أنقرة- حسم حلف شمال الأطلسي (الناتو) خياره لصالح شركة الدفاع التركية "هافلسان"، بتوقيع عقد لاعتماد برمجية تخطيط روابط البيانات التكتيكية وإدارتها، لتكون المنصة الأساسية لتنظيم الاتصالات وتبادل البيانات داخل منظوماته العسكرية.
وجاء القرار عقب عملية تقييم فني دقيقة واختبارات متقدمة، تفوقت خلالها البرمجية التركية على جميع الحلول المنافسة، مما دفع وكالة الاتصالات والمعلومات التابعة للحلف إلى التوصية باختيار "هافلسان" مزودا وحيدا لهذا النظام.
كما برز قرار الحلف أيضا في سياق حاجته المتسارعة إلى تحديث قدراته في مجال إدارة روابط البيانات التكتيكية، في ظل بيئة عمليات معقدة تقوم على تدفق كثيف وفوري للمعلومات بين وحدات جوية وبرية وبحرية متعددة.
وفي هذا الإطار، صنَّف الحلف مشروع اقتناء برمجية متخصصة لتخطيط هذه الروابط وإدارتها ضمن فئة "الاحتياج العاجل في زمن الأزمات"، بوصفه عنصرا حاسما للحفاظ على التفوق المعلوماتي في ميدان المعركة.
وتولت وكالة الاتصالات والمعلومات التابعة للناتو مهمة التقييم الفني، فأطلقت طلب معلومات موجَّها إلى شركات مؤهلة دوليا، أعقبه تنظيم عروض حية لاختبار الحلول المقترحة.
وأسفرت هذه العملية عن تفوُّق البرمجية التي طورتها شركة "هافلسان"، بعدما نالت أعلى تقييم تقني بين جميع المتنافسين، متقدمة على حلول قدمتها شركات غربية معروفة.
وبناء على هذه النتائج، أوصت الوكالة بالتعاقد مع "هافلسان" بصفتها المزود الوحيد للنظام المطلوب، وهو ما أقرته لجنة الاستثمار في الناتو قبل توقيع العقد رسميا في 18 ديسمبر/كانون الأول 2025.
وبهذا القرار، دخلت برمجية تركية للمرة الأولى في صلب البنية المعلوماتية الحيوية للحلف، في سابقة أنهت احتكار الشركات الغربية لتطوير هذا النوع من المنصات المحورية.
واستند تفوُّق البرمجية التي طورتها "هافلسان" إلى حزمة من الميزات التقنية المتقدمة التي منحتها أفضلية واضحة في بيئة عملياتية شديدة التعقيد، إذ تتيح المنصة دمج وتنسيق مختلف شبكات الربط التكتيكي المعتمدة لدى قوات الحلف، على الرغم من اختلاف لغاتها الرقمية وتعدد بروتوكولات الاتصال المستخدمة، ضمن شبكة واحدة متناغمة توفر لقادة الناتو صورة عملياتية مشتركة وآنية لجميع الوحدات.
وتعتمد البرمجية على نظام تخطيط شبكي دقيق يحدد سلفا مسارات الاتصال بين الوحدات، ويضبط نوع البروتوكول والتشفير والتردد والتوقيت، بما يحول دون التداخل أو التشويش في بيئة اتصالات مكتظة، ويضمن الاستخدام الأمثل للطيف الترددي المتاح، وهو عنصر بالغ الحساسية في الحروب الحديثة.
وإضافة إلى ذلك، تتميز المنصة بخوارزميات ذكية تتيح إعداد "سيناريوهات" بديلة تحافظ على استمرارية الشبكة في حال تعرُّض بعض الوحدات للتعطيل أو خروجها من الخدمة أثناء القتال، إذ يُعاد تلقائيا توزيع المهام ومسارات الاتصال لضمان بقاء جميع الوحدات ضمن نطاق الرؤية المعلوماتية للحلف.
كما تسهم هذه القدرات في تقليص أخطار "النيران الصديقة" عبر توحيد صورة الأهداف وتحديثها باستمرار لدى جميع الأطراف، وتسريع نقل البيانات الحساسة من أجهزة الاستشعار إلى منصات التنفيذ خلال ثوانٍ معدودة وبصفة آمنة.
ويرى المحلل السياسي جنك سراج أوغلو أن قرار الناتو اعتماد برمجية تركية لا يمكن فصله عن سياقه السياسي، مشيرا إلى أنه يحمل دلالات تتجاوز البعد التقني، ويعكس تحولا في مقاربة الحلف تجاه تركيا بعد سنوات من التوتر وتراجع الثقة.
وأوضح سراج أوغلو للجزيرة نت أن الخلافات المرتبطة بملف منظومة الدفاع الجوي الروسية، والتوترات في شرق البحر الأبيض المتوسط، ألقت سابقا بظلالها على العلاقات داخل الحلف، إلا أن إسناد وظيفة مركزية في منظومة الاتصالات إلى برمجية تركية يشير إلى عودة الثقة بقدرات أنقرة التقنية واستعدادها للاضطلاع بأدوار محورية.
ولفت إلى أن الخطوة تُعَد سابقة داخل الناتو، إذ تُسند للمرة الأولى بنية برمجية مركزية إلى شركة من دولة عضو خارج النواة الغربية التقليدية للصناعات الدفاعية.
وأثار إسناد دور محوري بهذا الحجم إلى شركة تركية نقاشا وتحفظات داخل بعض دوائر الناتو، برزت بشكل خاص في اليونان التي تربطها بتركيا علاقة تنافس تاريخي، فقد عبَّرت وسائل إعلام يونانية عن قلقها من أن تنتقل إدارة ما وصفته بـ"العصب الاتصالي" للحلف إلى دولة تختلف معها أثينا بشأن ملفات حساسة في بحر إيجة وشرق المتوسط.
وذهبت تقارير صحفية، من بينها موقع إخباري يوناني بارز، إلى التحذير من أن الخطوة قد تثير مخاوف لا تقتصر على اليونان وحدها، بل تمتد إلى أوساط أوروبية أوسع، في ظل ما تصفه هذه الوسائل بالسياسات التركية التوسعية في محيطها الإقليمي.
وأشارت تلك التغطيات إلى أن وضع بنية الاتصالات العسكرية للناتو تحت إدارة برمجية تركية قد ينطوي، من وجهة نظرها، على أخطار محتملة تمس هندسة الأمن الأوروبي، خصوصا إذا ما عادت الخلافات السياسية داخل الحلف إلى التصاعد.
من جانبه، يرى المحلل الأمني بلال يوزغاتلي أن قرار الناتو اعتماد برمجية تركية لإدارة الاتصالات التكتيكية يعيد ترتيب الثقة الوظيفية داخل الحلف، دون أن يفضي إلى تغيير فوري في موازين الأدوار السياسية.
ويوضح يوزغاتلي للجزيرة نت أن اعتماد برمجية من دولة عضو يمنحها مكانة تقنية وتشغيلية داخل منظومة الناتو، ويحوِّل دورها من مجرد مُمد للقوات إلى مزوّد للقدرات ضمن بنية القيادة والسيطرة المشتركة، مع بقاء هذا الدور خاضعا لحوكمة مؤسسية صارمة ومعايير تدقيق وأمن سيبراني مشددة.
ويشير إلى أن الخطوة تفتح في الوقت ذاته نقاشا أوسع داخل الحلف بشأن مفهوم السيادة الرقمية، ولا سيما ما يتعلق بالتحكم في الكود البرمجي، وإدارة التحديثات وسلسلة الإمداد، وحماية البيانات والميتا-بيانات، وضمان قدرة الدول الأعضاء على الاحتفاظ بهوامش قرار سيادية داخل منظومات تشغيل مشتركة.
ويخلُص المحلل الأمني إلى أن القرار يُعزِّز الثقة التشغيلية بتركيا، لكنه يدفع الناتو إلى تشديد آليات الحوكمة والشفافية، بحيث تقوم الثقة على ضوابط مؤسسية تقلل الأخطار بدل أن تخلقها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة