آخر الأخبار

أسباب اختيار تركيا لحماية أجواء دول البلطيق

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

أنقرة- كُلفت تركيا بتولي مهمة حماية المجال الجوي ل دول البلطيق إستونيا ولاتفيا وليتوانيا خلال عام 2026، في إطار مهام "الشرطة الجوية" ل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، في خطوة تعكس إعادة توزيع الأعباء داخل الحلف على خلفية التوتر المتصاعد مع روسيا.

وجاء القرار بعد اعتذار اليونان عن تنفيذ المهمة بسبب نقص في عدد الطيارين والموارد المتاحة، ما دفع الناتو للاستعانة ب أنقرة.

ووفق الخطة المعتمدة، ستنشر تركيا مقاتلات "إف-16" في قاعدة "إيماري" الجوية بإستونيا، لمراقبة التحركات الجوية الروسية وتعزيز الردع على الجناح الشرقي للحلف.

لماذا تركيا؟

ولقي الدور التركي ترحيبا رسميا في تالين، إذ اعتبر وزير الخارجية الإستوني مارغوس تساخنا أن مشاركة أنقرة "تبعث رسالة واضحة عن وحدة الحلف واستعداده للدفاع عن أمنه الجماعي". وتعد دول البلطيق إحدى أكثر نقاط الاحتكاك حساسية بين الناتو وموسكو، وهو ما يضع أمن أجوائها في صدارة أولويات الحلف.

ومع افتقار إستونيا ولاتفيا وليتوانيا إلى قدرات جوية قتالية مستقلة، يتولى الحلفاء مهمة تأمين مجالها الجوي بشكل دوري منذ انضمامها إلى الناتو عام 2004، قبل أن تتكثف هذه الدوريات بشكل ملحوظ عقب 2014 مع تصاعد التوتر مع موسكو.

وجاء إسناد مهمة دوريات البلطيق لأنقرة في أعقاب اعتذار اليونان عن توليها، نتيجة محدودية قدرات سلاحها الجوي وانشغالها بالتزامات تشغيلية أخرى، ما دفع الناتو للبحث عن بديل قادر على سد الفراغ سريعا. وبرزت أنقرة بوصفها خيارا منطقيا في ضوء امتلاكها أحد أكبر أساطيل المقاتلات داخل الحلف، وخبرة تشغيلية متراكمة، فضلا عن كونها ثاني أكبر قوة عسكرية فيه من حيث الحجم.

وتشير الترتيبات إلى أن تركيا كانت مدرجة أصلا لمهمة جوية مماثلة في جنوب أوروبا، وتحديدا في رومانيا، أواخر 2026، غير أن الحلف قرر تقديم مشاركتها لتغطية متطلبات البلطيق في توقيت أكثر إلحاحا.

إعلان

وسبق لأنقرة أن أسهمت في تأمين أجواء الحلف خارج نطاقها الجغرافي، عبر نشر مقاتلات في ليتوانيا عام 2006، ثم ببولندا في 2021، ضمن منظومة الدفاع الجوي الجماعي، في مسعى أطلسي لسد الثغرات التشغيلية والتأكيد على التزام جميع الأعضاء بالدفاع عن كامل أراضي الحلف.

مصدر الصورة اختيرت تركيا لحماية دول البلطيق لكونها ثاني أكبر قوة عسكرية في الناتو من حيث الحجم (الأناضول)

طبيعة الدور

ويندرج الدور التركي ضمن مهمة "الشرطة الجوية" التابعة للناتو، وهي دوريات دفاعية مخصصة لحماية أجواء دول البلطيق التي تفتقر إلى قدرات جوية قتالية مستقلة.

وخلال فترة الانتشار المحددة والممتدة لأربعة أشهر، من أغسطس/آب إلى ديسمبر/ كانون الأول 2026، سيتولى سلاح الجو التركي مراقبة أجواء إستونيا ولاتفيا وليتوانيا على مدار الساعة، مع جاهزية لاعتراض أي طائرة مجهولة أو يشتبه بتهديدها للمجال الجوي للحلف.

وكغيرهم من الوحدات الأطلسية المنتشرة في المنطقة، سيعترض الطيارون الأتراك الطائرات الروسية التي تقترب من أجواء البلطيق دون تنسيق مسبق، بهدف التعرف عليها ومنع أي خرق محتمل.

وتُدار العمليات تحت إشراف مركز قيادة الدفاع الجوي للناتو، بما يضمن أعلى مستويات التنسيق مع باقي الحلفاء، ويُبقي الدور التركي محكوما بضوابط صارمة تهدف إلى منع أي تصعيد غير محسوب مع موسكو.

رسائل متعددة

يرى المحلل السياسي عمر أفشار أن تولي أنقرة مهمة حماية أجواء البلطيق يبعث في الوقت ذاته برسالة طمأنة إلى دول أوروبا الشرقية، مفادها أنها شريك يمكن الاعتماد عليه في مواجهة التهديدات، وقد تسهم بإعادة بناء الثقة مع عواصم غربية كانت تتحفظ سابقا على مستوى التزام أنقرة الدفاعي.

وأضاف للجزيرة نت أن مشاركة طيارين أتراك في حماية دول صغيرة تقع على تخوم روسيا تعكس استعداد أنقرة لتحمل نصيبها من أعباء الأمن الجماعي للحلف، بما قد ينعكس لاحقا دعما أكبر لمصالحها الأمنية وتعزيزا لقدراتها العسكرية داخل المنظومة الأطلسية.

في المقابل، أشار أفشار إلى أن نشر المقاتلات التركية في البلطيق يحمل رسائل مباشرة إلى موسكو، تؤكد أن الناتو مُوحّد ومستعد لتعزيز الردع على جناحه الشرقي؛ فوجود طيارين أتراك إلى جانب نظرائهم من دول الحلف في مواجهة أي اختراق روسي محتمل يُكرس مبدأ أن أمن البلطيق مسؤولية جماعية لا تحتمل التراخي.

وعلى المستوى الأوروبي الأوسع، لفت إلى أن الرسالة الأساسية تكمن في طمأنة الحلفاء إلى التزام أنقرة الكامل بأمن القارة، فمشاركتها في تأمين البلطيق تؤكد لدول شرق أوروبا أن الدعم لا يقتصر على الدول الأقرب جغرافيا إلى التهديد الروسي، كما تثبت لدول غرب القارة جاهزية تركيا للوفاء بالتزامات الدفاع المشترك.

تركيا وروسيا

من جانبه، يرى المحلل السياسي علي أسمر أن تولي تركيا مهمة حماية أجواء البلطيق يُمثل تحولا نوعيا في موقعها داخل الناتو، من طرف محل جدل سياسي إلى فاعل أمني ميداني مؤثر. وأكد للجزيرة نت أن هذه الخطوة تُعزّز ثقة دول الجناح الشرقي للحلف بالقدرات العسكرية التركية، وتظهر التزام أنقرة العملي بسياسة الردع الجماعي، لا سيما في منطقة تعد من أكثر النقاط توترا في المواجهة الجيوسياسية مع روسيا.

إعلان

وبحسب أسمر، فإن موسكو ستنظر إلى المشاركة التركية على أنها توسيع للحضور الأمني لأنقرة في الفضاء الغربي القريب من حدودها، وهو ما قد يرفع منسوب التوتر السياسي، لكنه توتر "منضبط" لا يتوقع أن يتطور إلى قطيعة، بالنظر إلى تشابك المصالح الاقتصادية ومجالات الطاقة والتنسيق الإقليمي بين الجانبين.

كما يعتقد أن هذه المهمة تمنح تركيا ورقة سياسية قوية تُمكنها من مواجهة الانتقادات الغربية السابقة، وتعيد تقديمها داخل الناتو كحليف لا غنى عنه في المعادلات الأمنية. لكنه يشير في المقابل إلى احتمال بروز تحفظات داخل بعض العواصم الغربية بشأن حساسية تبادل المعلومات العسكرية، في ظل استمرار العلاقات الإستراتيجية بين أنقرة وموسكو.

ويعتبر المحلل أسمر أن هذه المشاركة تكرس نهج السياسة التركية القائمة على إدارة التوازن بين التزاماتها الأطلسية من جهة، وبراغماتيتها تجاه روسيا من ناحية أخرى، وهو ما يُعزز موقعها كقوة أوراسية قادرة على المناورة، شريطة تجنب أي سلوك ميداني يمكن تفسيره كتصعيد مباشر في ظل التوتر الإقليمي القائم.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا