(CNN) -- بعد عقد من قيادة المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة حملة عسكرية مشتركة لكبح نفوذ إيران في اليمن ، تجد الدولتان الحليفتان نفسيهما الآن في مواجهة بعضهما البعض هناك .
ودخلت أقوى دول العالم العربي في خلاف علني غير مسبوق بشأن اليمن ، الدولة الفقيرة ذات الموقع الاستراتيجي والتي تعاني من تاريخ من الصراعات التي لم تُحل، وهذا الأسبوع، قصفت السعودية شحنة إماراتية تحمل مركبات قتالية متجهة إلى اليمن في تصعيد عسكري غير مسبوق، قبل أن تتهم أبوظبي باتخاذ إجراءات "بالغة الخطورة" وتهديد الأمن القومي للمملكة .
وبدأت الحرب الأهلية في اليمن عام 2014 بعد أن سيطرت حركة الحوثيين المدعومة من إيران على شمال البلاد واستولت على العاصمة، صنعاء، وتدخلت السعودية والإمارات في العام التالي، لدعم الحكومة المحلية والميليشيات في إطار رؤية موحدة للقضاء على الحوثيين.
ولكن على مر السنين، ظهرت خلافات بين الفصائل اليمنية المتناحرة، والتي أدت أجنداتها المتضاربة بشكل غير مقصود إلى كشف صدع بين الحليفين في الشرق الأوسط، الرياض وأبوظبي.
إليكم كيف تحولت حرب اليمن إلى صراع بالوكالة يشارك فيه حلفاء سابقون :
منذ سيطرة الحوثيين على عاصمة اليمن، انقسمت البلاد إلى مناطق نفوذ متعددة، مما منح إيران نفوذًا متزايدًا على الجناح الجنوبي لشبه الجزيرة العربية من خلال دعمها لهذه الجماعة .
والحوثيون، المعروفون رسميًا باسم أنصار الله، هم حركة إسلامية شيعية في شمال غرب البلاد، نفذوا في عام 2014، عملية سيطرة سريعة على صنعاء، بدعم شعبي جزئي، واستولوا على مقاليد الحكم، وبفضل إمدادات الأسلحة والدعم الإيراني المستمر، برزوا كأكثر الكيانات العسكرية والسياسية تماسكًا في اليمن، وسيطروا على معظم الحدود الشمالية الغربية للبلاد مع المملكة العربية السعودية، واستحوذوا على شريط ساحلي حيوي على البحر الأحمر، بما في ذلك الوصول إلى ممرات ملاحية حيوية. ومع مرور الوقت، تحول الحوثيون إلى أحد أبرز وكلاء طهران الإقليميين المزعزعين للاستقرار، حيث شنوا هجمات صاروخية على المملكة العربية السعودية وحتى على إسرائيل، وقد صمدوا في وجه حملة عسكرية طويلة الأمد بقيادة السعودية، والتي فشلت في نهاية المطاف، مما أدى إلى حصول الحوثيين على هدنة فعلية في عام 2022.
تأسست الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، والتي تعمل تحت مظلة مجلس القيادة الرئاسي المدعوم من السعودية، في عام 2022 لتوحيد الفصائل المتناحرة ضد الحوثيين؛ وهي تقود تحالفًا غير متماسك من بقايا الجيش النظامي والميليشيات القبلية والجماعات الإسلامية السنية في وسط وجنوب البلاد، وتسيطر هذه القوات على مناطق متفرقة، لا سيما في محافظة مأرب بوسط البلاد، وأجزاء من تعز، وعدن في الجنوب، ومنذ عام 2015، شنت المملكة العربية السعودية عمليات جوية وبحرية واسعة النطاق، مع نشر محدود للقوات البرية، لدعم الحكومة ومواجهة التهديد المتزايد على حدودها الجنوبية .
أما المجلس الانتقالي الجنوبي فهو كيان انفصالي مدعوم من الإمارات العربية المتحدة في جنوب اليمن، تأسس عام 2017 للدعوة إلى استعادة دولة جنوب اليمن التي زالت عام 1990 بعد توحيد البلاد، وتتلقى الميليشيات التابعة للمجلس دعمًا من أبوظبي، وقد لعبت دورًا حاسمًا في المعارك على مدار الحرب، بما في ذلك في الأسابيع الأخيرة.
قادت الدولتان التدخل العسكري في عام 2015 لمواجهة الحوثيين وإعادة الحكومة المعترف بها دوليًا، لكن تباين الأجندات بينهما دفعهما إلى دعم فصائل متناحرة. ويتعارض دعم الإمارات للانفصاليين الجنوبيين الساعين إلى الاستقلال بشكل مباشر مع دعم المملكة العربية السعودية ليمن موحد ومستقر على حدودها .
وبعد سنوات من الجهود المتعثرة لإنهاء الحرب الأهلية، شنت القوات المدعومة من الإمارات هجومًا سريعًا في أوائل ديسمبر/ كانون الأول، وسيطرت على محافظات غنية بالنفط - في بعض الأحيان من قوات مدعومة من السعودية - مما أدى إلى اشتباكات دامية. وبلغ التوتر ذروته هذا الأسبوع عندما استهدفت غارات جوية للتحالف بقيادة السعودية شحنة مركبات إماراتية في ميناء المكلا جنوبي اليمن، متهمةً أبوظبي بتعريض الأمن القومي السعودي للخطر .
وقد أعلنت الإمارات منذ ذلك الحين انسحاب قواتها من اليمن، إذ قال مسؤول في الحكومة الإماراتية في بيان: "على مدى العقد الماضي، عملت دولة الإمارات العربية المتحدة بناءً على طلب الحكومة اليمنية الشرعية والمملكة العربية السعودية، وفي إطار التحالف الذي تقوده السعودية، وقدمت تضحيات كبيرة لدعم استقرار اليمن وأمنه، وخاصة في مواجهة التنظيمات الإرهابية التي تهدد المدنيين والمنطقة بأسرها. وتماشياً مع نهجها الداعي إلى التهدئة وخفض التصعيد، أنهت دولة الإمارات وجود قواتها لمكافحة الإرهاب".
وتصاعدت التوترات بشكل أكبر مع نشر السعودية، الجمعة، قواتها البحرية قبالة سواحل اليمن، وذلك بعد وقت قصير من شن القوات المدعومة من الرياض هجوماً برياً وصفته بأنه "سلمي" لاستعادة مناطق من الانفصاليين الجنوبيين المدعومين من الإمارات. وأظهرت مقاطع فيديو قوافل كبيرة من المركبات يُزعم أنها في طريقها إلى المناطق الخاضعة لسيطرة القوات الجنوبية.
رفض الانفصاليون الادعاء بأن الهجوم كان سلميًا، واتهموا السعودية بتضليل المجتمع الدولي، وأعلنوا أن المعركة "حرب بين الشمال والجنوب"، كما اتهمت القوات الجنوبية الرياض بشن عدة غارات جوية على مواقعها، ولم تُعلق المملكة العربية السعودية على هذا الأمر .
وفي وقت لاحق، الجمعة، أعلن المجلس الانتقالي الجنوبي أنه سيُجري استفتاءً على الاستقلال خلال عامين لمساعدة "شعب الجنوب على ممارسة حقه في تقرير المصير".
وقال الباحث في مركز تشاتام هاوس للأبحاث في لندن، فارع المسلمي، إن التصعيد غير المسبوق "يعكس خلافات جوهرية بين الرياض وأبوظبي بشأن الهيكل السياسي المستقبلي لليمن وتوازن النفوذ داخله"، مضيفا: "تُمثل هذه الإجراءات نقطة تحول حاسمة، وتنذر بمرحلة متقلبة وخطيرة في تحالفات اليمن المتصدعة".
ابتليت اليمن الحديثة، على مدى أكثر من قرن، بالانقسامات الداخلية والحروب الأهلية التي تغذيها الخلافات الأيديولوجية. نالت شمال اليمن استقلالها عن الإمبراطورية العثمانية بعد عام 1918، بينما بقيت جنوب اليمن تحت السيطرة البريطانية حتى استقلالها عام 1967، وظلت الدولتان منقسمتين لنحو 23 عامًا حتى توحيدهما عام 1990، والذي أعقبته حرب أهلية بعد فترة وجيزة في عام 1994، هُزم فيها الانفصاليون الجنوبيون، تاركين وراءهم مظالم لم تُحلّ، ما يُسهم في استمرار الصراعات .
وقد تركت هذه الصراعات المتكررة البلاد - التي تقع في موقع استراتيجي جنوب المملكة العربية السعودية وتطل على ممرات بحرية حيوية - في حالة فقر مدقع وعدم استقرار شديد، مع انتشار الأسلحة على نطاق واسع، في ظل تنافس القوى الإقليمية على النفوذ.
وفي ظل تجدد الصراع، يزداد انقسام اليمن، حيث ينظر الحوثيون - الذين كانوا في السابق هدفًا لبعض أقوى دول المنطقة - إلى الانقسامات بين خصومهم على أنها فرصة سانحة، وقد عانت الجماعة، التي شنت هجمات صاروخية وبطائرات مسيرة على أبو ظبي والرياض في الماضي، من حصار وغارات جوية استمرت لسنوات بقيادة التحالف السعودي .
وقال المسلمي إن "الحوثيين من المرجح أن ينظروا إلى الخلاف المتزايد بين اثنين من خصومهم الرئيسيين بميزة كبيرة.. لا يزال من غير المؤكد كيف ستستجيب الحكومات الغربية للتوترات المتصاعدة بين اثنين من أهم شركائها الإقليميين، لكن تداعيات ذلك على الاستقرار الإقليمي وعلى المشهد السياسي الهش في اليمن ستكون وخيمة".
المصدر:
سي ان ان