"أعرف ما تفكرون فيه، وأنا أيضاً متفاجئة أنني وصلت في الموعد. كدتُ أتأخر، لأنني عربية وكان علينا تحضير وجبة لعشرين شخصاً... لأن إحدى صديقات العائلة قالت إنها قد تأتي لمجرد إلقاء السلام علينا ومن ثم تنصرف". هكذا بدأت ميا ألماس، الكوميدية الصاعدة والمنحدرة من أصل فلسطيني، عرضها الكوميدي في نيويورك. وتضيف: "هكذا هي عادات شعبي. حرفياً، نفرط في إطعام بعضنا البعض تعبيراً عن الاحترام".
ميا ألماس ليست شخصية حقيقية وإنما شخصية خيالية في أول رواية تنشرها الكاتبة الأمريكية، من أصول فلسطينية، سارة حمدان، والتي صدرت تحت عنوان "ماذا سيقول الناس؟". وقد نشرت الرواية مؤخراً، وتسلط الضوء حبكتها على النجاح المتزايد للنساء العربيات كفنانات كوميديا في مختلف أنحاء الشرق الأوسط.
وقالت إلهام مانع، الباحثة السياسية المقيمة في سويسرا والمتخصصة في دراسات الخليج والشرق الأوسط، لـ DW: "خلال السنوات القليلة الماضية، برز فن الأداء كوسيلة فعّالة لتمكين المرأة وللنقد الاجتماعي في أجزاء من العالم العربي. وهذه خطوة مهمة؛ إذ تصل النساء إلى جماهير تتجاوز بكثير دوائر الناشطين والنخب".
رغم أن العديد من الفعاليات الصغيرة في المنطقة تستضيف فنانات كوميديا يقدمن عروضهن باللغة العربية، إلا أن حضور النساء في مهرجانات الكوميديا الرئيسية في أبوظبي ودبي وعمّان والرياض ظلّ ضئيلاً. ففي أيلول/سبتمبر 2025، شاركت ثلاث فنانات في "مهرجان الرياض للكوميديا"، بينما بلغ عدد الفنانين الكوميديين الرجال 47 فناناً.
"المسرحيات الكوميدية لها تاريخ طويل في الشرق الأوسط وهي جزء غني من ثقافتنا"، تقول سارة حمدان لـ DW.
فعلى سبيل المثال، ازدهر المسرح والسينما في مصر منذ ثلاثينيات القرن الماضي، وظلت البرامج التلفزيونية الكوميدية ركيزة أساسية في صناعة الترفيه العربية لعقود.
حُبّ سارة حمدان للكوميديا ساعدها في عملها كصحفية عندما انتقلت من نيويورك إلى دبي قبل 15 عاماً. ففي مقالها الأول، الذي ركّز على الكوميديا في الشرق الأوسط، التقت جميل أبو وردة، الذي ألقى محاضرة في مؤتمر "تيد" (TED) عن الكوميديا وكيفية تعليم كتابة الكوميديا . ومؤتمر "تيد" هو فعالية سنوية تركز على الأفكار الجديدة في عالم التكنولوجيا والترفيه والتصميم.
"انتهى بي الأمر بإجراء مقابلة مع الرجل الذي أصبح زوجي"، هكذا تذكرت بابتسامة. ومنذ ذلك الحين، يتشارك الزوجان شغفهما بالكوميديا. وتقول سارة حمدان: "نحرص على حضور العروض بانتظام".
"هناك إقبال كبير على الكوميديات من النساء في المنطقة"، يؤكد الكوميدية السورية علا مشرف في مقابلة عام 2023، مع مجلة غراتسيا ( Grazia) الإيطالية المهتمة بشؤون المرأة.
لكن في المقال نفسه، كشفت الكوميدية المصرية ريم نبيل أن كونها كوميدية يعني بالنسبة لها مقارنة عملها باستمرار بعمل زملائها من الرجال. وقالت: "تكمن الصعوبة التي أواجهها في أن الناس يقارنوننا بالكوميديين من الرجال. يضعوننا في مواجهة بعضنا البعض وكأننا [نحن النساء] هنا لننافسهم ونثبت أن أحدنا أكثر طرافة من الآخر".
"الكوميديا لا تهدم الحواجز الجندرية بين الجنسين"، تقول إلهام المانع، وتضيف: "غالباً ما تخضع الكوميديات من النساء لرقابة أشدّ من الكوميديين من الرجال، وتبقى بعض المواضيع صعبة أو محفوفة بالمخاطر".
على عكس العديد من الكوميديين العالميين الناجحين، تميل عروض الرجال والنساء في معظم أنحاء الشرق الأوسط إلى تجنّب السياسة والجنس والألفاظ النابية خلال المهرجانات الرسمية. ويتحدث البعض أنّ المنظمين يفرضون قيوداً على ما يُمكن قوله وما لا يُمكن قوله.
مع ذلك، خارج نطاق المهرجانات الرسمية، تزدهر الكوميديا السياسية، ويتناول العديد من الكوميديين العرب وأبناء الشتات من العرب في الخارج طيفاً أوسع من المواضيع ويرفعون سقف نقدهم.
وتشرح المانع قائلةً: "مع مرور الوقت، اتسع نطاق ما يُعتبر مقبولاً وطبيعياً. علاوة على ذلك، من خلال وضع المرأة في صميم الفكاهة بدلاً من إصدار الأحكام، ساهم الأداء الكوميدي في إعادة صياغة كيفية إدراك أصوات النساء وإحباطاتهن وسلطتهن في الثقافة العامة". وترى المانع أن التأثير نادراً ما يكون سياسياً بشكل صريح، وأوضحت قائلةً: "تُمكّن الكوميديا النساء من معالجة قضايا الزواج ، وضغوط الأسرة، والعمل، والاحترام، والمعايير المزدوجة دون الدخول في مواجهة أيديولوجية." وتجد أن الضحك يجعل هذه التجارب مفهومة اجتماعياً وقابلة للمشاركة، وغالباً ما تصل إلى جماهير قد تقاوم الخطاب النسوي الصريح.
لم يعد الكوميديون يعتمدون على المنصات التقليدية كالقنوات التلفزيونية ومنظمي الفعاليات والمخرجين. تقول الكاتبة سارة حمدان: "القوة بين أيدينا بفضل الهواتف المحمولة ".
تتابع حمدان كوميدياتها العربيات المفضلات: سانية عباس وروكسي ومينا، على إنستغرام، حيث يتراوح عدد متابعي كل منهن بين 5000 و500000 متابع.
في عام 2023، عرضت شبكة قنوات OSN (أوربت شوتايم) الإماراتية برنامج ""Stand Up! Ya Arab!",(ستاند آب! يا عرب!)، وهو أول مسلسل كوميدي من نوعه يضم 56 موهبة كوميدية عربية، من بينهم 17 امرأة. وقد حاز البرنامج على تقييم ممتاز بلغ 8.4 من 10 على منصة "قاعدة بيانات الأفلام العالمية على الإنترنت" (IMDb).
ومن المرجح أن يُشكّل نجاح الكوميديات الصاعدات قدوة يُحتذى بها للأجيال القادمة من الفتيات في الشرق الأوسط.
وصرح معز دريد، المدير الإقليمي لهيئة الأمم المتحدة للمرأة في الدول العربية، لـ DW: "مع استمرار ظهور نماذج يحتذى بها، لا بد من إزالة القيود الهيكلية لضمان أن يكون نجاحهن هو القاعدة لا الاستثناء، فالجيل القادم من الفتيات يستحق أكثر من مجرد الإلهام". وأضاف: "إنهن يستحققن الحصول على الفرص، ولكن إذا استمرت الاتجاهات الحالية، فلن يتحقق التكافؤ بين الجنسين في الدول العربية إلا بعد 185 عاماً"، خاتماً كلامه بالقول إن "هذه مدة طويلة جداً".
المصدر:
DW