في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
غزة- للمرة الأولى منذ بدء الحرب على قطاع غزة، تجاوزت التحركات الإسرائيلية في مدينة رفح (جنوب القطاع) الطابع العسكري، لتتجه نحو خطوات تمهيدية تحمل بعدا عمرانيا وإداريا على المدى الطويل، وفق تقارير إسرائيلية نُشرت الأسبوع الماضي.
فخلال الأسابيع الأخيرة، رُصدت عمليات منظمة لإزالة الأنقاض وتسوية مساحات واسعة من الأراضي في مناطق خاضعة للسيطرة الإسرائيلية داخل رفح.
وقالت صحيفة هآرتس الإسرائيلية إن الحكومة تسعى لإقامة مدينة تتسع لنحو 20 ألف فلسطيني، في حين نقلت صحيفة "يسرائيل هيوم" العبرية خبرا يفيد بموافقة وزارة المالية على تخصيص ميزانية للجيش تقدر بنحو 7 ملايين شيكل (ما يزيد على مليوني دولار)، بهدف إزالة الأنقاض في مدينة رفح.
ويرى المحلل السياسي ومدير مركز يبوس للاستشارات والدراسات الإستراتيجية سليمان بشارات أن هذه الخطوات تندرج ضمن مسعى إسرائيلي واضح لتثبيت أمر واقع جديد، ينطلق من محدد أساسي يفيد بأن " إسرائيل باقية داخل القطاع، وليس بصدد انسحاب مؤقت أو إعادة انتشار مرحلية".
ويشير بشارات -في حديثه للجزيرة نت- إلى أن تسارع إسرائيل في تنفيذ عمليات هدم ممنهجة للمنازل، خاصة في ما تُعرف بمنطقة " الخط الأصفر" بالإضافة لمدينة رفح، إلى جانب إزالة الأنقاض وتسوية الأراضي، يمثل تمهيدا لإعادة بناء وحدات سكنية على هذه الأراضي التي تشكل أكثر من نصف مساحة القطاع، مما يمنح إسرائيل -وفق تقديره- "الشرعية السياسية والأساس الذي يدعم ادعاءها بأنها الجهة القادرة على إدارة هذه المناطق".
ويضيف أن هذا التوجه يهدف إلى خلق واقع جديد وتثبيته على الأرض، بحيث يتحول لاحقا إلى عقبة أمام أي تفاهمات سياسية مستقبلية "لا تمنح إسرائيل الأفضلية"، سواء على مستوى المسار التفاوضي والدبلوماسي، أو في علاقتها مع المجتمع الدولي.
ويحذر بشارات من أن ملف إعادة الإعمار قد يشكّل بوابة لإعادة إنشاء بنية تحتية تمهد لعودة الاستيطان في القطاع، مستحضرا تجربة التسعينيات من القرن الماضي في الضفة الغربية، حين سمحت إسرائيل للفلسطينيين ببناء مناطق سكنية ضمن هيكليات عمرانية محددة، استُخدمت لاحقا كأساس للتوسع الاستيطاني.
ويقول إن إسرائيل قد تسعى لتطبيق السيناريو ذاته في غزة، عبر "البناء للفلسطينيين في المرحلة الراهنة، مع إبقاء العين على المستقبل بهدف التأسيس لعودة الاستيطان".
ويفيد بشارات بأن إسرائيل لا تقدم أي معلومات تفصيلية -حتى الآن- حول طبيعة المشاريع السكنية التي يجري الحديث عنها في رفح، سواء من حيث المساحة، أو القدرة الاستيعابية، أو عدد الوحدات السكنية، أو طبيعة المدينة، معتبرا أن هذا الغموض يعكس رغبة متعمدة في حجب المعلومات وممارسة "نوع من الخداع".
وعن التداعيات المستقبلية لهذه المشاريع، يرى بشارات أن إسرائيل تتعامل مع قطاع غزة من منظور إستراتيجي بعيد المدى، وليس كمرحلة مؤقتة، مستندة إلى مجموعة من الركائز الأساسية:
ويؤكد بشارات أن نجاح إسرائيل في فرض هذا النموذج في رفح قد يفتح الباب أمام توسيعه ليشمل باقي مناطق القطاع.
من جهته، يقول المحلل السياسي مصطفى إبراهيم إن التحركات الإسرائيلية في رفح هي جزء من المخططات الساعية لتقسيم قطاع غزة.
وقال إبراهيم -في حديثه للجزيرة نت- إن "فكرة تقسيم قطاع غزة لا تزال قائمة، وإسرائيل تسعى للسيطرة على نحو 60% من مساحة القطاع، إلى جانب فرض سيطرة أمنية شاملة".
ويضيف أن "هذه المشاريع والتوجهات تعكس نيات إسرائيلية واضحة وليست مجرد سيناريوهات نظرية".
كما يرى إبراهيم أن هذه المعطيات تعني عمليا عدم وجود نية إسرائيلية حقيقية للسماح بإعادة إعمار شاملة للقطاع، مشيرا إلى أن أي عملية إعمار محتملة ستتركز في المناطق المسيطر عليه إسرائيليا.
لكنه يشير في الوقت ذاته إلى "غياب الحديث الجدي عن تفاصيل إعادة الإعمار كالتمويل، والدول التي يمكن أن تتحمل كلفته الكبيرة".
ويحذر إبراهيم من أن غزة قد تبقى لفترة طويلة "بلا سياسة وطنية وبلا حكم فلسطيني حقيقي، وقد تستمر مقسمة إلى مناطق نفوذ"، ويصف هذه السيناريوهات بأنها "مخيفة ومقلقة".
كما يلفت إلى أن مخططات التهجير الإسرائيلية لا تزال حاضرة، مشيرا إلى أن الاحتلال يركز حاليا على مسألة "الهجرة الطوعية".
وبخلاف هذا المشهد، يخلص إبراهيم -في ختام حديثه- إلى أن إسرائيل رغم محاولاتها فرض واقع عسكري وإداري شديد الخطورة في قطاع غزة، فإنها تصطدم بحقيقة صمود الفلسطينيين على الأرض، فبالرغم من المخاطر الجسيمة، يواصل السكان محاولاتهم للعودة إلى أراضيهم والتمسك بها، في تعبير واضح عن إصرارهم على البقاء.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة