آخر الأخبار

إسرائيل تتعلّم الدرس وتتخذ خطوات

شارك

من الواضح جدا أن من يتمكن من السيطرة على بوابتي البحر الأحمر يمكنه التحكم في الرئة الاقتصادية العالمية معبر النفط الخليجي نحو الغرب. وثبت تاريخيا أن البحر الأحمر بموقعه الجغرافي المهم وبمواصفاته الإستراتيجية الفريدة أسهم في حسم نتائج حروب ومعارك سابقة.

وعلى سبيل المثال كان ذلك البحر أحد عوامل حسم الحرب العالمية الثانية؛ إذ إن القرب من منافذ الإمدادات البحرية أسهم في انتصار الحلفاء في معركة "العلمين" عام 1942، وكان ميناء الإسكندرية يبعد عن البريطانيين نحو 100 كيلومتر، وميناء السويس نحو 345 كيلومترا، مقارنة بالألمانيين الذين كان يبعد عنهم مركز تموينهم الرئيسي في بنغازي أكثر من ألف كيلومتر.

قال روجاك في تعليق على اعتراف حكومة نتنياهو بإقليم أرض الصومال الانفصالي دولة مستقلة "إن الحرب الأخيرة علّمت إسرائيل درسا يصعب نسيانه، إذ شهدت تهديدا من اليمن البعيد وإطلاق الحوثيين صواريخ تضررت بسببها التجارة في ميناء إيلات"

وفي 16 مارس/آذار 1949 استولت إسرائيل على لسان ضيق على خليج العقبة عند أم الرشراش وحولته إلى ما يعرف الآن بميناء إيلات، وذلك بعد أقل من شهر من هدنة 24 فبراير/شباط 1949، وبذلك حصلت إسرائيل على منفذ بالبحر الأحمر.

تطل على البحر الأحمر ثماني دول، هي: جيبوتي، والسودان، والسعودية، واليمن، ومصر، والأردن، وإرتيريا، بينما يطل إقليم أرض الصومال الانفصالي الذي اعترفت به إسرائيل دولة مستقلة على خليج عدن، قريبا من البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، فمدينة زيلع الأثرية في محافظة أودل، (بها ميناء مهجور ومطمور منذ العهد العثماني في المنطقة)، قريبة جدا من مضيق باب المندب، وفتح سفارة لتل أبيب في إقليم أرض الصومال يعني إمكانية تحكم إسرائيل في بوابتي البحر الأحمر، وفق ما أكده الباحث الإسرائيلي المتخصص في الشأن التركي بجامعة تل أبيب، الدكتور جاي إيتان كوهين روجاك، في حديث إعلامي أشار فيه إلى أن إسرائيل تعيش دولة معزولة في جزيرة، وتريد المحافظة على مصالحها في الطرف الآخر من البحر الأحمر.

وقال روجاك في تعليق على اعتراف حكومة نتنياهو بإقليم أرض الصومال الانفصالي دولة مستقلة "إن الحرب الأخيرة علّمت إسرائيل درسا يصعب نسيانه، إذ شهدت تهديدا من اليمن البعيد وإطلاق الحوثيين صواريخ تضررت بسببها التجارة في ميناء إيلات".

إعلان

بناء على ما سبق، فإن هدف إسرائيل واضح وهو السيطرة على بوابتي البحر الأحمر أو المحافظة على ما يسمى المصالح الإسرائيلية، بينما أهداف إقليم أرض الصومال لا تتعدى الحصول على اعتراف من دول العالم أو بعضها، وكسر العزلة التي استمرت نحو 34 عاما، مهما كان الثمن.

وتلك نقطة يجب التوقف عندها طويلا؛ لأن الشعب الصومالي بشطريه: الجنوبي، والشمالي عانى الأمرّين منذ انهيار الحكومة المركزية مطلع التسعينيات؛ بين حكومة فدرالية ضعيفة مقرها العاصمة مقديشو، وولايات ذات حكم شبه ذاتي في بونتلاند وجوبالاند وغالمودغ وجنوب غرب البلاد، وإقليم في الشمال أطلق على نفسه جمهورية أرض الصومال على حدود المحمية البريطانية، وأعلن انفصاله التام وسعيه الحثيث نحو الاعتراف الدولي، متباهيا بمؤسساته الدستورية والخدمية وانتخاباته الديمقراطية.

على الأشقاء العرب أن يعترفوا بالتقصير في الإسهام بحلول لمعضلة انهيار الدولة المركزية في الصومال وتبعاتها على مدى ثلاثة عقود، وعلى المعنيين أيضا أن يتساءلوا عن أسباب سقوطها ومواقف الدول العربية من ذلك.

على أعضاء جامعة الدول العربية، وبخاصة تلك الدول التي طالما عاملت حكام الولايات الفدرالية وإدارة إقليم أرض الصومال على أنها كيانات وظيفية موازية للحكومة الفدرالية الصومالية وربما أقوى منها، ألا يستغربوا نتيجة تلك الازدواجية في التعامل مع السيادة الوطنية.

وأما عن السيناريوهات المحتملة بعد إعلان إسرائيل اعترافها بإقليم أرض الصومال، فإن الأمر في رأيي لا يخلو من احتمالات ثلاثة:


* أن تظل الشرعية الدولية بيد دولة الصومال الأم دون سيادة فعلية على إقليم أرض الصومال ويمضي الأخير قدما في التمسك بما يراه منجزا تاريخيا؛ وهو نيل الاعتراف ولو من دولة واحدة، ويعزز تعاونه مع تل أبيب في مختلف المجالات، كما أنه يمكنه فتح أبواب التعاون مع الدول الصديقة لإسرائيل، ولا سيما الدول العربية التي طبّعت علاقاتها السياسية مع تل أبيب، إضافة إلى أن الاعتراف تم بضوء أخضر أميركي، وسط توقعات بتعاون عسكري وشيك بين واشنطن وهرجيسا.

وعلى كل فإن هذا الطريق محفوف بالمخاطر الجيوبولوتيكية، وتعارض مصالح القوى المتنفذة في المنطقة، ويتطلب تلاحما بين قبائل الشمال، ووحدة صف وكلمة تجاه التقارب مع إسرائيل.


* أن تتدخل الدول العربية، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، صاحبة أطول ساحل على البحر الأحمر (1125 ميلا بحريا)، وأكثر عدد من الجزر فيه (144 جزيرة)، وهي الدولة المحبوبة بجاذبيتها الثقافية المتمثلة في الحرمين الشريفين واحترامها سيادة الدول، والمعروفة بثقلها الاقتصادي والسياسي، باستضافة مفاوضات بين مقديشو وهرجيسا لثني الأخيرة عن التقارب مع إسرائيل، مقابل امتيازات ومشاريع واستثمارات خليجية، لكن هذا الاحتمال يبدو بعيدا في الوقت الحالي بالنظر إلى الخلافات الراهنة بين الإمارات والسعودية في جنوب اليمن.
* أن تكثف دولة الصومال جهودها لإبطال مفعول الاعتراف الإسرائيلي من خلال العمل على ترسيخ "الصورة البشعة" لإسرائيل في الذاكرة الجماعية الصومالية، ودعم الحملات المناهضة لاتفاق أبراهام، وتأليب قبائل الشمال أو بعضها ضد التقارب مع الاحتلال الإسرائيلي.
إعلان

يُتوقع أن تخترق مقديشو إقليم أرض الصومال ميدانيا عبر دعم المناطق الشرقية ومساندة التمرد على التقارب مع إسرائيل في محافظة أودل الغربية- إن وجد، بالموازاة مع استمرار الضغوط الدبلوماسية في المحافل والمنظمات الدولية.

من المعلوم أن اعتراف نتنياهو بحكومة هرجيسا أتى بعد أن تصدعت خريطة المحمية البريطانية في الشمال الصومالي بخروج معظم قبائل "الدارود" من إدارة إقليم أرض الصومال وإعلان عودتهم إلى أحضان الحكومة الفدرالية تحت مسمى "ولاية شمال شرق الصومال" وعاصمتها مدينة لاسعانود.

وأما محافظة أودل التي تشكل قبيلة "السمرون"، أكبر فروع قبائل "جدبورسي"، أغلبية سكانها فقد عُرفت بعدم تماهيها مع شقيقتها قبيلة "إسحاق"، أبرز قبائل الشمال، في بعض دواعي الانفصال، مثل المظالم والمجازر التي ارتكبتها الحكومة العسكرية الصومالية في مدينة هرجيسا عام 1988، إلى جانب شعور "السمرون" بالغبن واستئثار قبيلة "إسحاق" بأهم المناصب والموارد الحكومية.

ويذكر التاريخ أن محافظة أودل، وبها موانئ طبيعية غير مستغلة في لوغهيا وزيلع، حاربت بشراسة للحفاظ على الحكومة المركزية حتى بعد هروب زياد بري إلى نيجيريا، وهو ما أدى إلى ارتكاب مليشيات جبهة الوحدة الوطنية، (أغلب أفرادها من إسحاق)، مدعومة من بعض دول الجوار، مجازر ضد المدنيين في مدينة بورما عاصمة محافظة أودل عام 1991، قبل أن يتم التوصل إلى اتفاق ومصالحة عشائرية طويت فيها الخلافات القبلية، استضافتها بورما عام 1993، وشهدت ميلاد جمهورية إقليم أرض الصومال الانفصالي المعلنة من طرف واحد.

وفي المهجر توجد في الوقت الحالي حركة ولاية أودل بقيادة الأكاديمي الأميركي الصومالي الدكتور علي إبراهيم بحر، وهي حركة تهدف لتحرير أودل من المشروع الانفصالي في الشمال، وإعادتها إلى الوحدة مع مقديشو.

وعلى الرغم من أن بورما شهدت مظاهرات ضد الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال عشية إعلان نتنياهو، فإن لديّ معلومات بأن نخب محافظة أودل في الداخل تميل نحو قبول الاعتراف والمضي قدما في كسر العزلة.

وعلى كل حال، سيكون لبورما، موطن تأسيس أرض الصومال، دور محوري في تقرير مصير المنطقة إما نحو مقديشو أو تل أبيب، على الرغم من أن نيل الاعتراف من دولة واحدة لا يعني ضمان مقعد عضوية في الأمم المتحدة.

وعند العودة إلى تاريخ استقلال إقليم أرض الصومال من الاستعمار البريطاني في 26 يونيو/حزيران 1960 فقد تضمن ممثلو الدولة الوليدة الذين زاروا لندن لتوقيع الوثائق، ممثلين من قبائل "إسحاق" و"الدارود" و"السمرون"، ومن الضروري حضورهم عند أي تحرك من شأنه تقرير مصير المنطقة، حسبما تتضمنه المبررات التي يستند إليها المعترضون على الخطوة الأخيرة لأرض الصومال.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا دونالد ترامب أمريكا إيران

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا