في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
كشفت الساعات الأولى من التطورات التي شهدتها فنزويلا اليوم عن واقعة سياسية وقانونية ثقيلة الوطأة، فتنفيذ واشنطن ضربات واسعة النطاق واحتجاز رئيس دولة دون إعلان حرب أو تفويض أممي شكّلا نقطة تحول في مسار سياسي متوتر وفتحا الباب أمام جدل قانوني يتجاوز حدود فنزويلا.
ففي عالم ما بعد الحرب الباردة لم يعد انتهاك السيادة حكرا على الحروب التقليدية، بل بات يتخذ أشكالا مختلفة تغلف أحيانا بخطاب دبلوماسي أو قانوني، في حين يبقى جوهرها استخداما مباشرا للقوة.
وبين من يرى فيما جرى إجراء استثنائيا تبرره حسابات سياسية وأمنية عاجلة، ومن يعتبره انتهاكا صارخا لميثاق الأمم المتحدة تصاعد النقاش بشأن سؤال قديم يتجدد مع كل أزمة هو: ما قدرة النظام الدولي على مساءلة الفاعلين الأقوياء، ولا سيما حين يكون أحدهم الولايات المتحدة نفسها؟
أكد أستاذ القانون الدولي بجامعة ميدلسكس في لندن وليام شاباس أن القانون الدولي لا يترك مجالا واسعا للتأويل حين يتعلق الأمر باستخدام القوة، إذ يحظر ميثاق الأمم المتحدة ذلك بشكل واضح، باستثناء حالتين:
وبرأيه، فإن أيا من هذين الشرطين لا ينطبق على الحالة الفنزويلية.
ويرى شاباس في حديثه للجزيرة نت أن عزل الرئيس نيكولاس مادورو واعتقاله إلى جانب زوجته يشكل استخداما مباشرا للقوة ضد دولة ليست في حالة حرب.
من جهته، يتفق المحامي الدولي والحقوقي الأميركي الفرنسي فرانك رومانو مع هذا التوصيف، قائلا إن طريقة اختطاف مادورو وزوجته يُبرز مدى الانتهاك الخطير للميثاق الذي يضمن السيادة من خلال مبدأ المساواة في السيادة بين جميع الدول الأعضاء.
وبينما تشمل المبادئ الأساسية لميثاق الأمم المتحدة عدم استخدام القوة، والتسوية السلمية للنزاعات، والتزام الدول الأعضاء بضمان توافق أفعالها مع مبادئ الميثاق فإن هذا الاختطاف يخالف الميثاق الأممي.
وأضاف رومانو للجزيرة نت إن الولايات المتحدة بقيادة رئيسها دونالد ترامب انتهكت القانون الأميركي أيضا عبر إعلان الحرب وشن عمليات عسكرية دون الحصول على موافقة الكونغرس، مشيرا إلى أن الذريعة التي اعتمدتها الإدارة الأميركية كانت مجرد تبرير لمغامراتها العسكرية وللقضاء على تجار المخدرات الإرهابيين تحت غطاء عمليات حفظ السلام.
ووصف هذه الحجة بـ"السخيفة" لأن فنزويلا ليست منتجا رئيسيا للفينتانيل ولا للمخدرات الأخرى التي غذت وباء الجرعات الزائدة الأخير في الولايات المتحدة، وأن الكوكايين الذي تنتجه يُصدّر في المقام الأول إلى أوروبا.
وتحتل مسألة الحصانة الرئاسية موقعا مركزيا في الجدل القانوني الدائر، ويشدد شاباس على أن رئيس الدولة يتمتع بحصانة كاملة أمام محاكم الدول الأخرى، وهو مبدأ كرسته محكمة العدل الدولية عام 2002، وأقرت به الولايات المتحدة.
ويضرب المتحدث مثالا بالطعن الأميركي في مذكرة التوقيف الصادرة بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حين استندت واشنطن إلى مبدأ الحصانة رغم أن نتنياهو ليس رئيس دولة، بل رئيس حكومة.
وبحسب شاباس، فإن المنطق القانوني واحد ولا يمكن القبول بازدواجية المعايير حين يتعلق الأمر بحلفاء واشنطن أو خصومها.
ويطرح الخبير في القانون الدولي تساؤلا لافتا عما إذا كان هناك قاض أميركي "شجاع" بما يكفي للاعتراف بحصانة مادورو والطعن في احتجازه، فالمسألة -كما يراها- لم تعد قانونية بحتة، بل اختبارا لاستقلال القضاء الأميركي حين تتقاطع القضايا القانونية مع الإرادة السياسية.
في المقابل، يقر الخبير الأميركي في القانون الدولي جون كاغلي بأن مادورو يستطيع التمسك بحصانته، بشرط أن تقوم "الولايات المتحدة بتأمينه داخل أراضيها من خلال المرور بإجراءات تسليم المجرمين".
ووفق الفقرة الرابعة في المادة الثانية من الميثاق الأممي، والتي تنص على أن غزو دولة أخرى يعد انتهاكا، أكد كاغلي للجزيرة نت أن هذه القاعدة تمثل حجر الأساس في النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، وأن تجاوزها يعيد العالم إلى منطق ما قبل الأمم المتحدة.
كما حذر من أن تكرار مثل هذه السوابق دون مساءلة حقيقية يفرغ الميثاق من مضمونه، ويحول الحظر القانوني لاستخدام القوة إلى مجرد نص أخلاقي غير ملزم تعطله الحسابات السياسية متى شاءت القوى الكبرى.
وعلى مستوى الأمم المتحدة، يتفق الخبراء القانونيون على أن مجلس الأمن لا يشكل مسارا فعالا لمساءلة الولايات المتحدة، فحتى لو طُرحت القضية للنقاش فإن أي مشروع قرار سيصطدم حتما باستخدام واشنطن لحق النقض ( الفيتو)، مما سيحول دون اتخاذ أي إجراء عملي، ويكتفي بتسجيل المواقف والتنديدات في محاضر الجلسات.
وفي هذا الإطار، يذكّر جون كاغلي بسابقة غزو بنما عام 1989 واعتقال رئيسها مانويل نورييغا حين رُفعت القضية إلى مجلس الأمن، لكنها أُجهضت بالفيتو الأميركي والفرنسي والبريطاني، معتبرا أن التاريخ سيعيد نفسه مع رئيس فنزويلا.
أما محكمة العدل الدولية فيراها كاغلي خيارا ضعيف الحظ، نظرا لأن واشنطن عزلت نفسها عن اختصاصها، مما يجعل من الصعب إيجاد أساس قانوني للنظر في القضية.
في المقابل، يلفت شاباس الانتباه إلى المحكمة الجنائية الدولية، معتبرا أنها قد تشكل مسارا بديلا، خاصة أن فنزويلا عضو طرف في نظام روما الأساسي ووقّعت عليه، ولذا يعتقد أن ما جرى قد يرقى إلى جرائم حرب ارتُكبت على الأراضي الفنزويلية، مما يتيح للمدعي العام فتح تحقيق كما حدث بسرعة عقب غزو روسيا أوكرانيا.
وتحظر اتفاقيات جنيف لعام 1949 وجميع معاهدات حقوق الإنسان الرئيسية اللاحقة عمليات القتل خارج نطاق القضاء كما هو الحال في القانون الأميركي، وتنص اتفاقية جنيف الرابعة لنفس العام على حظر العقاب الجماعي والإعدام خارج نطاق القضاء، كما يُعرّف الإعدام خارج نطاق القضاء بأنه عقوبة تنتهك كرامة الإنسان.
وبالتالي، فإن عمليات الإعدام خارج نطاق القضاء التي نفذها الأميركيون تشكل انتهاكا خطيرا للمادتين 187 و147 من اتفاقية جنيف الرابعة والمادة 8-2 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
وتعليقا على ذلك، أكد الناشط في مجال حقوق الإنسان رومانو أن تصرّف ترامب دون أي شرعية دولية أو سلطة قانونية سارية أو دعم محلي يخاطر بتبرئة الأنظمة الاستبدادية في الصين و روسيا وغيرها من الدول التي تسعى إلى الهيمنة على أذربيجان، كما يهدد بتكرار الغطرسة الأميركية التي أدت إلى غزو العراق.
كما أشار المحامي إلى أن القبض على مادورو لن يؤدي إلى اختفاء الجنرالات الذين مكنوا نظامه من الحفاظ على قبضته على السلطة واستبعد زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو، محذرا من عودة عنف جيش التحرير الوطني، الجماعة المسلحة اليسارية المتطرفة الكولومبية المتمركزة في غرب فنزويلا، أو الجماعات شبه العسكرية المعروفة باسم "الكوليكتيفوس".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة