آخر الأخبار

لماذا تهتم إسرائيل بأرض الصومال؟

شارك

يُمثّل الاعتراف الإسرائيلي الرسمي بإقليم أرض الصومال الانفصالي -الذي يسمى "جمهورية أرض الصومال"- دولة مستقلة، في ديسمبر/كانون الأول 2025، منعطفا جيوسياسيا مهما في رسم خريطة التحالفات في منطقة القرن الأفريقي ومحيط البحر الأحمر.

لم يكن هذا القرار، الذي جعل من تل أبيب أول عاصمة عضو في الأمم المتحدة تمنح هرجيسا اعترافا كاملا بالسيادة، وليد الصدفة أو نتاج لحظة سياسية عابرة، بل جاء تتويجا لمسار تاريخي متعرّج من الاهتمام الإستراتيجي الذي تمتد جذوره إلى لحظة الاستقلال الأولى للصومال عام 1960.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 المبعوث الأميركي إلى سوريا يدلي بتصريحات حول حلب
* list 2 of 2 المؤثرون الرقميون.. من هم؟ وكيف يؤثرون؟ end of list

توضح هذه الورقة رؤية إسرائيل لأرض الصومال رأسَ جسرٍ إستراتيجيّا يطل على مضيق باب المندب، ويوفر عمقا أمنيّا في مواجهة التهديدات المتصاعدة في جنوب البحر الأحمر، في حين تَعُدُّ هرجيسا الاعتراف طوق النجاة لكسر عزلتها المستمرة منذ 3 عقود، ضمن مقايضة سيادية تهدف إلى تحويل موقعها الجغرافي إلى رأسمال سياسي يؤمن لها الوصول إلى واشنطن والغرب عبر البوابة الإسرائيلية.

تعمل هذه الدراسة على تحليل الأبعاد المتعددة لهذا الاعتراف، بدءا من الرصد التاريخي للعلاقات، مرورا بتشريح المصالح والمكاسب المتبادلة لكلا الطرفين، وصولا إلى استشراف التداعيات الإقليمية المعقَّدة خاصة في ظل الرفض القاطع من الحكومة الاتحادية في مقديشو، والارتباك الذي قد يسببه هذا التحالف في مواقف القوى الإقليمية الكبرى كتركيا، ومصر، وإثيوبيا.

الاعتراف.. منعطف جيوسياسي جديد في القرن الأفريقي

يمثِّل يوم 26 ديسمبر/كانون الأول 2025 علامة فارقة في تاريخ القرن الأفريقي، إذ أقدمت إسرائيل على خطوة غير مسبوقة من دولة عضو في الأمم المتحدة بالاعتراف رسميّا باستقلال ما تسمى "جمهورية أرض الصومال"، منهية بذلك عقودا من العزلة الدبلوماسية لهذا الإقليم الذي أعلن انفصاله عن الصومال وإعلان دولته من طرف واحد منذ عام 1991.

إعلان

وجاء الإعلان عبر بيان مشترك وقعه كل من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير خارجيته جدعون ساعر مع رئيس "أرض الصومال" عبد الرحمن محمد عبد الله (عرو)، في خطوة وصفها نتنياهو بأنها مرتبطة بـ"روح اتفاقيات أبراهام". وهي سلسلة اتفاقيات تطبيع دبلوماسي بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، وُقعت ابتداء من عام 2020 برعاية مباشرة من الرئيس الأميركي حينها، دونالد ترامب.

سياسيّا، أكد البيان "الاعتراف المتبادل بالسيادة" و"إقامة علاقات دبلوماسية كاملة"، بما يشمل تبادل السفراء وفتح السفارات فورا في كل من تل أبيب وهرجيسا، ولم يقتصر الاتفاق على الشق السياسي بل تضمن خطة عمل فورية للتعاون في مجالات الزراعة والصحة والتكنولوجيا والاقتصاد.

وبرز الجانب الأمني في هذا البيان، حيث كان لافتا شكر نتنياهو العلني لرئيس الموساد، ديفيد برنيع، وللموساد على دورهما في إنجاز الاتفاق، كما كان من المثير للانتباه التقدير الذي أبداه رئيس "أرض الصومال" لما أسماها إنجازات نتنياهو في "مكافحة الإرهاب" و"تعزيز السلام الإقليمي"، في حين أثنى نتنياهو بدوره على قيادة عرو "والتزامه بتعزيز السلام والاستقرار"، داعيا إياه إلى القيام بزيارة رسمية لإسرائيل.

مصدر الصورة رجال دين يتظاهرون في مقديشو ضد التدخل الإسرائيلي في شؤون الصومال (رويترز)

جذور تاريخية ومسار تراكمي

الاهتمام الإسرائيلي متعدد المستويات بأرض الصومال بدأ مبكرا، فخلال الأيام الخمسة التي تمتعت فيها "أرض الصومال" بالسيادة بعد استقلالها عن بريطانيا عام 1960، وقبل وحدتها مع الصومال الإيطالي، كانت إسرائيل من بين 35 دولة اعترفت بها رسميّا، حيث انقطعت العلاقة الرسمية بين الطرفين منذ ذلك الحين مع رفض الصومال الاعتراف بتل أبيب أو التطبيع معها.

لكن هذا الاهتمام الإسرائيلي بأرض الصومال لم ينقطع، حيث تشير المصادر التاريخية إلى أن إسرائيل ربما كانت الدولة الوحيدة التي طالبت رسميّا بلفت الانتباه الدولي إلى المجازر التي ارتكبها نظام سياد بري بحق قبيلة إسحاق في أرض الصومال، إذ أرسل يوهانان بين، مندوب إسرائيل لدى الأمم المتحدة، رسالة رسمية إلى مجلس الأمن، عام 1990، حذَّر فيها من هذه الفظائع.

بعد إعلان أرض الصومال استقلالها بـ4 سنوات، أرسل رئيسها إبراهيم عقال عام 1995 رسالة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك، إسحاق رابين، يسعى فيها إلى إقامة علاقات دبلوماسية بين البلدين.

وفي مايو/أيار 2005، صرَّح رئيس أرض الصومال حينها، طاهر ريالي كاهن، بأنه لا يمكن لأحد منع بلاده من إقامة علاقات مع إسرائيل إذا رغبت في ذلك، ملقيا باللوم على الدول العربية في تدهور العلاقات بينها وبين هرجيسا.

وعام 2010، نقلت صحيفة هآرتس عن إيغال بالمور، المتحدث السابق باسم وزارة الخارجية الإسرائيلية ورئيس الشؤون الدولية في الوكالة اليهودية حينها، أن حكومته مستعدة للاعتراف بأرض الصومال مرة أخرى، ومع ذلك صرَّح بأن حكومة أرض الصومال لم تتصل بنظيرتها الإسرائيلية للسعي نحو إقامة علاقات بين الطرفين.

اتفاقيات أبراهام

كما نشرت هيئة البث الإسرائيلية الرسمية، في مارس/آذار 2025، تصريحا لوزير خارجية أرض الصومال، عبد الرحمن طاهر آدن، عن انفتاح بلاده "للنقاش في أي مسألة"، وأنه "يجب على جميع الدول المهتمة بمناقشة قضايا معينة معنا أن تقيم أولا علاقات عمل معنا وتفتح بعثات دبلوماسية في أرض الصومال.

إعلان

من جانبها، أكدت يديعوت أحرونوت، في ديسمبر/كانون الأول 2025، نقلا عن مسؤولين في المخابرات الإسرائيلية، أن الموساد ينشط في أرض الصومال منذ سنوات، وقد مهَّد الطريق للاعتراف به من خلال علاقات سرية طويلة الأمد مع شخصيات بارزة هناك، وأن رؤساء الموساد حافظوا على علاقات شخصية مع مسؤولين في أرض الصومال.

وتحدِّد يديعوت أحرونوت تاريخ الاجتماع الأول الذي أطلق محادثات الاعتراف بأنه تم في أبريل/نيسان 2025 في دولة ثالثة بين وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر وممثلين لرئيس أرض الصومال، تلا ذلك شهور من المحادثات المكثفة والسرية تتخللها زيارات متبادلة قام بها مسؤولون رفيعو المستوى من كلا الجانبين.

مصدر الصورة رئيس إقليم أرض الصومال الانفصالي عبد الرحمن عرو (يمين) مع وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر في القصر الرئاسي في هرجيسا (الفرنسية)

لماذا تهتم إسرائيل بأرض الصومال؟

هذا الاهتمام الإسرائيلي المبكر والمستمر بأرض الصومال تقف خلفه مجموعة من العوامل المتشابكة، من أبرزها:


* الموقع الجيوسياسي المهم والحساس:

وهو موقع يحمل أهمية بالغة بالنسبة لرؤية تل أبيب الأمنية للمنطقة؛ فمن ناحية، يمنح موقع أرض الصومال عند مدخل خليج عدن، الذي يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي، قيمة جيوسياسية فريدة. ومن ناحية أخرى، تقع سواحل وأراضي أرض الصومال اليوم على بُعد يتراوح بين 300 و500 كيلومتر تقريبا من المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون في اليمن، بما في ذلك ميناء الحديدة، وتنظر تل أبيب إلى هذا الموقع على أنه قد يكون عاملا حاسما في أي مواجهة مقبلة مع الحوثيين.


* سعي هرجيسا للتقارب مع الغرب:

وهو سعي ظل مستمرّا بشكل دائم وإستراتيجي وواسع النطاق، وهي تعتقد أن هذا التعاون هو البطاقة للحصول على الاعتراف الدولي بها دولة مستقلة، ولذلك فقد شهدنا في الفترة الأخيرة الإعلان عن استعداد أرض الصومال لتطوير علاقات أمنية واسعة مع الولايات المتحدة، بما في ذلك إمكانية استضافة قاعدة أميركية.


* تهديد الحوثي:

شهدت أحداث الحرب على غزة بروز متغير إستراتيجي جديد، وهو ظهور الجماعة الحوثية في اليمن مهددة للأمن الإسرائيلي؛ وهو ما يستدعي من تل أبيب تأمين موطئ قدم لها جنوب البحر الأحمر لمراقبة أنشطة الجماعة ومهاجمتها، وهو ما توفره أرض الصومال، وهذا ما يميزها عن دول في المنطقة كإريتريا التي شهدت علاقاتها فتورا مع إسرائيل خلال السنوات الأخيرة.

كما أنها تُعد من أكبر ناقدي السياسة الغربية في القارة الأفريقية، وكذلك جيبوتي التي للصين فيها نفوذ كبير، وكان موقفها واضحا في تأييد الحق الفلسطيني ورفضها تحويل أراضيها لمنصة لمهاجمة الحوثيين.


* الانفتاح على العلاقات مع إسرائيل:

محاولات التواصل مع إسرائيل من قادة أرض الصومال بدأت مبكرا؛ فخلال التسعينيات سعت أرض الصومال إلى إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل -كما ذكرنا- وذلك من خلال المراسلات بين قيادة أرض الصومال والمسؤولين الإسرائيليين، مثل مبادرات التقارب التي قدمتها قيادة أرض الصومال إلى رئيس الوزراء إسحاق رابين، وهو ما قوبل بردٍّ إسرائيلي حذر نتيجة ظروف إقليمية ودولية دون إنكار "المطالب القانونية" لهرجيسا.

وخلال حرب غزة، حافظت حكومة أرض الصومال على موقف إيجابي من وجهة نظر إسرائيلية، كما أبدت استعدادها للتعاون مع المبادرات المؤيدة لإسرائيل، بما في ذلك توسيع اتفاقيات أبراهام، وهو الذي تم الاعتراف الحالي ضمن توجهه وفي سياقه.


* المشتركات بين الطرفين:

رغم التباعد الجغرافي بينهما، تشير دراسة صادرة عن مركز موشي ديان للدراسات الشرق أوسطية والأفريقية إلى مشتركات بين كل من إسرائيل وأرض الصومال، من قبيل أنهما يمثلان "قصة نجاح رغم الصعاب".

كما أن كليهما يريان نفسيهما "ديمقراطية وحيدة" في منطقة مضطربة، إلى جانب معاناتهما من العزلة السياسية: إسرائيل في محيطها العربي تاريخيّا وأرض الصومال في محيطها الأفريقي لعدم الاعتراف بها. كما تتفق هرجيسا وتل أبيب في العداء للإسلام السياسي، وهو ما نجده في وقت مبكر في رسالة إبراهيم عقال سالفة الذكر إلى رابين، عام 1995، التي تحدَّث فيها عن ضرورة التصدي المشترك للإسلاموية في المنطقة.

إعلان

* عزلة أرض الصومال:

إن عزلة أرض الصومال إقليميّا وإحاطتها بدول رافضة لاستقلالها يجعلها مرتبطة بشكل كبير بالدعم الإسرائيلي؛ ولذلك فقد تحدث نتنياهو في بيان إعلان الاعتراف عن مروحة واسعة من المجالات التي سينشط فيها التعاون بين الطرفين، كالصحة والزراعة والتكنولوجيا والاقتصاد ، وهو ما قد يحوِّل أرض الصومال، في حال الفشل في كسر حالة عدم الاعتراف الإقليمية والدولية، إلى جيب معتمد على تل أبيب في المنطقة.


* إعادة إحياء عقيدة المحيط

لا يمكن فصل اعتراف تل أبيب بإقليم أرض الصومال دولة مستقلة عن عقيدة المحيط بنسختيها، القديمة والحديثة، وهي إستراتيجية ترمي إلى بناء تحالفات مع دول غير عربية وأقليات في منطقة الشرق الأوسط الكبير، بالإضافة إلى دول عربية بعيدة، بهدف كسر العزلة التي فُرضت على إسرائيل نتيجة للصراع العربي الإسرائيلي

ترافقت مجموعة من التحولات الجيوسياسية خلال العقدين الماضيين أدَّت إلى إعادة إحياء هذه الإستراتيجية ضمن ما تسمى عقيدة المحيط المعكوسة، التي تتضمن سعي تل أبيب للشراكة مع دول عربية للعمل في مناطق الأطراف مثل القرن الأفريقي، مع تحول البحر الأحمر من مجرد ممر مائي إلى ساحة صراع وجودي تتطلب وجودا دائما.

مصدر الصورة مظاهرات في مقديشو عاصمة دولة الصومال ضد الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال الانفصالي (الأناضول)

أهداف أرض الصومال

ترمي هرجيسا، من خلال توقيع هذا الاتفاق، إلى مجموعة من الأهداف يمكن تلخيص أهمها في الآتي:


* كسر "جدار العزلة"

لطالما مثَّل الحصول على الاعتراف باستقلال أرض الصومال الهدف الأسمى لقيادتها، وهكذا تَعُدُّ هرجيسا الاعتراف الإسرائيلي أول اختراق حقيقي لحاجز دام أكثر من 3 عقود من عدم الاعتراف، وتصفه رسميّا بأنه "قرار تاريخي" في مسارها نحو اكتساب الشرعية الدولية.

وضمن هذا المنظور، من المتوقع أن تستخدم هرجيسا هذا الاعتراف وسيلة لإقناع دول أخرى بأن تحذو حذو تل أبيب، كما أنها تأمل، على نحو مؤكد، في الاستفادة من نفوذ إسرائيل على الساحة الدولية لدعمها في هذا المسعى، لضم دول أخرى، على رأسها الولايات المتحدة، إلى هذا المسار.


* ترسيخ سردية "استعادة الدولة لا الانفصال"

ستعمل نخب أرض الصومال على زيادة الزخم القانوني والسياسي لهذه الخطوة من خلال ربط الاعتراف الحالي بسابقة الاعتراف الدولي بدولة أرض الصومال، عام 1960، لتأكيد أن ما يجري اليوم هو استعادة لدولة مستقلة كانت قائمة قبل وحدة فاشلة مع الصومال، والتخلص من وصمة كونها حركة انفصالية حديثة.


* الحصول على دعم أمني واقتصادي وتقني عالي القيمة

جاء الإعلان عن الاتفاق متضمنا حزمة أوسع من التفاهمات تشمل التعاون التقني والزراعي والمائي والاقتصادي والصحي. كما أن الانخراط في إطار اتفاقات أبراهام يتيح لأرض الصومال الوصول إلى شبكات تمويل واستثمار تمر عبر القنوات المرتبطة بإسرائيل والولايات المتحدة. ومن المرجح أن تسعى قيادة أرض الصومال إلى حثِّ الجهات المانحة الدولية وبنوك التنمية على أخذ هذا "الإنجاز الدولي" بعين الاعتبار، على أمل استغلاله للحصول على مساعدات أو قروض.


* إعادة التموضع في معادلات القرن الأفريقي

يرفع الاعتراف أرض الصومال من مجرد دولة بحكم الأمر الواقع إلى فاعل منخرط في معادلات أمن البحر الأحمر، كما يمنح هرجيسا ورقة تفاوض إضافية في تعاملها مع أديس أبابا ومع الفاعلين الباحثين عن شراكات موانئ وقواعد على طول الساحل.

أهداف تل أبيب

ترمي إسرائيل، من وراء توقيع هذا التفاهم، إلى مجموعة من الأهداف لعل من أهمها:


* إيجاد موطئ قدم على البحر الأحمر وباب المندب

سيمنح هذا الاعتراف إسرائيل إمكانية وصول علنية إلى ساحل يمتد من بربرة إلى زيلع، في لحظة يعاد فيها بناء إستراتيجيات أمن الملاحة بفعل هجمات الحوثيين، خلال العامين الماضيين، على خطوط الشحن في البحر الأحمر.


* مواجهة التحركات الإيرانية والحوثية في المنطقة

من جهة أخرى، يحوِّل هذا التفاهم أرض الصومال إلى قاعدة متقدمة لمهام أمنية، من قبيل جمع المعلومات الاستخباراتية حول السفن الإيرانية وتحركاتها ومراقبة الحوثيين ونشاطهم العسكري، ولمهام عملياتية مباشرة في المنطقة، بدءا من العمليات الهجومية على أهداف تختارها تل أبيب وصولا إلى اعتراض هجمات الحوثيين في البحر أو بواسطة الطائرات المسيَّرة، واعتراض المسيَّرات والصواريخ الحوثية والسفن الإيرانية، بما يخفف الضغط على الجبهة الداخلية الإسرائيلية في حال حدوث أي اشتباك مستقبلي بين الطرفين.

ورغم التقدير الذي أبداه رئيس "أرض الصومال" عبد الرحمن محمد عبد الله لإنجازات نتنياهو "في مكافحة الإرهاب وتعزيز السلام الإقليمي"، فقد تكرر نفي مسؤولي الإقليم نيتهم استضافة قاعدة عسكرية إسرائيلية.

إعلان

* الحد من نفوذ تركيا في المنطقة

يصف مقال منشور في "جيروزاليم بوست" اعتراف إسرائيل بأرض الصومال بأنه "ضربة مباشرة" لنفوذ تركيا، ذات النفوذ العميق في الصومال؛ حيث تدرِّب القوات الصومالية وتبني البنية التحتية. ويربط المقال بين هذا الحدث والتعاون مع قبرص واليونان والدعم الإسرائيلي للأكراد والدروز في سوريا، راسما ساحة مواجهة بين تل أبيب وأنقرة تمتد من البحر المتوسط إلى سوريا انتهاء بالقرن الأفريقي.


* توسيع اتفاقات أبراهام نحو القرن الأفريقي

ربط الخطاب الرسمي الإسرائيلي الاعتراف مباشرة بـ"روح اتفاقات أبراهام"، أي توسيع دائرة التطبيع من الخليج وشرق المتوسط إلى القرن الأفريقي وأفريقيا جنوب الصحراء.

ويتضمن هذا الاستفادة من عودة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، المهندس الرئيسي لهذه الاتفاقات، إلى البيت الأبيض؛ حيث خلق الضغط الأميركي المتواصل لتوسيع "اتفاقيات أبراهام" بيئة مواتية لتجاوز العقبات الدبلوماسية.

وبما أن الحكومة المركزية في مقديشو رفضت مرارا الانضمام لهذا المسار أو تطبيع علاقاتها، فقد عَدَّ نتنياهو اللحظة بمنزلة "انتصار ميداني" لرؤيته؛ إذ صاغ الاعتراف كجزء لا يتجزأ من المنظومة الأمنية لاتفاقيات أبراهام، مقدما الأقاليم المستعدة للتعاون الوظيفي شريكا بديلا وواقعيّا عن المركز الرافض.


* التوسع الاقتصادي نحو شرق أفريقيا

قد تتصور إسرائيل طرقا تجارية جديدة عبر أرض الصومال، لا سيما الممر عبر بربرة إلى إثيوبيا غير الساحلية؛ مما قد يربط السلع والتكنولوجيا الإسرائيلية بأسواق شرق أفريقيا. وقد سبق لإسرائيل أن قدمت خبراتها في الزراعة وإدارة المياه لعديد من الدول، ومن شأن شراكة رسمية أن تفتح هذه القنوات.


* تعميق الشراكة الأمنية والاستخباراتية:

بدا واضحا من الشكر الذي قدمه نتنياهو للموساد ورئيسه على المساهمة في الوصول إلى هذا الاعتراف الدورُ المركزي الذي لعبته الأجهزة الاستخباراتية الإسرائيلية في بناء العلاقة، بهدف مراقبة أنشطة إيران والحوثيين وتركيا في سواحل خليج عدن والقرن الأفريقي، كما أن وجود شريك مستعد للتنسيق الأمني على الساحل الصومالي الشمالي سيخفِّف اعتماد إسرائيل على أطراف إقليمية قد تقيِّد التعاون العلني بفعل حساسيات داخلية أو إقليمية.


* الحيلولة دون انهيار أرض الصومال:

تعيش أرض الصومال خلال السنوات الأخيرة تهديدا وجوديّا غير مسبوق، مع تراجع قدرتها على فرض سيطرة هرجيسا على عدد من المناطق في الإقليم؛ حيث اعترفت مقديشو بولاية شمال شرق الصومال، لتخرج فعليّا مناطق شرق الإقليم من تحت قبضة هرجيسا، في حين شهدت منطقة أودال اضطرابات أمنية تنذر باحتمال تحولها إلى ولاية فدرالية جديدة أخرى.

هذا الانحسار الجغرافي لم يضعف موقف هرجيسا العسكري فحسب، "بل ضرب جوهر مطالبتها بالاستقلال القائم على فرض السيادة على حدود عام 1991"


* تحقيق إنجاز شخصي لنتنياهو:

يرى ماكسويل ويب، منسق مبادرات القيادة في برنامج "عتيد" التابع لمنتدى السياسة الإسرائيلية، أن خطوة الاعتراف "الجريئة" كانت مفاجئة لكثيرين، مفسرا ذلك بحاجة حكومة نتنياهو لتحقيق أي نصر دبلوماسي، لا سيما نصرا قد يكون واعدا ومجزيا مثل التحالف مع أرض الصومال، بالنظر إلى حالة العزلة التي تعيشها إسرائيل، والجمود الذي يحيط بخطط ما بعد الحرب في غزة، فضلا عن الفوضى السياسية داخل الائتلاف الحاكم واقتراب موسم الانتخابات.


* تهجير سكان غزة:

تربط عديد من التحليلات بين الاعتراف الإسرائيلي باستقلال أرض الصومال والخطط الإسرائيلية المعلنة لإفراغ غزة من سكانها ونقلهم إلى مناطق أخرى؛ حيث تبدو أرض الصومال إحدى الوجهات المحتملة؛ إذ تتمتع بمساحة كبيرة (176 ألف كيلومتر مربع) وعدد سكان قليل نسبيّا (نحو 6 ملايين)، كما أن جميع سكانها من المسلمين مما قد يُستخدم في تبرير مثل هذا التوجه.

وبغضِّ النظر عن النفي المتكرر من قبل أرض الصومال لهذه الفكرة، وإعلان وزير خارجيتها أن الملف لم يكن مطروحا أصلا في المحادثات مع تل أبيب، فإن هناك عوائق عملية، في تقديرنا، تصعِّب تنفيذ مثل هذه العملية بالنطاق الواسع الذي يتم الحديث عنه؛ من بينها طبيعة المجتمع القبلية شديدة الحساسية لأي تغيرات في التوازنات الديمغرافية، ومعضلة توطين أكثر من مليون غزي؛ حيث إن أي محاولة من الحكومة لتخصيص مناطق لإيواء أعداد كبيرة من اللاجئين ستواجَه برفض من القبائل المسلحة التي تعد الأرض ميراثا تاريخيّا لها، إلى جانب معارضة شريحة واسعة من المجتمع في المنطقة لتهجير الفلسطينيين من غزة من الأصل.

مصدر الصورة العلم الإسرائيلي وصورة لنتنياهو تحت أقدام صوماليين غاضبين في مقديشو (رويترز)

تداعيات الاعتراف بأرض الصومال: بين إعادة التموضع وتحوُّل المعادلات الإقليمية

يحمل الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال دولة مستقلة مجموعة متداخلة من التداعيات الجيوسياسية والأمنية، يمكن إجمال أهمها في الآتي:

أ- التداعيات على أرض الصومال

يمكن الحديث عن مجموعة من التداعيات المتوقعة على مستوى أرض الصومال، من أبرزها:


* سيمثل الاعتراف انتصارا رمزيّا للنخب الحاكمة في هرجيسا، وسيُستخدم داخليّا لتأكيد أن مشروع الدولة المنفصلة يمكن أن يحظى بدعم دول خارجية مهمة، كما سيعزز تماسك النواة المؤيدة للاستقلال ويُضعف التيارات الوحدوية عبر تصوير أي معارضة على أنها ضد الإنجاز التاريخي.
* سيؤدي الاعتراف إلى تكريس الفجوة بين المركز الانفصالي والاتجاهات الوحدوية في شرق الإقليم، الذي خرج عمليّا من سيطرة هرجيسا وأعاد ارتباطه بالصومال عبر تحوله إلى "الولاية الشمالية الشرقية" المعترف بها من مقديشو.
* تصاعد احتمالات توترات أمنية داخل الإقليم، حيث قد يشجع الاعتراف اندلاع احتجاجات في أوساط العشائر والمناطق التي ترفض الانفصال أو تعارض التطبيع مع إسرائيل، كبعض الشرائح الدينية أو الإسلامية؛ مما قد يُواجَه بسلوك أمني أكثر تشددا من هرجيسا بذريعة حماية الإنجاز السيادي، وهو ما قد يفتح الباب أمام حروب وكالة داخل الإقليم.

ب- التداعيات على الصومال

تأتي خطوة الاعتراف في وقت يعاني فيه الصومال من حالة حادة من الاستقطاب بين الحكومة المركزية والمعارضة، وعلى رأسها ولايتا بونتلاند وجوبالاند اللتان أعلنتا مؤخرا انسحابهما من النظام الفدرالي الصومالي على خلفية عدد من الملفات الخلافية، وفي مقدمتها النزاع حول التعديلات على قانون الانتخابات من قبل إدارة الرئيس الصومالي، حسن شيخ محمود. ومن أبرز التداعيات المتوقعة على الصومال:


* تعزيز خطاب السيادة ووحدة الأراضي: على المستويين الرسمي والشعبي، إذ عَدَّت مقديشو الاعتراف اعتداء على وحدة الصومال وسلامة أراضيه، وحذر حسن شيخ محمود هرجيسا من السماح باستخدام أراضيها "منصة لأعمال عدائية ضد دول أخرى". كما خرجت مظاهرات في مقديشو ومدن أخرى تندد بالاعتراف، وجمعت طيفا من القوى السياسية والعشائرية التي عادة ما تختلف في ما بينها.
* تأثيرات على الفدرالية والعلاقات مع الولايات: سارعت بعض الولايات إلى إدانة الاعتراف، بينما التزمت ولايتا بونتلاند وجوبالاند الصمت، وهو ما يعكس استمرار التوترات الداخلية، واحتمالات توظيف ملف اعتراف إسرائيل بأرض الصومال أداة في الخلافات بين الولايتين ومقديشو، في حين تبدو أكبر المخاطر في احتمال اتخاذ بعض الولايات أرض الصومال نموذجا والسعي إلى الاستقلال بالتوافق مع قوى خارجية.
* توظيف الملف من قِبل الجماعات الجهادية: سيوفر الاعتراف مادة دعائية قوية لـ"حركة الشباب" وغيرها من الجماعات لتجنيد عناصر جديدة وشرعنة استهداف أهداف مرتبطة بأرض الصومال أو بإسرائيل، كما سيؤدي إلى توسيع أنشطة الحركة باتجاه أرض الصومال التي لا تملك فيها وجودا يُذكر حيث تعهدت الحركة بمحاربة أي نشاط لإسرائيل في أرض الصومال. مصدر الصورة صوماليون في مقديشو يتظاهرون ضد إسرائيل (رويترز)

3- التداعيات على القرن الأفريقي والبحر الأحمر


* التوسع الاقتصادي نحو شرق أفريقيا: قد تتصور إسرائيل طرقا تجارية جديدة عبر أرض الصومال، لا سيما الممر عبر بربرة إلى إثيوبيا غير الساحلية؛ مما قد يربط السلع والتكنولوجيا الإسرائيلية بأسواق شرق أفريقيا. وقد سبق لإسرائيل أن قدمت خبراتها في الزراعة وإدارة المياه لعديد من الدول، ومن شأن شراكة رسمية أن تفتح هذه القنوات.
* تعميق الشراكة الأمنية والاستخباراتية: بدا واضحا من الشكر الذي قدمه نتنياهو للموساد ورئيسه على المساهمة في الوصول إلى هذا الاعتراف الدورُ المركزي الذي لعبته الأجهزة الاستخباراتية الإسرائيلية في بناء العلاقة، بهدف مراقبة أنشطة إيران والحوثيين وتركيا في سواحل خليج عدن والقرن الأفريقي، كما أن وجود شريك مستعد للتنسيق الأمني على الساحل الصومالي الشمالي سيخفف اعتماد إسرائيل على أطراف إقليمية قد تقيد التعاون العلني بفعل حساسيات داخلية أو إقليمية.
* الحيلولة دون انهيار أرض الصومال: تعيش أرض الصومال خلال السنوات الأخيرة تهديدا وجوديّا غير مسبوق، مع تراجع قدرتها على فرض سيطرة هرجيسا على عدد من المناطق في الإقليم، حيث اعترفت مقديشو بولاية شمال شرق الصومال، لتخرج فعليّا مناطق شرق الإقليم من قبضة هرجيسا، في حين شهدت منطقة أودال اضطرابات أمنية تنذر باحتمال تحولها إلى ولاية فدرالية جديدة أخرى. هذا الانحسار الجغرافي لم يضعف موقف هرجيسا العسكري فحسب، "بل ضرب جوهر مطالبتها بالاستقلال القائم على فرض السيادة على حدود عام 1991.
* تحقيق إنجاز شخصي لنتنياهو: يرى ماكسويل ويب أن خطوة الاعتراف "الجريئة" كانت مفاجئة لكثيرين، مفسِّرا ذلك بحاجة حكومة نتنياهو لتحقيق أي نصر دبلوماسي، لا سيما نصرا قد يكون واعدا ومجزيا مثل التحالف مع أرض الصومال، بالنظر إلى حالة العزلة التي تعيشها إسرائيل والجمود الذي يحيط بخطط ما بعد الحرب في غزة، فضلا عن الفوضى السياسية داخل الائتلاف الحاكم واقتراب موسم الانتخابات.
* تهجير سكان غزة: تربط عديد من التحليلات بين الاعتراف الإسرائيلي باستقلال أرض الصومال والخطط الإسرائيلية المعلنة لإفراغ غزة من سكانها ونقلهم إلى مناطق أخرى، حيث تبدو أرض الصومال إحدى الوجهات المحتملة، إذ تتمتع بمساحة كبيرة وعدد سكان قليل نسبيّا، كما أن جميع سكانها من المسلمين مما قد يُستخدم في تبرير مثل هذا التوجه.

وبغضِّ النظر عن النفي المتكرر من قبل أرض الصومال لهذه الفكرة، وإعلان وزير خارجيتها أن الملف لم يكن مطروحا أصلا في المحادثات مع تل أبيب، فإن هناك عوائق عملية، في تقدير الباحث، تصعِّب تنفيذ مثل هذه العملية بالنطاق الواسع الذي يتم الحديث عنه.

خاتمة

يشير الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال إلى تحول عميق في منطق إنتاج الشرعية الدولية، حيث لم يعد الاعتراف نتاج مسارات قانونية أو توافقات جماعية، بل نتيجة قدرة الكيان على أداء وظائف أمنية واقتصادية داخل شبكات التحالف. في هذا الإطار، تتراجع فكرة الدولة المكتملة الشروط لصالح دولة قابلة للتوظيف، وتغدو الجغرافيا أداة تفاوض مركزية.

ويعكس هذا التحول انتقال البحر الأحمر من ممر إستراتيجي إلى ساحة تنافس إقليمي، تتقاطع فيها حسابات إسرائيل الأمنية مع تمدد أدوار قوى إقليمية ودولية. في المقابل، يعبِّر رهان إقليم الصومال عن براغماتية سيادية تسعى لكسر العزلة عبر تحالفات غير متوازنة، رغم ما تحمله من مخاطر التبعية أو التحول إلى ساحة صراع بالوكالة.

أما الصومال، فيواجه اختبارا مزدوجا لوحدة الدولة ومنع تدويل أزمته في ظل قابلية الجماعات الجهادية لاستثمار الاعتراف تعبويّا. في المحصلة، يمثل هذا الاعتراف بداية طور جديد في القرن الأفريقي، تتداخل فيه السيادة بالوظيفة والاعتراف بالمخاطرة.

___________________________

نشرت الدراسة بمركز الجزيرة للدراسات

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا