آخر الأخبار

الضفة الغربية: وجود عسكري دائم… وعنف المستوطنين لا يُعد بالأرقام  | الحرة

شارك

تدخل الضفة الغربية عاما جديدا يحمل مؤشرات على تهديد متزايد لحياة الفلسطينيين ومصادر عيشهم، وسط خطط إسرائيلية لإعادة انتشار عسكري دائم شمالا، مقابل تصاعد ملموس في اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين في مناطق واسعة من الضفة.

وبينما تقدم إسرائيل إجراءاتها العسكرية على أنها لتعزيز الاستقرار والسيطرة، تُظهر المعطيات الميدانية والحقوقية مسارا مختلفا.

يقول مسؤول عسكري رفيع في قيادة المنطقة الوسطى إن عام 2025 قد شهد “تحسنا أمنيا،” إلى جانب ارتفاع ما سماها “الجرائم القومية”، أو ما يصفه آخرون في إسرائيل بـ”إرهاب المستوطنين”.

وأشار في إيجاز إعلامي، عرض خلاله تقييما سنويا لعنف المستوطنين، إلى تسجيل نحو 870 حادثة خلال عام 2025، مقارنة بنحو 680 حادثة في عام 2024، أي بزيادة تقارب 27%. ويقرّ المسؤول بأن فترات حساسة، مثل موسم قطف الزيتون أو ما بعد بعض الهجمات، شهدت ارتفاعا إضافيا في هذه الأحداث، لافتا إلى تصنيف نحو 120 حادثة خلال العام ضمن الفئة “الأشد خطورة”.

وفي معرض شرحه لردّ المؤسسة الأمنية، أوضح الضابط أن هذه المعطيات دفعت إلى إقامة فريق مشترك منذ مايو يضم الجيش والشرطة وحرس الحدود والشاباك، بهدف “السيطرة، والمنع، والتحقيق، وتقديم المتورطين للمحاكمة”. وأضاف أن أدوات أخرى جرى تفعيلها، بينها مصادرة مركبات وفرض سوار إلكتروني على بعض عناصر اليمين المتورطين في أعمال عدائية ضد الفلسطينيين، في مسعى لخلق ردع قانوني واقتصادي بحقهم.

غير أن هذا المسار، بحسب التقييم الأمني نفسه، لا يُطرح كحل مباشر لظاهرة عنف المستوطنين، بل يُدرج ضمن رؤية عملياتية أوسع تُركّز على حماية المستوطنات ومواجهة ما تصفه المؤسسة العسكرية بـ”التهديدات الفلسطينية”.

وفي هذا السياق، يشير المصدر إلى إجراءات تم اتخاذها لترسيخ وجود عسكري إسرائيلي دائم في شمال الضفة الغربية، تشمل إقامة مواقع على مستوى سرايا وكتائب، وإعادة مقر قيادة لواء “منشيه” إلى داخل الضفة بعد نقله خارجها في أعقاب تطبيق قانون فك الارتباط عام 2005، وذلك “بهدف تعزيز السيطرة الميدانية وضمان أمن المستوطنين، والحفاظ على حرية حركة القوات”.

وتؤكد منظمات حقوقية فلسطينية على الأرض أن اعتداءات المستوطنين ارتفعت خلال عام 2025 بشكل لافت. وفي حديث مع “الحرة”، قال حسن مليحات، المشرف العام لمنظمة “البيدر” الحقوقية، إن المنظمة وثّقت “بالضبط 5890 اعتداء” في التجمعات البدوية وحدها. ويشير مليحات إلى أن هذه الأرقام لا تشمل كامل الضفة الغربية، بل تقتصر على التجمعات البدوية، ما يعكس، وفق قوله، حجم الضغط المركّز الذي تتعرض له هذه الفئة من الفلسطينيين تحديدا.

ويشير مليحات إلى أن تلك الاعتداءات تنوعت بين حرق المساكن والاستيلاء على المواشي وتسميمها، وتقطيع أنابيب المياه، وتخريب خلايا الطاقة الشمسية، ومهاجمة مدارس، وصولًا إلى ترحيل 16 تجمعًا بدويًا كاملًا خلال عام 2025. ويضيف أن هذه الممارسات، وفق توثيق المنظمة، لم تكن حوادث متفرقة أو فردية، بل نمطا متكررا هدفه دفع السكان إلى الرحيل القسري وتفريغ مناطق واسعة من سكانها الأصليين.

وتركز الجزء الأكبر من تلك الحوادث في مناطق الأغوار ومسافر يطا، قبل أن يتسع الضغط في نهاية 2025 ليطال بادية القدس والتجمعات البدوية شرقي القدس.

وتكشف معطيات الأمم المتحدة أيضا عن فجوة واضحة بين أرقامها والأرقام التي تطرحها المؤسسة الأمنية الإسرائيلية.

فبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، قُتل بين 1 يناير و1 ديسمبر 2025 ما مجموعه 227 فلسطينيا على يد القوات الإسرائيلية أو المستوطنين، سقط نحو نصفهم في محافظتي جنين ونابلس وحدهما. وخلال الفترة ذاتها، أُصيب آلاف الفلسطينيين في سياق عمليات واقتحامات واعتداءات متكررة، فيما وثّق المكتب خلال أسبوع واحد فقط، بين 25 نوفمبر و1 ديسمبر، إصابة 212 فلسطينيا في أنحاء الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية.

وتظهر هذه الأرقام أن اعتداءات المستوطنين تشكل تحتل حيزا أساسيا من أعمال العنف المسلطة على الفلسطينيين. ففي الفترة نفسها، وثّق أوتشا 35 هجوما نفّذها مستوطنون، وأسفرت عن سقوط ضحايا أو أضرار بالممتلكات أو كليهما.

أصيب في تلك الهجمات 29 فلسطينيا، بينهم 20 أصيبوا مباشرة على يد المستوطنين، و9 آخرون خلال تدخل القوات الإسرائيلية في هذه الأحداث. وعلى امتداد عام 2025، وثّق المكتب ما مجموعه 1,680 هجوما للمستوطنين في أكثر من 270 تجمعا فلسطينيا، بمعدل يقارب خمس هجمات يوميا، في مؤشر على العنف نمط متكرر وليس أحداثا استثنائية.

ولا يقتصر أثر هذه الهجمات، وفق التقرير الأممي، على الإصابات والقتلى، بل يمتد إلى استهداف سبل العيش والبنى الحيوية، خاصة خلال موسم قطف الزيتون. فقد وثّق أوتشا 178 هجومًا مرتبطًا بالموسم في شهري أكتوبر ونوفمبر، شملت الاعتداء على مزارعين داخل حقولهم، وسرقة المحاصيل ومعدات الحصاد، وتخريب أشجار الزيتون والشتلات، واتساع النطاق الجغرافي للهجمات ليطال 88 تجمعًا سكانيًا، وهو أعلى رقم يُسجَّل منذ سنوات.

وفي هذا السياق، يورد التقرير شهادة المزارع إياد من بُرقة قرب نابلس، الذي قال وهو يقف بجانب جرّاره الذي أُحرق على يد مستوطنين مطلع ديسمبر 2025: “كان جرّاري كلَّ شيء بالنسبة لعملي ومصدر دخل أسرتي”، في مثال يوضح كيف يترافق العنف الجسدي مع ضرب مصادر الرزق ودفع السكان نحو الرحيل.

يطرح اختلاف الأرقام بين رواية الجيش، ومعطيات “البيدر”، وتقرير أوتشا، سؤالا حول آليات التوثيق والتصنيف. ويشير خبراء إلى أن المؤسسة الأمنية تعتمد تعريفا ضيقا نسبيا لما تصنّفه “جريمة قومية”، بينما تشمل المنظمات الحقوقية الاعتداءات على الممتلكات والبنى الحيوية، ومحاولات الطرد والضغط الاقتصادي، باعتبارها جزءًا من العنف المنهجي، حتى وإن لم تنتهِ دائما بإصابات جسدية.

لكن التناقض يتجاوز البعد الإحصائي إلى السياق السياسي. فقد كشفت صحيفة هآرتس عن اجتماع عُقد في الكنيست تحت عنوان “تحية لروّاد الاستيطان في التلال والمزارع”، بمشاركة وزراء ونواب وناشطين مرتبطين بالبؤر الاستيطانية غير القانونية. وتشير الصحيفة إلى أن الخطاب السائد في القاعة قدّم هذه المجموعات بوصفها “طلائع جديدة”، مع تجاهل كامل لمعاناة الفلسطينيين المتضررين من اعتداءاتها.

وتلفت هآرتس إلى أن بين المشاركين في الاجتماع أشخاصا سبق أن أُوقفوا أو أُدينوا أو اشتُبه بتورطهم في اعتداءات على فلسطينيين، وبعضهم خضع لأوامر إبعاد إدارية عن الضفة الغربية. ويحوّل هذا الحضور، وفق قراءات سياسية، اللقاء من مناسبة رمزية إلى رسالة سياسية تُفهم على أنها توفير غطاء اجتماعي وسياسي لمن ارتبط اسمه بالعنف الميداني.

النائبة ليمور سون هر- ملك من حزب “العظمة اليهودية”، قالت خلال الاجتماع إن المستوطنين يتعرضون لـ”حملة تشويه” وإنهم يعملون “تحت ملاحقة واعتقالات إدارية”، قبل أن توجه رسالة طمأنة قالت فيها إنهم “لن يسيروا وحدهم”.

ويظهر هذا الخطاب، بحسب مراقبين، كيف يتقاطع المسار السياسي مع الواقع الميداني، ويُضعف عمليا حديث الأجهزة الأمنية عن “تطبيق القانون”.

يقول مليحات إن الثمن الذي يدفعه الفلسطينيون لا يُقاس بعدد “الحوادث المصنفة”، بل بقدرة السكان على البقاء في أرضهم، عندما تتحول الاعتداءات إلى وسيلة للضغط عليهم وتدفعهم إلى الرحيل.

الحرة المصدر: الحرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا