أكد مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي أن الولايات المتحدة لعبت دورا محوريا في الدفع نحو التهدئة والتوصل إلى الاتفاق الأخير بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، موضحا أن واشنطن اقتنعت بأن مصالحها الأمنية، وعلى رأسها محاربة تنظيم الدولة الإسلامية واستقرار سوريا، يمكن تحقيقها عبر الدولة السورية دون الحاجة إلى استمرار مظلة حماية عسكرية لـ"قسد".
وفي مقابلة خاصة مع الجزيرة مباشر من نيويورك، أوضح علبي أن الولايات المتحدة لم ترفع دعمها عن "قسد" بشكل صدامي، بل انتقلت من دعم عسكري مباشر إلى دور سياسي هدفه الوصول إلى اتفاق، مشيرا إلى أن الطرف الأميركي رأى أن مصلحة عناصر "قسد" ومناطق شرق الفرات تكمن في الاندماج ضمن الدولة السورية، بما يضمن الاستقرار الإقليمي ويمنع أي سيناريوهات تقسيم أو صدامات داخلية.
وأضاف علبي أن واشنطن باتت تنظر إلى الحكومة السورية بوصفها الطرف القادر فعليا على محاربة "داعش"، وإدارة ملف السجون، وضمان الأمن، وهو ما جعلها تمتنع عن أي تدخل عسكري خلال التطورات الأخيرة، مكتفية بالدور السياسي الذي توج باتفاق وقف إطلاق النار، وهو ما عكسه تصريح المبعوث الأميركي توم براك الذي أشاد بالجهود البناءة للحكومة السورية و"قسد" في التوصل إلى الاتفاق.
وفي هذا السياق، أوضح المندوب السوري أن اللقاء الذي جمع الرئيس السوري أحمد الشرع بالمبعوث الأميركي سبق توقيع الاتفاق، مؤكدا أن الدور الأميركي يندرج ضمن توجه أوسع لدعم استقرار سوريا وبسط سيادتها، في إطار سياسة انتهجتها الإدارة الأميركية بعد اقتناعها بما شهدته على الأرض خلال الأشهر الماضية.
وحول مستقبل "قسد"، أوضح علبي أن الاتفاق ينص على الاندماج الفردي للمقاتلين وليس اندماج الفصيل ككيان عسكري، مما يعني عمليا انتهاء "قسد" كتنظيم مسلح مستقل، على غرار ما جرى مع فصائل أخرى خلال مراحل سابقة من الثورة السورية.
كما أكد أن الحكم الذاتي أو الفدرالية غير مطروحين على الإطلاق، وأن الإدارة ستكون مركزية تحت مظلة الدولة السورية، مع مراعاة الخصوصيات المحلية لكل محافظة، نافيا وجود أي توجه لتقسيم سوريا أو إقامة كيانات مستقلة.
وفي ما يتعلق ببند إخراج عناصر حزب العمال الكردستاني غير السوريين، قال علبي إن هذا البعد العابر للحدود كان مرفوضا منذ البداية، مؤكدا أن سوريا لن تكون منصة تهديد لدول الجوار، وأن من يريد البقاء مرحب به فقط ضمن إطار الدولة والمجتمع السوري.
وأوضح علبي أن الاتفاق الأخير يعد مكملا لاتفاق العاشر من مارس/آذار، لكنه يتميز بالدخول في تفاصيل دقيقة تتعلق بالإدارة، والتقسيمات الإدارية، والوجود الأمني، والمعابر، والمحافظات، مؤكدا أن الفارق الجوهري يتمثل في أن المرسوم الرئاسي الخاص بحقوق الأكراد لم يكن ثمرة تفاوض، بل جاء كموقف سيادي مسبق من الدولة السورية.
وشدد على أن حقوق الأكراد مكفولة، ولا تحتاج إلى قطرة دم واحدة، وأن الاتفاق الأخير لم يتضمن تفاوضا على هذه الحقوق، بل ركز على آليات تنفيذية وتنظيمية داخل إطار الدولة السورية.
وفي ختام حديثه، شدد علبي على أن ما جرى خلال الأيام الماضية شكل ضربة نهائية لأفكار تقسيم سوريا، ورسخ معادلة الدولة الواحدة الجامعة لكل مكوناتها، مؤكدا أن المرحلة المقبلة يجب أن تكون "مرحلة بناء واقتصاد وإعمار"، بعيدا عن منطق السلاح والصدام، وأن سوريا ماضية نحو استعادة سيادتها الكاملة وأراضيها المحتلة بكل الوسائل القانونية والسياسية المتاحة.
يذكر أن المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توم براك، قد توقع في تصريحات سابقة في سبتمبر/أيلول 2025، تشكيل حكومة سورية "مركزية" تشمل جميع المكونات والأقليات بحلول نهاية 2025، مستبعدا إمكانية إقامة "فدرالية".
وأكد براك دعم بلاده لجميع المكونات في سوريا، بمن فيهم الأكراد، في معالجة القضايا العالقة، "دون إملاء أي شيء" على أي طرف.
المصدر:
الجزيرة