آخر الأخبار

في ذكرى استقالة الشاذلي بن جديد.. كيف مهّد "قرار" التنحّي لدخول الجزائر مأساة العشرية السوداء؟

شارك

أسفرت"العشرية السوداء" عن خسائر بشرية كبيرة، يصعب حصرها بدقة بسبب نقص السجلات والفوضى التي طبعت النزاع. وتتراوح التقديرات بين 100,000 و200,000 قتيل، وفقًا للباحثين والمؤسسات الدولية.

في الحادي عشر من يناير 1992، أعلن الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد استقالته فجأة ودون سابق إنذار. ومع التنحّي، عاشت الجزائر واحدة من أكثر مراحلها دموية بعد توقّف المسار الانتخابي الذي شهد فوز الإسلاميين بالأغلبية في الدور الأول من الانتخابات التشريعية التي نُظمت أواخر ديسمبر 1991. في ذلك اليوم المشهود، برز الشاذلي بن جديد للشعب في نشرة الثامنة مساء ليعلن استقالته. لحظةٌ سياسية قصيرة في ظاهرها لكنها سرعان ما تحوّلت إلى شرارة حرب أهلية لم تُبق ولم تذر وعُرفت لاحقا بما يسمى العشرية السوداء التي أحدثت تغييرا جذريا في مسار الدولة والمجتمع.

بعد أكثر من عشرين عامًا على انقضائها، لا تزال "العشرية السوداء" تفرض حضورها الثقيل على الذاكرة الجزائرية كـ"أزمة أمنية كادت أن تعصف بكيان الدولة"، لكنها أعادت تشكيل علاقة الجزائريين بالسلطة والسياسة، وبمفاهيم العنف والاستقرار، وفق توصيف الصحافية الجزائرية وسيلة بن بشي أثناء حديثها مع يورونيوز.

وتُوصف تلك المرحلة بأنها انعطافة بالغة الخطورة في مسار الجزائر بعد الاستقلال ، وأخطر أزمة واجهت الدولة منذ نشأتها.

جذور الأزمة

وبحسب قراءة الصحفية الجزائرية وسيلة بن بشي، فإنه لا يمكن اختزال اندلاع العشرية السوداء في لحظة استقالة الرئيس الشاذلي بن جديد مطلع عام 1992، إذ ترى المتحدثة أن الأزمة كانت نتاج مسار تراكمي بدأ قبل ذلك بسنوات.

بدأت ملامح الأزمة السياسية والأمنية في الجزائر تتشكل عقب وفاة الرئيس هواري بومدين عام 1978 وتولّي الشاذلي بن جديد الحكم، قبل أن تتفاقم مع نهاية الثمانينيات في ظل تدهور اقتصادي واجتماعي حادّ مع انهيار أسعار النفط. وجاءت انتفاضة أكتوبر/تشرين الأول 1988، حين خرج الجزائريون إلى الشوارع احتجاجًا على أوضاعهم المعيشية ومطالبين بإصلاحات سياسية، لتنتهي بإقرار دستور جديد أنهى نظام الحزب الواحد وفتح المجال أمام التعددية السياسية والإعلامية، بما سمح بظهور قوى سياسية جديدة، من بينها الجبهة الإسلامية للإنقاذ برئاسة الشيخ عباسي مدني ، والتي فازت بأغلبية البلديات في أول انتخابات محلية تعددية عام 1990.

تشريعيات ديسمبر 1991

وتكرّس هذا الحضور في الانتخابات التشريعية التي جرت في 26 ديسمبر/كانون الأول 1991 حيث كشف التحوّل في المزاج السياسي العام، إذ تصدّرت الجبهة الإسلامية للإنقاذ نتائج الدور الأول في مفاجأة سياسية أظهرت تراجع الحزب الحاكم (جبهة التحرير الوطني) وتآكل شرعيته الانتخابية.

غير أن هذا الفوز أثار مخاوف داخل دوائر القرار، خصوصًا في المؤسسة العسكرية، في ظل خطابات وتصريحات لبعض قيادات الجبهة الفائزة التي رأت في تلك الانتخابات "محطة نهائية" في المسار الديمقراطي، تمهيدًا لإقامة ما وصفته بـ"حكم شرعي"، وهو ما اعتُبر تهديدًا مباشرًا لطبيعة الدولة وخياراتها الجمهورية.

الشاذلي بن جديد.. استقال أم أقيل؟

وفي 11 يناير/كانون الثاني 1992، دخلت الجزائر مرحلة جديدة من القطيعة السياسية، إذ أُوقف المسار الانتخابي وأُلغيت نتائج الاقتراع، بالتزامن مع استقالة الرئيس الشاذلي بن جديد، التي لا تزال ملابستُها محلّ جدل، وما إذا كان قرار التنحّي قد تمّ بمحض إرادته أم تحت ضغط من مراكز النفوذ داخل النظام.

ومع انسحاب بن جديد من الحياة السياسية، انزلقت البلاد نحو دوّامة العنف، التي أودت بحياة عشرات الآلاف من الجزائريين، وأثّرت على استقرار الدولة وأمنها، وطالت خسائرها المدنيين والبنية التحتية على حد سواء.

محمّد بوضياف.. عاد إلى الجزائر ليُغتال

لم يكن يدور بخلَد رابع رئيسٍ للجمهورية الجزائرية محمد بوضياف أو ما يلقب بـ "السي الطيب الوطني" وهو يطأ أرض مطار الجزائر في مطلع 1992، أن الرحلة التي بدأت بآمال "الإنقاذ" ستنتهي بعد ستة أشهر فقط بطلقات نارية على الهواء مباشرة.

فـ"سي الطيب" نجا في بدايات الخمسينيات من الاعتقال، ثم من سجون الاستعمار الفرنسي، ولاحقًا من حكم الإعدام الصادر بحقه في ظل صراعات داخلية مع رفاق السلاح وقادة الثورة، ومن بينهم أحمد بن بلة وهواري بومدين.

إلا أنه في التاسع والعشرين من حزيران/يونيو 1992، وبينما كان يلقي خطابا في دار الثقافة بعنابة شرق البلاد، سقط بوضياف مضرّجاً بدمائه أمام أنظار الجميع. وصدم المشهد الجزائريين وكرّس شعور الانكسار والخوف، ما أضاف للأزمة أبعادًا أعمق.

ومن هنا بدأت ملامح "العشرية السوداء" تتضح أمام الداخل والخارج. وأعقب اغتيالَ بوضياف دخولُ البلاد مرحلة فراغ سياسي واضطراب في عمل المؤسسات، تولّى خلالها المجلس الأعلى للدولة إدارة شؤون الحكم في ظل تصاعد العنف المسلح. ومع فشل محاولات الاحتواء السياسي، انزلقت الجزائر إلى مواجهة مفتوحة بين الدولة والجماعات المسلحة، تميّزت بفرض حالة الطوارئ، وتوسّع العمليات الأمنية، وتفاقم الانتهاكات.

وخلال النصف الثاني من التسعينيات، تعاقب على رئاسة الدولة اليمين زروال ، الذي حاول فتح مسار للخروج من الأزمة عبر مبادرات سياسية وانتخابات رئاسية عام 1995، قبل أن يعلن تقليص ولايته والدعوة إلى انتخابات رئاسية مبكرة. وفي أبريل/نيسان 1999، انتهت تلك المرحلة بوصول عبد العزيز بوتفليقة إلى سدّة الحكم.

سنوات الدم في الجزائر

تطرح الصحفية الجزائرية وسيلة بن بشي رؤية نقدية لمصطلح "العشرية السوداء"، معتبرة أن توصيف صمود الجماعات المسلحة لعقد كامل يحتاج إلى مراجعة. فالمواجهة العسكرية المباشرة والشاملة بين الدولة وهذه الجماعات لم تدمْ عشر سنوات، بل انحصرت ذروتها في قرابة ست سنوات.

أما "العشرية" كمصطلح، فهي إحالة زمنية أوسع تشمل ما قبل الانفجار المسلح، وصولاً إلى التداعيات المعقدة التي أعقبت انكسار حدة العنف.

وتشير بن بشي في حديثها، إلى أن الحسم العسكري الميداني بدأ يتشكل فعلياً مع نهايات التسعينيات. وقد مثّل عام 1999 انعطافة بإطلاق سياسة "الوئام المدني"، التي وضعت حداً للنزيف، قبل أن تكتمل الرؤية بـ "ميثاق السلم والمصالحة الوطنية" عام 2005. وهدفت هذه المسارات السياسية بالأساس إلى طيّ صفحة الصراع عبر تسويات قانونية واجتماعية.

وفي تفكيكها لبنية العنف، تؤكد بن بشي أن الجماعات المسلحة لم تكن جبهة موحدة، بل فصائل متباينة الأهداف والولاءات. كان أبرزها "الجيش الإسلامي للإنقاذ" (AIS) التابع للجبهة الإسلامية للإنقاذ، الذي اتسم بالتنظيم والانتشار إضافة إلى الجماعة الإسلامية المسلّحة (GIA) وهو فصيل أكثر شراسة وتنسب له أكبر المجازر والتفجيرات كما أنه يقف وراء محاولة اختطاف طائرة شركة إير فرانس في مطار الجزائر في ديسمبر 1994 والتي انتهت بتوجه الطائرة إلى مارسيليا وتدخل قوان الأمن الفرنسي وتحرير الرهائن الذين كانوا على متن الطائرة.

وبينما بلغت المواجهات ذروتها الدموية ما بين عامي 1993 و1997، دخلت الدولة في مسار تفاوضي استراتيجي مع "الجيش الإسلامي للإنقاذ"، أفضى إلى إعلان هدنة تاريخية عام 1997 كانت حجر الزاوية في انهيار المشروع المسلح لاحقاً.

وبموجب قانون الوئام المدني (1999)، انتهى الصراع عملياً مع أكبر الفصائل المنظمة، ليأتي قانون المصالحة الوطنية (2005) ويوسع دائرة التسوية لتشمل تائبين آخرين. ورغم بقاء جيوب محدودة ومحاصرة في المناطق الجبلية الوعرة، مثل فلول "الجماعة الإسلامية المسلحة" (GIA) والعناصر التي انشقت عنها، إلا أن هذه التنظيمات فقدت قدرتها على التأثير في الأمن القومي أو تهديد كيان الدولة، وأصبحت منذ مطلع الألفية الجديدة مجرد خلايا معزولة ومقيّدة استخباراتياً وميدانياً.

مجازر وخسائر بشرية يصعب حصرها

أسفرت الأزمة الجزائرية، عن خسائر بشرية كبيرة، يصعب حصرها بدقة بسبب نقص السجلات والفوضى التي طبعت النزاع. وتتراوح التقديرات بين 100,000 و200,000 قتيل، وفقًا للباحثين والمؤسسات الدولية. وتشير بعض الأرقام الرسمية في السنوات الأخيرة إلى سقوط نحو 150,000 قتيل بحلول نهاية النزاع، بينما كانت المصادر الجزائرية في أواخر التسعينيات قد أشارت إلى رقم أقل بكثير قُدّر وقتها بقرابة 26,000 قتيل، إلا أن هذا الرقم اعتُبر أنه لا يعكس الواقع لأسباب سياسية وتقارير غير مكتملة.

شمل النزاع المسلح ارتكاب مجازر جماعية واستهدافًا مباشرًا للمدنيين من قبل جماعات مسلحة مثل الجماعة الإسلامية المسلحة (GIA)، إضافة إلى وقوع عمليات قتل خارج نطاق القانون واختفاء قسري نفّذت أحيانًا من قبل أجهزة الدولة، ما أدّى إلى آلاف حالات الاختفاء. كما تكبّدت قوات الأمن والجهة المعادية خسائر كبيرة في صفوفها، وسط تقارير لمنظمات حقوقية عن آلاف الوفيات والاختفاءات خلال سنوات الحرب الأهلية.

وتشير هذه التقديرات إلى أن المدنيين شكلوا الغالبية العظمى من ضحايا العنف في تلك الحقبة، مع احتمال أن تكون الأرقام الفعلية أعلى عند احتساب الوفيات غير المباشرة والظروف الإنسانية الناتجة عن النزاع نفسه.

الجزائر ما قبل وما بعد سنة 2002

تؤكد الصحافية الجزائرية وسيلة بن بشي أن الجزائر بعد " العشرية السوداء " ليست هي نفسها قبلها، سواء على مستوى البنية السياسية أو في ما يتعلق بالتشكل الاجتماعي والرمزي للدولة. فقد مثّلت تلك المرحلة صدمة عميقة أعادت صياغة أولويات السلطة والمجتمع معًا، وأدخلت البلاد في مرحلة جديدة قُدِّم فيها منطق الاستقرار والأمن على حساب التجربة الديمقراطية والانفتاح السياسي الواسع.

سياسيًا، تجسّد هذا التحول في تكريس نموذج "الدولة الأمنية الوقائية"، التي جعلت من ضمان السلم ومنع عودة العنف المسلح شرطًا سابقًا لأي إصلاح أو انفتاح سياسي. ويُعدّ استمرار العمل بقانون الطوارئ، رغم تراجع مظاهر العنف ودخول البلاد مرحلة من السلم النسبي، أحدَ أبرز تجليات هذا التوجه. فاستمرار سيران هذا القانون لسنوات بعد انتهاء المواجهة المسلحة يعكس حالة من الحذر المؤسسي والخشية الدائمة من عودة عدم الاستقرار، لكنه في المقابل أسهم في تضييق هامش الحريات السياسية والعامة، وأعاد إنتاج علاقة غير متوازنة بين الدولة والمجتمع، تقوم على الضبط أكثر من المشاركة.

وفي السياق ذاته، اتجهت السلطة، إلى الحد من تسلّل "الأدلجة" إلى المجال الحزبي، خاصة الأيديولوجيات ذات الطابع الديني، باعتبارها أحد العوامل التي ساهمت في تفجير الأزمة خلال تسعينيات القرن الماضي. وقد انعكس هذا التوجه في إعادة هندسة المشهد الحزبي، من خلال فرض قوانين جديدة للأحزاب دفعت بعض التشكيلات السياسية إلى مراجعة خطابها وهويتها التنظيمية، بل وتغيير تسميتها أحيانًا، في محاولة للتكيّف مع قواعد اللعبة السياسية الجديدة التي أفرزتها مرحلة ما بعد العشرية السوداء.

اجتماعيًا، خلّفت تلك المرحلة، بحسب بن بشي، آثارًا نفسية ورمزية عميقة، تمثلت في صدمة طويلة الأمد، وتراجع الثقة في السياسة كوسيلة للتغيير، إلى جانب بروز ثقافة الخوف والحيطة في الفضاء العام. كما ظل ملفّ المفقودين حاضرًا بقوة في الذاكرة الوطنية، باعتباره من أكثر القضايا حساسية وتعقيدًا، لما يحمله من أبعاد إنسانية وأخلاقية لم تُحسم بشكل كامل، وأسهمت في ترسيخ شعور عام بغياب عدالة انتقالية شاملة.

سنوات الجمر.. كلٌّ حسب رؤيته وتبريراته

وتخلص بن بشي بن بشي أن سردية العشرية السوداء لم تُغلق إلى اليوم بشكل نهائي في الوعي الوطني الجزائري، إذ ما تزال موضوع قراءات متباينة وتأويلات متعارضة. فبين من يرى أن مسار المصالحة الوطنية أسهم في استعادة السلم وإنهاء دوامة العنف، ومن يعتبر أن هذه المصالحة ظلت مبتورة ولم تُجب عن الأسئلة الجوهرية المتعلقة بالحقيقة والمساءلة، يستمر الجدل حول طبيعة تلك المرحلة وحدود تجاوزها.

ويزداد هذا الجدل تعقيدًا بالنظر إلى حجم العنف "غير المبرّر" الذي عاشه الجزائريون خلال تلك السنوات، في سياق عامّ اتسم بأزمة اقتصادية خانقة تفاقمت بفعل انهيار أسعار النفط، وما ترتب عنه من تراجع حاد في الموارد وفرص العمل، الأمر الذي عمّق الإحساس بالهشاشة الاجتماعية وانسداد الآفاق وفتجح الباب على مصراعيه أمام قوارب الموت والهجرة غير الشرعية إلى أوروبا.

وتشير المتحدثة إلى أن الأزمة الأمنية شكّلت عامل تعطيل حقيقي لمسار التنمية، إذ أخّرت الجزائرَ لعقود وأعادت بعض مكتسباتها الاقتصادية والاجتماعية إلى الوراء، مقارنة بما كان يمكن تحقيقه في ظل بيئة مستقرة. وفي هذا الإطار، امتدت آثار "العشرية السوداء" إلى بنية الدولة والمجتمع، وأثّرت بعمق في تصورات الجزائريين للعنف والسلطة والمستقبل.

يورو نيوز المصدر: يورو نيوز
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا دونالد ترامب أمريكا إيران

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا