

وتعرض الدراسة حالات وصفية يتحول فيها هذا الدعم المحدود إلى ركيزة نفسية يشعر الفرد أن فقدانها يعني العودة إلى العجز والانكسار. وهكذا، لا يعود المال مجرد حافز، بل يصبح أداة لإعادة تشكيل العلاقة النفسية بين الفرد والاحتلال، قائمة على الاعتماد والخوف من الفقد.

المحور الرابع: الخوف من الفضيحة والتلاعب بالمكانة الاجتماعية

تناولت الدراسة الخوف من الفضيحة بوصفه أداة إخضاع ذات فاعلية خاصة في مجتمع محافظ، حيث تلعب السمعة والمكانة الاجتماعية دورًا مركزيًا في هوية الفرد. فالتهديد بكشف معلومات، أو إثارة الشكوك، أو تلويح بالنبذ الاجتماعي، قد يكون أشد وقعًا من التهديد الجسدي.

وتسهب الدراسة في وصف كيف يتحول هذا الخوف إلى عبء نفسي دائم، يدفع الفرد إلى الامتثال ليس حمايةً لنفسه فقط، بل حمايةً لأسرته ودوائره الاجتماعية. ومع مرور الوقت، يصبح الخوف من نظرة المجتمع عامل ضبط داخلي، يجعل الفرد أسير حسابات اجتماعية خانقة.

المحور الخامس: التدرّج في الطلبات وتطبيع العلاقة القهرية

عرضت الدراسة أن من أكثر أساليب الإخضاع فعالية اعتماد الاحتلال على التدرّج البطيء في بناء العلاقة مع العميل، بحيث لا يشعر الفرد في أي مرحلة بأنه انتقل فجأة من وضع طبيعي إلى وضع استثنائي. فالعلاقة، كما تُعرض في الدراسة، لا تبدأ بطلبات صادمة أو أفعال كبيرة، وإنما بسلوكيات أو تفاعلات تبدو في ظاهرها محدودة الأثر أو غير حاسمة.

وتسهب الدراسة في وصف كيف يُقدَّم هذا التدرّج بوصفه تفاعلًا عاديًا أو ظرفيًا، ما يجعل الفرد أقل حساسية تجاه خطورة المسار الذي يسلكه. ومع مرور الوقت، لا يعود الفرد قادرًا على تحديد اللحظة التي تجاوز فيها “الخط الفاصل”، لأن هذا الخط لم يُرسَم بوضوح، بل جرى تجاوزه خطوة خطوة.

وتورد الدراسة أوصافًا عامة لحالات يجد فيها الفرد نفسه بعد فترة وقد أصبح جزءًا من علاقة أعمق بكثير مما بدأ به، دون أن يتذكر نقطة انعطاف حاسمة. ويؤدي هذا التدرّج إلى تطبيع العلاقة القهرية، حيث تصبح الأفعال التي كانت تُعدّ مرفوضة في البداية جزءًا من الروتين النفسي اليومي.

وتوضح الدراسة أن هذا التطبيع لا يقتصر على السلوك، بل يمتد إلى التفكير والتقييم الأخلاقي، حيث يبدأ الفرد في إعادة تفسير أفعاله بطريقة تقلل من حدّتها أو تبررها ذاتيًا، ما يسهّل الاستمرار في العلاقة بدل الانسحاب منها.

مصدر الصورة لا يشغل العميل بعد اخضاعه المأساة التي يعيشها أهله (الفرنسية)

المحور السادس: الاستنزاف الزمني وإنهاك الإرادة

خصصت الدراسة حيزًا واسعًا لعرض الاستنزاف الزمني بوصفه أحد أخطر أدوات الإخضاع، نظرًا لآثاره التراكمية العميقة. فالإخضاع، كما تؤكد الدراسة، لا يُنجَز في لحظة واحدة، بل عبر مسار طويل من الضغوط الصغيرة والمتكررة التي تُنهك الفرد نفسيًا.

وتسهب الدراسة في وصف كيف يؤدي التعرض المستمر للتوتر، والقلق، والتناقض بين الترهيب والترغيب، إلى استنزاف الطاقة النفسية للفرد. ومع الزمن، لا يعود الفرد يمتلك القدرة نفسها على الرفض أو المقاومة، ليس بسبب اقتناع، بل بسبب الإرهاق.

وتعرض الدراسة أوصافًا لحالات يعيش فيها الفرد في حالة استنفار دائم، حيث لا توجد لحظات راحة نفسية حقيقية. ويؤدي هذا الوضع إلى تآكل الإرادة تدريجيًا، بحيث يصبح الامتثال خيارًا يبدو أقل كلفة نفسيًا من المواجهة، حتى وإن كان مرفوضًا على المستوى القيمي.

إعلان

وتشير الدراسة إلى أن هذا الاستنزاف الزمني يفسر لماذا قد يستمر بعض الأفراد في علاقات قهرية رغم إدراكهم لآثارها السلبية، إذ يكون الانفصال عنها في هذه المرحلة أكثر إيلامًا نفسيًا من الاستمرار فيها.

المحور السابع: زعزعة الثقة بالذات وبالمجتمع

تناولت الدراسة زعزعة الثقة بالذات وبالمجتمع بوصفها محورًا مركزيًا في عملية الإخضاع. فالاحتلال، كما تعرضه الدراسة، لا يسعى فقط إلى إخضاع الجسد، بل إلى تفكيك الروابط النفسية التي تربط الفرد بذاته وبمحيطه الاجتماعي.

وتسهب الدراسة في وصف كيف يُضخَّم شعور الفرد بالفشل أو العجز، ويُعاد تأطيره بوصفه نتيجة طبيعية لقصوره الشخصي أو لبيئة اجتماعية “غير داعمة”. وفي المقابل، يُقدَّم الاحتلال بوصفه الطرف المنظّم، القادر على الحسم، أو الأقل فوضوية.

وتورد الدراسة أوصافًا لحالات يبدأ فيها الفرد في النظر إلى مجتمعه بعين الريبة أو النفور، ويشعر بأنه غير مفهوم أو غير مقدَّر. ومع تآكل الثقة بالمجتمع، يضعف الانتماء، ويصبح الفرد أكثر قابلية للانفصال النفسي عن محيطه.

وتوضح الدراسة أن هذا الانفصال لا يحدث فجأة، بل عبر تراكم تجارب إحباط، وشعور بعدم الاعتراف، وتكرار خطاب يُضعف قيمة الجماعة في نظر الفرد، ما يفتح المجال لانتقاله إلى مراحل أعمق من التبعية.

المحور الثامن: العزل النفسي والاجتماعي وتضييق العالم الداخلي

عرضت الدراسة العزل النفسي والاجتماعي بوصفه مرحلة متقدمة من مراحل الإخضاع، حيث يُدفع الفرد، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى الانسحاب من محيطه الاجتماعي. ويتم هذا العزل عبر تعميق مشاعر الخوف، والذنب، والشك، بحيث يشعر الفرد أن التواصل مع الآخرين يشكل خطرًا.

وتسهب الدراسة في وصف كيف يؤدي هذا العزل إلى تضييق العالم النفسي للفرد، حيث تنحصر علاقاته، واهتماماته، وأفكاره، في نطاق ضيق تهيمن عليه العلاقة مع الاحتلال. ومع تضييق هذا العالم، تقل البدائل النفسية والاجتماعية، ويزداد اعتماد الفرد على العلاقة القهرية.

وتشير الدراسة إلى أن هذا العزل قد يكون ذاتيًا بقدر ما هو مفروض، إذ يقود الخوف من الانكشاف أو الرفض الاجتماعي الفرد إلى الانسحاب طوعًا، ما يعمّق دائرة التبعية، ويجعل الخروج منها أكثر صعوبة.

المحور التاسع: تحويل الخوف إلى نمط حياة يومي

عرضت الدراسة أن أحد أكثر أساليب الإخضاع فاعلية يتمثل في تحويل الخوف من حالة عابرة إلى نمط حياة يومي. فبدل أن يكون الخوف مرتبطًا بحدث محدد، يُعاد إنتاجه ليصبح الخلفية النفسية الدائمة التي يتحرك الفرد داخلها. وتوضح الدراسة أن هذا التحويل لا يحدث عبر تهديدات متقطعة فحسب، بل عبر ترسيخ شعور مستمر بأن الخطر قائم في كل وقت، وأن أي خطأ – مهما بدا صغيرًا – قد تكون له عواقب غير متوقعة.

وتسهب الدراسة في وصف كيف يبدأ الخوف بالتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية: طريقة الكلام، اختيار الأصدقاء، التحركات، وحتى التفكير الداخلي. ومع الوقت، يصبح الفرد أقل قدرة على التمييز بين ما هو خطر فعلي وما هو متخيَّل، لأن الخوف ذاته بات هو الواقع النفسي السائد. وتعرض الدراسة أوصافًا عامة لأفراد يعيشون في حالة يقظة دائمة، حيث يُعاد تفسير المواقف العادية بوصفها تهديدات محتملة.

وتؤكد الدراسة أن هذا النمط من الخوف اليومي لا يحتاج إلى تجديد مستمر من الخارج، لأنه يصبح آلية ذاتية يديرها الفرد بنفسه. وفي هذه المرحلة، تقل الحاجة إلى الضغط المباشر، لأن الفرد بات منضبطًا ذاتيًا، ويتصرف وفق ما يعتقد أنه يجنّبه الأذى.

المحور العاشر: التلاعب بالإحساس بالزمن وتأجيل الحسم

توسّعت الدراسة في عرض أسلوب التلاعب بالإحساس بالزمن بوصفه أداة إخضاع نفسية دقيقة. فالاحتلال، كما تطرحه الدراسة، يتعمد أحيانًا إبقاء العلاقة في حالة تعليق زمني، حيث لا يوجد حسم واضح، ولا نهاية محددة، ولا قرار نهائي.

وتعرض الدراسة أوصافًا لحالات يُترك فيها الفرد لفترات طويلة دون معرفة ما إذا كانت العلاقة ستنتهي أو تتصاعد أو تتغير. هذا التعليق الزمني يولد حالة من التوتر المستمر، لأن الإنسان بطبيعته يسعى إلى الإغلاق والحسم. ومع غياب هذا الحسم، يظل الفرد عالقًا في حالة انتظار مرهقة.

وتشير الدراسة إلى أن هذا الانتظار لا يكون محايدًا نفسيًا، بل يستهلك الطاقة الذهنية، ويضعف القدرة على التخطيط للمستقبل، ويجعل الفرد أكثر استعدادًا لقبول أي تسوية تُنهي حالة التعليق، حتى وإن كانت على حساب كرامته أو حريته.

مصدر الصورة الدمار الذي لحق بغزة لا يؤرق الضمير الوطني لمن تحولوا لعملاء للعدو وتماهوا مع مخطط التدمير والإبادة (رويترز)

المحور الحادي عشر: إعادة تعريف الذات عبر العلاقة القهرية

عرضت الدراسة أن من أخطر أساليب الإخضاع إعادة تعريف الذات لدى الفرد من خلال العلاقة مع الاحتلال. فبدل أن يرى نفسه كفاعل مستقل، يبدأ تدريجيًا في تعريف ذاته عبر موقعه داخل هذه العلاقة القهرية.

وتسهب الدراسة في وصف كيف يُعاد تشكيل صورة الذات عبر رسائل ضمنية متكررة: أن الفرد ضعيف، أو عاجز، أو غير قادر على الاعتماد على محيطه، مقابل تصوير العلاقة مع الاحتلال بوصفها مصدرًا للاستقرار أو الحسم. ومع الزمن، تبدأ هوية الفرد في التآكل، ويصبح تعريفه لذاته مرتبطًا بقدرته على الامتثال أو “النجاة” داخل هذه العلاقة.

وتورد الدراسة أوصافًا لحالات يشعر فيها الفرد بأن فقدان العلاقة القهرية يعني فقدان معنى أو اتجاه، ما يعكس مدى تغلغل الإخضاع في بنية الهوية النفسية.

المحور الثاني عشر: إنتاج الشعور بالذنب بوصفه أداة ضبط داخلي

تناولت الدراسة الشعور بالذنب بوصفه أداة إخضاع فعالة، حيث لا يُستخدم الذنب فقط كرد فعل على أفعال سابقة، بل يُعاد إنتاجه وتغذيته ليصبح أداة ضبط داخلي مستمرة.

وتسهب الدراسة في وصف كيف يُدفع الفرد إلى تحميل نفسه مسؤولية أوضاعه الصعبة، أو اعتبار معاناته نتيجة لاختياراته الشخصية، لا نتيجة لبنية قهرية مفروضة. ومع تراكم هذا الشعور، يصبح الفرد أكثر ميلًا لقبول العقاب الذاتي، وأقل استعدادًا للمطالبة بحقوقه أو مقاومة ما يُفرض عليه.

وتشير الدراسة إلى أن الذنب، في هذه الحالة، لا يؤدي إلى التصحيح، بل إلى الشلل النفسي، حيث يشعر الفرد بأنه لا يستحق الخلاص أو الدعم، ما يعمّق خضوعه.

المحور الثالث عشر: التمهيد للتوحد مع المعتدي عبر الخطاب المتكرر

عرضت الدراسة أن التوحد مع المعتدي لا يظهر فجأة، بل يُمهَّد له عبر خطاب متكرر يعيد تشكيل تفسير الفرد للواقع. ويشمل هذا الخطاب إبراز القوة، والتنظيم، والحسم، مقابل تصوير البدائل الأخرى بوصفها فوضوية أو غير قادرة على الحماية.

وتسهب الدراسة في وصف كيف يتعرض الفرد، بشكل مباشر أو غير مباشر، لسرديات تُضعف ثقته بالخيارات الأخرى، وتُبرز العلاقة القهرية بوصفها “الأكثر واقعية”. ومع الزمن، يبدأ الفرد في تبني بعض هذه السرديات، ليس عن اقتناع أيديولوجي، بل كوسيلة لتخفيف التوتر الداخلي.

وتورد الدراسة أوصافًا لحالات يتحول فيها التبرير إلى آلية دفاعية، حيث يجد الفرد نفسه يفسر أفعال الاحتلال بطريقة تقلل من حدّتها، ما يشير إلى اقترابه من مرحلة التوحد مع المعتدي.

المحور الرابع عشر: اكتمال دائرة الإخضاع النفسي

في هذا المحور، تعرض الدراسة اكتمال دائرة الإخضاع، حيث تتكامل كل الأساليب السابقة لتنتج حالة من التبعية النفسية العميقة. ففي هذه المرحلة، لا يعود الخضوع نتيجة خوف مباشر فقط، بل يصبح جزءًا من بنية التفكير والشعور.

وتسهب الدراسة في وصف كيف تتداخل عناصر الخوف، والاعتماد، والعزلة، والاستنزاف، لتخلق واقعًا نفسيًا مغلقًا، يصعب الخروج منه دون تدخل خارجي أو دعم نفسي واجتماعي كبير. وتوضح أن هذه المرحلة تمثل ذروة عملية الإخضاع، حيث يصبح الفرد أقل قدرة على تخيّل بديل، وأكثر ميلًا لتطبيع الوضع القائم.

المحور الخامس عشر: استدامة الإخضاع عبر إعادة الإنتاج الذاتي

اختتمت الدراسة عرضها بالإشارة إلى أن أخطر ما في عملية الإخضاع ليس بدايتها، بل قدرتها على الاستدامة آليات الإخضاع إلى أنماط ذاتية، يصبح الفرد نفسه جزءًا من عملية إعادة الإنتاج.

وتسهب الدراسة في وصف كيف يراقب الفرد ذاته، ويضبط سلوكه، ويبرر وضعه، دون حاجة إلى ضغط خارجي مباشر. وفي هذه المرحلة، تكون السيطرة قد انتقلت بالكامل إلى الداخل، ما يعكس نجاح منظومة الإخضاع في تحقيق هدفها الأعمق.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا