في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
دارفور- على تخوم الحدود السودانية التشادية، تبرز ثلاث مناطق نائية في شمال دارفور، هي الطينة وكرنوي وأمبرو، مسرحًا لصراع يتجاوز الحسابات العسكرية التقليدية. فبينما تواصل قوات الدعم السريع هجماتها المكثفة، تصطدم هناك بجدار منيع من المقاومة المحلية المدعومة بجغرافيا صعبة ونسيج اجتماعي متماسك.
في هذه المناطق، لا تُقاس السيطرة بعدد الآليات أو كثافة النيران، بل بمدى تماسك المجتمع المحلي وخبرة مقاتليه في التضاريس الوعرة. ووفقا لشهادات ميدانية وتقارير مستقلة، تُتهم قوات الدعم السريع باتباع سياسة ممنهجة للتهجير القسري وتغيير التركيبة السكانية، عبر استهداف المدنيين وتدمير البنية التحتية.
لكن المقاومة الشعبية التي تصف معركتها بأنها "معركة وجود"، تزداد صلابة مع كل هجوم جديد. وتحولت هذه المناطق من مجرد نقاط جغرافية إلى رموز لصمود مجتمعي، تضع القوة العسكرية أمام اختبار حقيقي لشرعيتها وقدرتها على البقاء.
في هذا السياق، تحاول الجزيرة نت الإجابة عن أسئلة جوهرية: ما الذي يجعل هذه المناطق عصية على السيطرة؟ من يقاتل فيها؟ ما طبيعة المجتمع المحلي؟ وما مستقبل الصراع في هذه البقعة الحدودية المتوترة؟
تقع الطينة وكرنوي وأمبرو في أقصى شمال غرب دارفور على بعد نحو 340 كيلومترا من مدينة الفاشر، بمحاذاة الحدود التشادية. وتُعد من آخر المناطق التي لا تزال تحت سيطرة الجيش السوداني والمجموعات المسلحة المتحالفة معه.
وتكمن أهميتها في عدة عوامل:
يقطن هذه المناطق أبناء قبيلة الزغاوة ذات الامتداد الاجتماعي والجغرافي العابر للحدود مع تشاد. ويُعرف عنهم ارتباطهم التاريخي بالمقاومة المسلحة، وولاؤهم التقليدي للجيش السوداني والحركات الموقعة على اتفاق جوبا للسلام.
ورغم هذا الإرث النضالي، تعاني هذه المجتمعات من غياب شبه تام للخدمات الأساسية، حيث تُبنى المساكن من القش، وتفتقر القرى إلى المدارس والمرافق الصحية، مما جعل السكان أكثر التصاقا بأرضهم وأكثر استعدادا للدفاع عنها.
تخضع الطينة وكرنوي وأمبرو لسيطرة مجموعات مسلحة محلية موالية للجيش السوداني، تضم:
ولغياب قواعد رسمية للجيش في بعض هذه المناطق، فإن السيطرة الفعلية على الأرض تعود للمقاومة الشعبية، التي تتلقى دعما واسعا من المجتمع المحلي.
في ديسمبر/كانون الأول 2025، شنت قوات الدعم السريع هجوما بريا واسعا على هذه المناطق ضمن حملتها للسيطرة على شمال دارفور. لكن الهجوم قوبل بمقاومة شرسة أسفرت عن:
وقال أبو بكر أحمد إمام، المتحدث باسم المقاومة الشعبية الموجود حاليا هناك، للجزيرة نت إن الهجوم على هذه المناطق لم يكن لأهداف عسكرية، بل كان يهدف إلى تفريغها من سكانها الأصليين، في إطار سياسة ممنهجة ل لتهجير القسري وتغيير التركيبة السكانية. وأضاف "المعركة بالنسبة لنا ليست فقط معركة سلاح، بل معركة وجود وهوية وكرامة".
يميل الولاء الشعبي في هذه المناطق لصالح الجيش والمقاومة الشعبية، نتيجة تجارب سابقة مع قوات الدعم السريع، التي يتهمها السكان بارتكاب انتهاكات واسعة في مناطق أخرى من دارفور.
وقد ساعد النسيج الاجتماعي المتماسك في تنظيم المقاومة وتوفير الدعم اللوجستي، في حين تواجه قوات الدعم السريع صعوبة في كسب الحاضنة الشعبية، مما يحدّ من قدرتها على التمركز حتى في حال تحقيق تقدم ميداني.
الوضع الإنساني في هذه المناطق بالغ التدهور، حيث نزح آلاف المدنيين إلى شرق تشاد أو إلى الأودية والغابات المحيطة، هربا من القصف والمعارك.
وقال مصطفى بره، وهو ناشط متطوع يعمل في مجال الإغاثة، للجزيرة نت إن قوات الدعم السريع أجبرت سكان أمبرو على الفرار إلى الأودية والمناطق المفتوحة، مما تسبب في أزمة إنسانية حادة. وأضاف أن مخيمات اللجوء في شرق تشاد تستقبل يوميا عشرات الفارين، بعضهم يصل سيرا على الأقدام، وآخرون على ظهور الحمير، "في مشهد يعكس حجم المأساة".
وقد دُمرت مستشفيات كرنوي وأمبرو كليًّا، وتفاقمت معاناة السكان في ظل غياب المساعدات الإنسانية وانعدام الخدمات الأساسية.
فقد جعلت هذه العوامل مجتمعة من الطينة وكرنوي وأمبرو "حصونا طبيعية" يصعب اقتحامها، رغم التفوق العددي والتسليحي لقوات الدعم السريع.
يرى مراقبون أن السيطرة على هذه المناطق لا تزال بعيدة المنال، وأن استمرار المقاومة يعكس حدود القوة العسكرية للدعم السريع. كما أن أي تسوية سياسية مستقبلية ستتأثر بمآلات الصراع في هذه المناطق، التي أصبحت تمثل رموزا للممانعة المحلية.
ويحذر محللون من أن استمرار المعارك قد يؤدي إلى تدويل الأزمة، خاصة في ظل النزوح المتزايد إلى تشاد، والضغط المتصاعد على المناطق الحدودية.
يقول الدكتور عبد الناصر سلم حامد، مدير برنامج شرق أفريقيا والسودان بمركز فوكس للأبحاث، للجزيرة نت إن صمود الطينة وكرنوي وأمبرو يعكس تحوّل الحرب في دارفور من معركة للسيطرة على المدن إلى صراع أعمق على القبول المجتمعي، وأوضح أن هذه المناطق واجهت الدعم السريع بتماسك اجتماعي وجغرافيا معقدة وخبرة قتالية محلية، مما كشف حدود القوة العسكرية حين تنفصل عن الحاضنة الشعبية.
وحذر من أن موقعها الحدودي مع تشاد يمنحها هامش حركة، ويصعّب فرض الحصار، مما يجعل أي تصعيد عسكري واسع ذا تداعيات إقليمية محتملة، خاصة مع استمرار موجات النزوح.
تكشف المعارك في الطينة وكرنوي وأمبرو أن الحرب في دارفور لم تعد مجرد مواجهة بين جيش نظامي وقوة شبه عسكرية، بل تحولت إلى صراع مركب تتداخل فيه الأبعاد العسكرية والقبلية والسياسية والإنسانية:
وبينما تتواصل المواجهات، تبقى هذه المناطق رموزا لصمود محلي، ومؤشرا على تعقيدات الصراع السوداني، حيث يظل المدنيون الضحايا الأوائل في المعركة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة