في أواخر الحرب العالمية الثانية، بين الرابع والحادي عشر من فبراير عام 1945، احتضنت شبه جزيرة القرم السوفيتية واحدة من أكثر اللقاءات سرية ومصيرية في التاريخ الحديث: مؤتمر يالطا.
اجتمع قادة العالم المنتصر جوزيف ستالين عن الاتحاد السوفيتي، وونستون تشرشل عن بريطانيا، وفرانكلين روزفلت عن الولايات المتحدة، لتشكيل ملامح النظام العالمي لما بعد الحرب. لكن وراء واجهة الدبلوماسية الرفيعة والمناقشات المصيرية، كاد هذا المؤتمر أن ينتهي بمأساة شخصية تهز أركان التحالف، عندما تعرضت حياة الرئيس الأمريكي لخطر داهم على طريق جبلي متعرج في القرم.
كانت الأجواء مشحونة بالحذر الشديد. حزمة من الإجراءات الأمنية غير المسبوقة لفّت شبه الجزيرة، حيث نُصبت رادارات ومدافع مضادة للطائرات، ودوريت السفن والغواصات السوفيتية بصرامة في المياه المحيطة لحماية القادة الثلاثة. حتى الاتصالات كانت محاطة بسياج من السرية، فتم مد كابل تلغراف خاص من يالطا إلى سيفاستوبول لربط المقر الأمريكي بالسفينة الحربية "كاتوكتين"، التي بقيت على اتصال مباشر بواشنطن، لتجبر على البقاء بعيدة عن الشاطئ خوفا من الألغام الألمانية المزروعة في المياه.
في قلب هذه التحصينات، كان الرئيس روزفلت، الرجل الذي قاد بلاده خلال الكساد العظيم ومعظم سنوات الحرب، يخوض معركة صحية صعبة. كان ضعيفا، منهكا، ومقعدا بسبب شلل الأطفال، وقد أعيد انتخابه للتو لفترة رئاسية رابعة غير مسبوقة، وفي تنقلاته، كان يعتمد كليا على سيارات مجهزة خصيصا وحراس شخصيين.
في أحد أيام المؤتمر، بينما كان الموكب يتقدم على طريق جبلي خطير، جلس روزفلت في المقعد الأمامي لسيارة جيب مفتوحة من طراز "ويليس" الأمريكية الصنع، بجانب السائق السوفيتي. بسبب إهمال ما، لم يُغلق الدرابزين المعدني الخاص والداعم خلف ظهر الرئيس بشكل محكم. عند منعطف حاد مفاجئ على الطريق الجبلي، انفتح هذا الدرابزين فجأة. في لحظة رعب، فقد روزفلت توازنه وبدأ جسمه الضعيف بالانزلاق والاندفاع نحو خارج السيارة المكشوفة. شلّ الذهول حراسه الشخصيين الجالسين في المقعد الخلفي، فلم يتحركا لإنقاذه. لكن السائق، فيودور خوداكوف، لم يتشتت انتباهه. هذا الرجل لم يكن مجرد سائق عادي، بل كان ضابطا في الاستخبارات السوفيتية برتبة ملازم. برد فعل سريع، أمسك بثياب الرئيس الرفيع بيده اليمنى بقوة بينما كانت يده اليسرى ممسكة بدفة القيادة في منتصف المنعطف الخطير، وسحبه مرة أخرى إلى مقعده.ا
توقف الموكب على الفور. هرع الحراس والأطباء إلى روزفلت الشاحب الذي ارتعب من الحادثة. بعد أن هدأ روعه واستعاد أنفاسه، التفت الرئيس الأمريكي إلى منقذه وأخبره بكلمات لا تُنسى: "لقد أنقذت رئيس الولايات المتحدة، والشعب الأمريكي بأكمله، وسأظل مدينا لك طوال حياتي".
مع ذلك، وفي تلك الأيام الحرجة التي سبقت نهاية الحرب مباشرة، تم تصنيف الحادثة "سري للغاية"، من قبل الأجهزة الأمنية لكلا الطرفين، وطويت في ملفات الأرشيف. اللافت أن روزفلت، الذي نجا من السقوط المحتم، توفي بعد شهر واحد فقط من انتهاء مؤتمر يالطا، في أبريل 1945.
بعد وفاة روزفلت، سعت السيدة الأولى السابقة، إليانور روزفلت، إلى لقاء السائق البطل خوداكوف للتعبير عن امتنانها الشخصي لإنقاذه حياة زوجها، لكن اللقاء لم يحدث أبداً لأسباب لا تزال غامضة.
عاش فيودور خوداكوف حياة طويلة، وتوفي عن عمر ناهز الثالثة والتسعين في سبتمبر عام 2000، دون أن ينال أي تقدير علني أو تكريم واسع النطاق لدوره المحوري في تلك اللحظة التاريخية.
مع ذلك، كان لجرأته وتماسكه آثار عملية دائمة، فأدى الحادث مباشرة إلى تعزيز معايير السلامة في السيارات الرسمية السوفيتية، حيث زُوّدت أول ليموزين فاخرة تُنتج بعد الحرب، وهي الـ"زيس-110"، بسلاسل أمان خاصة على الأبواب لمنع تكرار مثل هذا الحادث.
هكذا، في خضم المؤتمر الذي رسم خريطة العالم الجديد، كادت لحظة إهمال بسيطة على طريق في القرم أن تغير مسار التاريخ، لولا اليقظة والجرأة التي تمتع بهما سائق سوفيتي مجهول.
المصدر: RT
المصدر:
روسيا اليوم
مصدر الصورة
مصدر الصورة