الضفة الغربية- ليلة الـ31 من ديسمبر/كانون الأول 2025 لم تكن مجرد وداعٍ لعام مضى بالنسبة للشبان قيس علان، وإبراهيم عياد، ومحمود عياد، ويزن القنبر؛ بل كانت نقطة تحول مأساوية، حين انقلب لقاؤهم الأسبوعي للسهر والترفيه إلى ليلة سوداء غيرت مجرى حياتهم إلى الأبد.
فعلى الشارع الرئيسي الواصل بين قريتي "عوريف" و"عينابوس" جنوب نابلس، كان الشبان الأربعة يستقلون مركبتهم بعد أن ابتاعوا بعض المكسرات والمشروبات، متوجهين للسهر في منزل صديقهم قيس (20 عاما)، ولم يكن يفصلهم عن وجهتهم سوى 200 متر.
وقال إبراهيم (18 عاما) للجزيرة نت "سمعنا أن جيش الاحتلال اقتحم البلدة، فأردنا أن نسبقهم ونصل إلى منزل قيس حيث اعتدنا الاجتماع كل أسبوع، حتى لا نحاصَر، لكننا فوجئنا بجنود الاحتلال الذين كانوا يسيرون مشيا على الأقدام يظهرون أمامنا وجها لوجه دون أي سابق إنذار أو مطاردة".
ويروي إبراهيم تفاصيل اللحظات المرعبة، حيث قام الجنود بتسليط أضواء الليزر عليهم والصراخ، مما أدى إلى ارتباك السائق قيس، وبدلا من الضغط على المكابح، ضغط على دواسة الوقود نتيجة التوتر والمفاجأة فباشر الجنود بإطلاق النار بكثافة هائلة، وقدّر عدد الرصاصات بما بين 100 و150.
بعد أن أصيب السائق وفقد السيطرة، اصطدمت المركبة بعمود وتوقفت. ورغم ذلك، طوقها الجنود واستمروا في إطلاق النار عليها من الخلف ومن كافة الجهات دون منح الشبان أي فرصة للتوقف أو الانسحاب. وأكد إبراهيم أن الاستهداف كان مباشرا "مما يثبت نية القتل المبيتة، إذ لم يتم استهداف الإطارات بل الركاب مباشرة".
استشهد قيس على الفور إثر إصابة قاتلة في رأسه، ووصف إبراهيم تلك اللحظة بأسى بالغ، قائلا "كانت الرصاصات مباغتة لدرجة أنه كان يأكل الفستق، فاستشهد والحبة لا تزال في فمه".
وأسفر الهجوم عن إصابة بقية الرفاق؛ محمود (20 عاما) ويزن، لكن الإصابة الأشد كانت من نصيب إبراهيم الذي اخترقت جسده عدة رصاصات؛ واحدة في الكوع، وأخرى في الكاحل، وثالثة خطيرة دخلت من ظهره وخرجت من بطنه. ورغم تجاوزه مرحلة الخطر المباشر، فإنه يعاني من التهابات حادة ويحتاج إلى علاج طويل.
وحول طبيعة الإصابة، قال والده زياد عياد للجزيرة نت "كان الرصاص المستخدم من النوع المتفجر (الدمدم)، مما أحدث دمارا كبيرا في أحشائه، حيث انفجرت الرصاصة داخل بطنه واضطر الأطباء لاستئصال 40 سنتيمترا من أمعائه وتركيب مخرج جانبي للإخراج، وسيحتاج إلى عدة أشهر للتعافي قبل محاولة إعادة الوضع لطبيعته بعملية أخرى".
لم تتوقف المأساة عند إطلاق النار، فقد اندلعت النيران في المركبة نتيجة الرصاص، وحاول الجنود ترك الشهيد ليحترق داخلها لإخفاء معالم الجريمة. وهذا ما أكده الناجي الثاني محمود للجزيرة نت، موضحا أنه فور اندلاع النار، أدرك الخطر وحاول فتح باب السيارة المتضرر جراء الحادث، وتمكن من فتحه بصعوبة والنزول. ونجحوا في سحب يزن وإبراهيم من المقعد الخلفي لإخراجهما من المركبة المشتعلة.
وأكد إبراهيم أن جنود الاحتلال تعاملوا مع الجرحى بعنف مفرط بعد إخراجهم؛ إذ سحبوهم وانهالوا عليهم بالضرب بأعقاب البنادق والركل بالأحذية العسكرية على رؤوسهم وأجسادهم ومواضع إصاباتهم. وأضاف "وضع أحد الجنود حذاءه العسكري على رقبتي محاولا خنقي، وكنت أحاول دفعه عني مرتين بدافع غريزة البقاء، ليقابلني بمزيد من الضرب".
من جهته، لفت محمود إلى منع الجنود طواقم الإسعاف من الاقتراب نحو 20 دقيقة، تاركين الجرحى ينزفون على الأرض. وأشار إلى حدوث مشادات بين المسعفين والجنود حتى تمكنوا من تخليص الجرحى، ومحاولتهم منع نقل إبراهيم بزعم عدم حيازته بطاقة هوية لكونه قاصرا.
وعن تبعات الحادثة، أوضح والد إبراهيم أن حالة الناجين النفسية، وخاصة محمود، صعبة جدا وتستدعي تدخلا طبيا بسبب هول ما شاهدوه. وقد أصيب بشظايا متفرقة في يده ورأسه وساقه، إضافة إلى رضوض وكدمات، ويشتكي حاليا من صعوبة في المشي والبلع، وآلام شديدة في البطن.
وكشف محمود عن رعبٍ مضاعف عاشه في تلك اللحظات، قائلا "خفت بشدة وقت الحادث من احتمالية إصابتي بنزيف في الدماغ لأنني تعرضت في العام السابق إلى سقوط تسبب لي بتلف ونزيف دماغي، فخشيت أن يكون الضرب على رأسي قد جدد تلك الإصابة الخطيرة".
وأضاف أن الصمت والذهول خيّم عليهم وهم يرون صديقهم يستشهد بجوارهم في لحظة مباغتة، مؤكدا أن المشهد الأكثر إيلاما الذي لا يغيب عن ذاكرته هو تحول ضحكاتهم إلى مأساة في ثوانٍ معدودة.
من جانبه، أكد المدير العام للهيئة المستقلة لحقوق الإنسان عمار الدويك للجزيرة نت أن "الاحتلال الإسرائيلي لا يقيم أي وزن أو احترام لحقوق الإنسان الفلسطيني، حيث أصبح الفلسطينيون تحت نيره مجردين عمليا من أي حقوق تُذكر".
وأشار إلى أن الوضع وصل إلى مرحلة يستطيع فيها الجندي الإسرائيلي، أو حتى المستوطن، إزهاق روح أي فلسطيني وقتله دون أن يترتب على ذلك أي تبعات قانونية أو جنائية، ودون خوف من العقاب. وأضاف أن سلوك جيش الاحتلال في الضفة الغربية اتخذ منحى أكثر عدوانية وشراسة بشكل ملحوظ عقب أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، ونوه إلى التغييرات الجوهرية التي طرأت على تعليمات وقواعد إطلاق النار.
وأوضح الدويك ذلك قائلا "بينما كانت هذه التعليمات في السابق متساهلة وتمنح الجندي صلاحية القتل عند أدنى درجات الشبهة التي يقررها هو في الميدان، فقد تم تعديلها مؤخرا لتصبح أكثر تسيبا، مما حوّل عملية القتل إلى إجراء روتيني يومي، حيث لم يعد الجندي ملزما بتقديم تبريرات لفعلته أو توضيح الأسباب والملابسات التي دفعته إلى إطلاق النار".
واستند في حديثه إلى الأرقام لبيان حجم الكارثة، مشيرا إلى أن أكثر من ألف فلسطيني قُتلوا في الضفة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. وأكد أن الاحتلال لم يفتح تحقيقا جديا في أي حالة منها، ولم يتم إخضاع أي أحد للمساءلة.
وينسحب هذا الأمر تماما -وفقا له- على جرائم المستوطنين، حيث قُتل ما بين 27 و30 فلسطينيا برصاصهم دون تسجيل أي نوع من المحاسبة. وخلص إلى "أن الفلسطينيين في الضفة باتوا يعيشون تحت الرحمة المطلقة لجنود الاحتلال وقطعان المستوطنين، دون أن يتمتعوا بأي شكل من أشكال الحماية".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة