في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
طرابلس- من يتابع المشهد الليبي بعينٍ فاحصة، سريعا ما سيدرك أن الخلاف بين مجلسي النواب والدولة لم يعد عارضا سياسيا فحسب، وإنما بات نسقا متجذِّرا في سياق الأزمة، فكلما أقرّ البرلمان خطوة بادر المجلس الأعلى للدولة لإبطائها أو تفريغها من مضمونها، وكلما اتخذ الأخير قرارا سارع الأول إلى رفضه أو الطعن في شرعيته.
ومضت 5 أشهر منذ إعلان بعثة الأمم المتحدة في ليبيا (الأونسميل) الخارطة السياسية التي منحتها سقفا زمنيا يمتد 18 شهرا، غير أن أولى استحقاقاتها العملية -إعادة تشكيل مجلس مفوضية الانتخابات- تحوَّل منذ اللحظة الأولى إلى عقبة أمام المسار الأممي.
ومُنح المجلسان شهرا كاملا لإنجاز هذه الخطوة، ومرّ الشهر دون تقدم، لتُمدد المهلة شهرا إضافيا بلا طائل، وفي أكتوبر/تشرين الأول الماضي اجتمعت لجنتان تُمثّلان المجلسين، واتفق حينها على إعادة تشكيل المجلس خلال أسبوعين، غير أن المدة انقضت دون إحراز نتيجة، ثم عادت اللجنتان بعد شهر لاستكمال الاتفاق وحُدّد 11 ديسمبر/كانون الأول الماضي موعدا للحسم، إلا أن الموعد مرّ مرة أخرى بلا نتيجة.
وفي جلسة الاثنين 29 ديسمبر/كانون الأول، أعلن رئيس مجلس النواب المستشار عقيلة صالح إنجاز الملف وحسمه نهائيا، وفي المقابل رفضه مجلس الدولة واعتبره قرارا أحاديا.
وتحاول الجزيرة نت عبر سؤال وجواب الوقوف على تفاصيل هذه الأزمة، وإلى ماذا يرجعها أصحاب الشأن من أعضاء بمجلسي النواب والدولة و المجلس الرئاسي ومحللين سياسيين شرق وغرب ليبيا، لاستقراء آرائهم حول أسباب تعثُّر حسم الملف حتى الآن.
أرجعت عضو مجلس الدولة، نعيمة الحامي، الأسباب إلى التعقيدات السياسية للداخل الليبي بما فيها خلاف مجلسي النواب والدولة، موضحة للجزيرة نت أن الخلاف القائم بين المجلسين لا يقتصر على مسألة تسمية أسماء المجلس الجديد للمفوضية فقط، بل يتجاوزها إلى إشكالات أعمق تتعلق بتوازن التمثيل داخل مجلس المفوضية وبالمرجعية القانونية الحاكمة لعملية التغيير، وهل ينبغي إعادة تشكيل المجلس كاملا أم الاكتفاء بالتعديل الجزئي؟
وهو السبب ذاته الذي أكدتهُ عضو مجلس النواب إسمهان بلعون، التي أشارت للجزيرة نت إلى وجود تباين بين المجلسين حول الأسماء وتوازنات التمثيل والمرجعية، مشيرة إلى وجود أطراف تسعى لربط تغيير المفوضية بتغيير حزمة المناصب السيادية الأخرى، وأطراف أخرى تدفع نحو تغيير شامل داخل المفوضية.
بدوره، يقول عضو مجلس الدولة سعد بن شرادة، للجزيرة نت، إن خارطة الطريق طُرحت منذ البداية كتصور نظري يصعب تطبيقه على أرض الواقع، وهو ما انعكس جليا في تقاعس مجلسي النواب والدولة عن تنفيذ استحقاقاتها في المرحلة الأولى.
بيد أن البرلمان -يضيف شرادة- اتخذ لاحقا خطوة تسمية مفوضية الانتخابات، والتي عدّها خطوة إيجابية لكنها تبقى ناقصة ما لم تُستكمل بالذهاب الجاد لإطار دستوري واضح وقوانين منظمة للانتخابات.
اعتبرت عضو مجلس الدولة أمينة المحجوب خارطة الطريق الأممية وحوارها المهيكل محاولة من البعثة للتملُّص من مسألة الدستور رغم جاهزيته، في مسعى لإطالة أمد الأزمة بدلا من حضّ مجلسي النواب والدولة على الاستفتاء على الدستور أو إقراره والذهاب إلى الانتخابات، لكن البعثة لا تريد هذا الخيار، وفق قولها.
من جهته، وصف علي الصول خارطة الطريق بالمتعثّرة نظرا لتوسيع دائرة الحوار وإشراك شخصيات غير فاعلة في المشهد السياسي، مما أضعف جدية المسار وأفقده القدرة على إنتاج حلول عملية كون مخرجات الحوار المهيكل غير ملزمة.
وأكد الصول للجزيرة نت أن البرلمان قام بدوره واعتمد للمفوضية ميزانية قدرها 250 مليون دينار ليبي تقريبا (الدولار=5.41 دنانير ليبية)، وطرح آلية إشرافية اقتُرحت على البعثة وعدد من أفراد الدولة للإشراف على الانتخابات.
أما البرلماني جبريل أوحيدة، فيرى أن أسباب عدم الحسم تعود أساسا لتعطيل البعثة للعملية السياسية وتمطيطها بما يخدمُ مصالح أطراف خارجية وداخلية.
وتساءل أوحيدة -في حديثه للجزيرة نت- عن مبررات تجاهل ما توصل إليه مجلسا النواب والدولة عبر "لجنة 6+6" التي أعدت قوانين وتعديلات دستورية وأفرزت خارطة طريق تمهيدا لانتخابات عادلة دون إقصاء أو تمييز، مشيرا إلى أن جل التفاهمات المحرزة بين المجلسين تغاضت عنها البعثة الأممية التي طالب بفك الارتباط بها.
وعلى الجانب الآخر، أكد مستشار المجلس الرئاسي زياد دغيم -للجزيرة نت- توافق المجلسين بشأن تسمية مجلس المفوضية الجديد، موضحا أن تصريحات رئيس مجلس النواب عقيلة صالح فردية ولا تُمثّل البرلمان، مضيفا أن مجلس الدولة ماض في استكمال ما اُتفق عليه وسينتخب رئيسا جديدا للمفوضية دون إبطاء.
عزا المحلل السياسي والناطق باسم حزب صوت الشعب في طرابلس، عبد السلام القريتلي، أسباب عدم الفصل إلى تعقيدات الداخل الليبي، معتبرا مماطلة الأطراف الليبية والبعثة الأممية مقصودة، لأن الحل يعني خروج الأجسام القائمة من المشهد.
وشدد القريتلي -في تصريحه للجزيرة نت- على أن الحل الحقيقي يكمن في فك الارتباط بالبعثة والاتجاه نحو الحل الليبي الخالص عبر مؤتمر وطني جامع لإنقاذ ليبيا تنص أولوياته على الاستفتاء الدستوري ومن ثم الذهاب للانتخابات.
وعزّز ذلك، رأي المحلل السياسي والباحث في الشؤون السياسية والإستراتيجية من بنغازي، محمد مطيريد، الذي اعتبر أن تعطيل الحسم مقصود، محملا المسؤولية لمجلس الدولة، لأنه اعتمد منذ البداية على سياسة الالتفاف على أي مسار يقود للاستقرار مستعينا بشعارات التوافق وإعادة التشاور.
وأوضح مطيريد للجزيرة نت أن البعثة الأممية أسهمت هي الأخرى في تعميق الانسداد السياسي، نظرا لافتقار خارطتها للواقعية وأدوات الإلزام والأطر الزمنية، مما جعل تعثرها متوقعا.
يرى مطيريد أن البعثة أمام خيارين:
ويتفق مع هذا الطرح المحلل السياسي من طرابلس، محمد محفوظ، الذي أكد أن البعثة وفي حال استمرار هذه المراوحة لا تملك خيارا سوى الاستمرار في مسار الحوار المهيكل على أن تكون مخرجاته ذات صبغة ملزمة.
وقال محفوظ للجزيرة نت إن المجلسين وقّعا في أكتوبر/تشرين الأول الماضي اتفاقا يقضي بتسمية مجلس مفوضية الانتخابات، غير أن البرلمان عاد لاحقا وحصر النقاش في مسألة الشغور المتعلقة بتسمية مجلس المفوضية، وهو ما رفضه مجلس الدولة الذي أعلن أنه سيسمي في جلسته المقبلة رئيسا جديدا للمفوضية و3 أعضاء آخرين دون التشاور مع البرلمان.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة