آخر الأخبار

نازحو السويداء في ريف درعا: نعيش أوضاعا كارثية

شارك

درعا- عند ساعات الصباح الأولى، لا يبدأ يوم الطفل محمد الحمود كبقية أقرانه. من داخل خيمة مهترئة وباردة في بلدة المليحة في ريف درعا الشرقي، يستعد لرحلة شاقة نحو مدرسته، وسط برد قارس ووحل كثيف خلفته الأمطار.

يقطع محمد (12 عاما)، وهو تلميذ في الصف السادس الابتدائي، أكثر من كيلومترين سيرا على الأقدام يوميا. ويقول للجزيرة نت إن يومه يبدأ من الحمّام البعيد عن الخيمة نحو 20 مترا، ثم غسل الوجه بمياه شبه متجمدة، قبل السير نحو المدرسة لمدة 20 دقيقة، و"المطر فوق رؤوسنا والوحل تحت أقدامنا".

ورغم قسوة الظروف، لم يفكر هذا الطفل يوما في ترك الدراسة، ويحلم بالعودة إلى مقعده الدراسي في قريته الأصلية "ريمة اللحف" ويتمنى أن يصبح مهندسا في المستقبل.

مصدر الصورة أطفال أحد مخيمات ريف درعا أثناء عودتهم من المدرسة (الجزيرة)

ظروف قاسية

ومحمد واحد من عشرات الأطفال الذين يعيشون مع عائلاتهم في مخيم صغير يضم نحو 20 خيمة، أُقيم منتصف يوليو/تموز 2025 على أطراف بلدة المليحة الشرقية، بعد نزوح سكان قرية ريمة اللحف في ريف السويداء الشمالي. غير أن هذا المخيم لا يمثل سوى واحد من 30 تجمعا لمخيمات النزوح التي أقيمت في ريف درعا الشرقي، عقب موجة النزوح الواسعة من محافظة السويداء.

وقال رئيس بلدية المليحة الشرقية فتحي الزعبي للجزيرة نت إن الخدمات المقدمة للنازحين محدودة للغاية وتقتصر حاليا على تأمين مياه الشرب وإشراف طبي جزئي، موضحا أن خدمات الصرف الصحي غير متوفرة؛ لأن العائلات تقيم في خيام نُصبت في العراء وعلى أراض زراعية، مما يضطرها للاعتماد على وسائل بدائية في النظافة.

وأشار إلى أن الخدمات الطبية توقفت مؤخرا بعد توقف المنظمات الطبية عن العمل في المنطقة، ما زاد من معاناة المرضى، خصوصا الأطفال وكبار السن. وأضاف أن العائلات النازحة تحصل على سلة غذائية واحدة تقريبا كل شهر، في حين تحاول البلدية التواصل بشكل دائم مع المنظمات الإنسانية لتحسين مستوى الاستجابة.

إعلان

وحسب الزعبي، تتمثل أبرز التحديات التي تواجههم في صعوبة الوصول إلى المخيمات، إذ أُقيم معظمها على أراض زراعية تفتقر إلى طرق معبدة، كما أن تزايد أعداد النازحين شكّل ضغطا كبيرا على المدارس والخدمات الأخرى في البلدة. وباتت آلاف العائلات النازحة مهددة بانعدام الأمن المائي والغذائي مع دخول فصل الشتاء، في ظل غياب بدائل حقيقية للدعم.

من جانبه، قال فرحان الحمود، أحد قاطني المخيم، للجزيرة نت إنه فقد كل ما يملك خلال رحلة النزوح، وأوضح "كنت أملك 50 رأس غنم وجرارا زراعيا، وسيارة بيك آب كانت مصدر رزقي الوحيد" ، مشيرا إلى أن أحد أقاربه خسر أكثر من 100 رأس غنم خلال الخروج القسري من القرية.

ويعيش الحمود اليوم مع زوجته وأطفاله الخمسة داخل خيمة واحدة، بلا عمل أو دخل، بعد أن تحولت رحلة النزوح إلى قطيعة كاملة مع حياته السابقة، في وقت ترتفع فيه كلفة المعيشة وتنعدم فيه فرص العمل.

ولا تقتصر المعاناة على السكن والعمل، إذ تعاني معظم تجمعات النازحين نقصا حادا في الخدمات الأساسية. ففي هذا المخيم، يعتمد السكان على 4 خزانات مياه فقط، سعة كل منها ألفا لتر، كانت تُعبّأ سابقا بدعم من منظمة إنسانية.

مصدر الصورة محاولة ترميم الخيمة بعد رياح شديدة ليلا (الجزيرة)

ضعف الحال

من جهتها، تصف أم جمال العلي البرد داخل الخيام بأنه لا يُحتمل، وقالت للجزيرة نت إن إحدى المنظمات وزعت مدافئ قبل أسابيع، "لكنْ لا قدرة لنا على شراء المازوت"، مطالبة بتأمين وقود التدفئة خاصة مع انخفاض درجات الحرارة ليلا إلى ما دون الصفر.

وأضافت أن لديها طفلين يضطران للعمل في المشاريع الزراعية القريبة لتأمين الطعام، في ظل عجز الأب عن العمل بسبب إصابته بمشاكل في العمود الفقري، "ما يضاعف المخاوف من تفشي عمالة الأطفال بين النازحين".

وتعود موجة النزوح التي طالت نحو 100 ألف شخص من محافظة السويداء باتجاه درعا، إلى اشتباكات عنيفة بين فصائل محلية وقوات الحكومة السورية خلفت قتلى وأسرى، وأجبرت العشرات من العشائر البدوية على ترك منازلها هربا من موجة الانتهاكات التي استهدفت النساء والأطفال، حسب شهادات وتقارير محلية.

مصدر الصورة مخيمات مهجّري السويداء في ريف درعا تعاني نقص الخدمات الأساسية (الجزيرة)

احتياجات

ولم يتجه جميع النازحين إلى ريف درعا، إذ اختار بعضهم الذهاب إلى دمشق لدى أقارب لهم، لكنّ ريف درعا شكل الوجهة الكبرى بحكم القرب الجغرافي والروابط الاجتماعية.

ووفق رئيس بلدية المليحة الشرقية فتحي الزعبي، تتمثل الاحتياجات الأكثر إلحاحا في الإيواء الشتوي، وتوفير خيام مناسبة، ووسائل تدفئة، وأجهزة إنارة، إلى جانب الملابس ومواد النظافة، ولا سيما المستلزمات الخاصة بالنساء.

بين خيام لا تصمد أمام الرياح وشتاء قاسٍ يضاعف معاناة الأطفال والنساء وكبار السن، يعيش مهجّرو السويداء واقعا إنسانيا هشا في ريف درعا بعد أشهر على نزوحهم، وسط تراجع الاستجابة الإنسانية وتعقد المشهد السياسي والأمني.

ورغم ذلك، لا يزال الأمل بالعودة حاضرا في أحاديثهم، أمل بأن تنتهي هذه المرحلة ويتمكن أطفالهم من استعادة حقهم في التعليم، وأن تعود الحياة إلى ما كانت عليه.

إعلان
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا