آخر الأخبار

اختبار فنزويلا.. كيف تفاعلت العواصم الأوروبية مع اعتقال مادورو؟

شارك

باريس- أعاد الإعلان عن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو خلط الأوراق في أوروبا، ليس فقط بسبب ثقل الحدث بحد ذاته، بل لما كشفه من تصدعات مكتومة داخل الموقف الأوروبي.

ففي سياق متوتر يشهد تراجع اليقين بالقواعد التي حكمت النظام الدولي لعقود، تقف أوروبا حائرة أمام التوفيق بين خطابها المعلن القائم على احترام القانون الدولي وعلاقتها المعقدة مع الولايات المتحدة، الحليف الذي لم يتردد في فرض منطقه الخاص، حتى وإن تعارض مع القواعد التي يُفترض أنها مشتركة.

وبينما انشغلت العواصم الأوروبية بإدارة توازنات دقيقة وتسويق الاعتقال بوصفه خطوة في إطار "مكافحة الجريمة العابرة للحدود"، وجدت أوروبا نفسها أمام معادلة صعبة ومعضلة مزدوجة: إما الاصطفاف خلف الحليف الأميركي، أو التمسك بخطاب قانوني تعرف مسبقا أن كلفته السياسية والدبلوماسية والاقتصادية ستكون عالية.

مصدر الصورة نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس خلال جلسة توجيه الاتهام أمام محكمة فدرالية في نيويورك (الفرنسية)

بين الانقسام والصمت

يعكس المشهد الأوروبي في تعاطيه مع اعتقال مادورو حالة انقسام مزمنة لم تفلح مؤسسات الاتحاد في تجاوزها. فحسب إيمانويل ديبوي، رئيس معهد الاستشراف والأمن في أوروبا، "لا يوجد موقف أوروبي موحد، فمعظم الدول الأوروبية تتبنى وجهات نظر مختلفة جذريا، ويقترب بعضها من الموقف الأميركي، بل يكاد يبرره".

وفي تعليق على تصريح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المشابه لتصريحات رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، يعتقد ديبوي -في حديث للجزيرة نت- أنها رحبت بالاعتقال، لأنه سيضع حدّا لنظام مادورو، مشيرا في الوقت ذاته إلى غياب المعارضة الألمانية التي لم تُبدِ أي رد فعل.

وكان ماكرون قد أشاد -على منصة إكس- بتحرر الشعب الفنزويلي من "دكتاتورية نيكولاس مادورو"، ولم يشر إلى أن التدخل العسكري الأميركي خارج الإطار الدولي، مما أثار انتقادات حادة حاول إخمادها الاثنين خلال اجتماع مجلس الوزراء بالقول إن الأسلوب الذي استخدمته واشنطن للاعتقال "لا يحظى بدعم أو موافقة فرنسا".

إعلان

ولعل هذا التباين يعكس إشكالية أعمق داخل أوروبا: هل يُقدَّم الدفاع الأوروبي والعدالة الدولية كأولوية مطلقة، أم يُدار ضمن حسابات سياسية أوسع؟

يرى المحلل السياسي جان بيير بيران أن الموقف الفرنسي تحديدا "ظل بعيدا عن الإدانة الحقيقية"، مقارنة بما فعله الرئيس الراحل جاك شيراك، ورئيس وزرائه دومينيك دوفيلبان عام 2003 حين غزو العراق.

وأضاف بيران، للجزيرة نت، أن العملية الأميركية أسفرت عن سقوط نحو 20 قتيلا في صفوف الجنود الفنزويليين، مما يعني -برأيه- أن القانون الدولي غائب تماما ولم يعد يُعتد به.

تبعية للقرار الأميركي

لم يكن غياب موقف أوروبي موحد في نظر مراقبين مجرد تباين في التقديرات، بل انعكاسا مباشرا لتبعية سياسية يصعب الاعتراف بها علنا.

يؤكد إيمانويل ديبوي أن "لا أحد يجرؤ على الإشارة إلى أننا أمام تبعية للسياسة والقرارات الأميركية، لكن هذه هي الحقيقة. ويزداد الأمر وضوحا لعدم توحيدنا في الدفاع عن الموقف الدانماركي في ما يتعلق بغرينلاند".

في المقابل، برزت مواقف أوروبية محدودة تحاول التمسك بالمرجعية القانونية الدولية، مثل تصريحات رئيسة الوزراء الدانماركية مته فريدريكسن، بيد أنها بقيت معزولة في ظل غياب بيان قوي ومقنع من المفوضية الأوروبية أو مجلس الاتحاد الأوروبي، وفق المتحدث.

وعلى الرغم من صدور البيان المشترك من بريطانيا وفرنسا وبولندا وإيطاليا وألمانيا الذي يؤيد التضامن الفعلي مع الدانمارك ويدعو إلى وحدة أراضيها، فإنه لا يوجد حتى الآن موقف حازم ضد الولايات المتحدة.

وبالنسبة إلى اعتقال مادورو ليلا هو وزوجته، تعاملت دول أوروبية بمنطق الحذر لا بدافع التعاطف مع الحدث، بل من باب الخوف من الانعكاسات الجيوسياسية للخطوة؛ ففنزويلا ليست دولة منعزلة، بل عقدة تقاطع مهمة لمصالح دولية معقدة، تشمل الصين وروسيا ودولا في أميركا اللاتينية، مما يجعل أي تصعيد محفوفا بالمخاطر.

ومن هذا المنطلق، يحلل مدير مجلة "أورينت ستراتيجيك" بيير بيرتولو، الموقف الأوروبي بالقول إن "بعض الدول تؤيد التدخل الأميركي -إيطاليا مثلا- بينما تدينه دول أخرى بشدة، فضلا عن الأمم المتحدة وأهم أعضائها كروسيا والصين والهند. وفي الوقت ذاته، هناك موقف ثالث يتمثل في دول تسعى إلى تحقيق توازن، مصحوبا أحيانا بقدر من الارتباك مثل فرنسا".

ويرى بيرتولو -في حديث للجزيرة نت- أنه "لو توافق التدخل الأميركي مع منطق التكامل الأوروبي القائم على المعايير الدولية، لكان ينبغي إدانة تصرفات مادورو ونظامه، لأن هذا التصرف لا يتوافق مع قواعد القانون الدولي، لكن قد يتوافق مع قواعد القانون الأميركي إذ نجد أن لائحة الاتهام الموجهة ضد مادورو بتهمة التورط في تهريب المخدرات يطعن فيها اليوم".

المصالح قبل المبادئ

وبعيدا عن الخطاب الحقوقي والقانوني، تصل المصالح الاقتصادية بكل ثقلها، وعلى رأسها الطاقة، بوصفها أحد المحركات غير المعلنة لهذا الصوت الأوروبي المتردد.

فحسب الباحث في معهد الدراسات الاستشرافية والأمنية في أوروبا بيير بيرتولو، ستمنح مسألة النفط الولايات المتحدة "استقلالا إستراتيجيا أكبر"، قائلا "مع أن الولايات المتحدة أصبحت أكثر اكتفاء ذاتيا، مما كانت عليه سابقا بفضل النفط والغاز الصخري، فإنها لا تزال تعتمد على واردات كثيرة من مناطق مضطربة، لا سيما الشرق الأوسط".

إعلان

كما اعتبر بيرتولو أن السيطرة الأميركية على الإنتاج الفنزويلي ستمكن واشنطن من إعادة تشكيل سوق الطاقة العالمية إذا أعادت إنعاش الإنتاج الذي انخفض إلى أقل من مليون برميل، بعد أن وصل إلى 5 ملايين برميل في السابق.

ويضيف أن هذا الأمر لا ينفصل عن الصراع مع الصين "المنافس الحقيقي والوحيد للولايات المتحدة"، خاصة أن جزءا من النفط الصيني يأتي من فنزويلا. وبالتالي، يرى أن ذلك سيتيح لواشنطن ممارسة نفوذ أكبر مقارنة ب منظمة أوبك بلس التي لا تزال تتمتع اليوم ببعض التأثير على أسعار النفط العالمية.

في حين، يربط الخبير في السياسة الدولية بيران التردد الأوروبي بخوف أوسع، يتمثل في "خشية وجودية داخل الاتحاد الأوروبي من أن تتخلى الولايات المتحدة تماما عن الملف الأوكراني -وهو ما فعلته جزئيا حتى الآن- وأن تتواطأ مع موسكو لتوقيع حكم الإعدام على كييف".

وانتقد تغير الموقف الإيطالي الذي كان الأكثر دعما لأوكرانيا في الاتحاد، عقب قرار رئيسة الوزراء الإيطالية الأخير بعدم إرسال قوات إلى أوكرانيا، وهو ما يعكس مدى تخوفها من رد فعل ترامب إذا فعلت عكس ذلك، على حد قوله.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا