آخر الأخبار

لماذا اختار بابا الفاتيكان الجديد تركيا كأول زيارة رسمية له؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

كان هواء مدينة "إزنيك" -المعروفة تاريخيا باسم "نيقية"- مشبعا برطوبة خريفية باردة، حين هبطت مروحية بابا الفاتيكان "ليو الرابع عشر" في هذه المدينة الصغيرة يوم 28 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي. للوهلة الأولى، لا يبدو أن تلك البلدة الوادعة، التي تبعد نحو 140 كيلومترا جنوب شرق إسطنبول ، والتي يقطنها بالكاد 45 ألف نسمة في بيوت قديمة الطراز تزدان شرفاتها بالورود واللبلاب وتصطف حول أزقة ضيقة تعبق بالذكريات، كانت ذات يوم حاضرة عتيقة حفرت اسمها بأحرف بارزة في متون التاريخ.

وسط ذلك الهدوء، قد يمر العابر إلى ضفاف بحيرة إزنيك دون أن يدرك أن هذا المكان كان يوما ما بؤرة محورية للإمبراطورية البيزنطية والخلافة العثمانية على حد سواء. عند تلك النقطة، وحيث ينحسر الماء عن الأطلال الأثرية لكاتدرائية القديس نيوفيتوس -وهو بناء يُعتقد أنه شُيد في أواخر القرن الرابع الميلادي- تتجسد لحظة تلاقٍ نادرة في الزمان والمكان، هنا اجتمع الإمبراطور الروماني قسطنطين وكبار رجال الدين المسيحي لتحديد ركائز العقيدة وصياغة ما عُرف لاحقا بـ"قانون الإيمان المسيحي".

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 القصة الكاملة للبابا فرنسيس الذي أثار الجدل في حياته وصعوده وبابويته
* list 2 of 2 هذا هو البابا الفقير الذي تكرهه إسرائيل end of list

كان ذلك في عام 325 للميلاد، إبان "مجمع نيقية التاريخي" الذي يحمل الاسم القديم للمدينة التركية. ولكن، وعلى مدار القرون التي تلت، تفتتت تلك الوحدة المسيحية تماما كما تفككت أحجار الكاتدرائية التاريخية وتحولت إلى ركام غمره الماء لقرون طويلة قبل أن ينحسر عنه في لحظة كشف أثري عام 2014.

في تلك البقعة، وتحت السماء المفتوحة، وقف البابا ليو بصحبة عشرات الكهنة والأساقفة وقادة الكنائس الكاثوليكية والأرثوذكسية واليونانية والسريانية والقبطية والأرمنية والبروتستانتية والأنجليكانية، في مشهد بصري يجسد مسيحية منقسمة تحاول استلهام عقيدتها المشتركة من بين الركام. وبجانب ليو تماما، وقف البطريرك المسكوني برثلماوس الأول، الزعيم الروحي للمسيحيين الأرثوذكس، يصليان معا من أجل "مصالحة مسيحية" بدت طوال عقود بعيدة المنال.

إعلان

في تلك اللحظة، كان قد مر قرابة 1700 عام على مجمع نيقية، وأكثر من 970 عاما على "الانشقاق العظيم" عام 1054 الذي شطر العالم المسيحي بين كنيستين رئيسيتين: الكاثوليكية الرومانية في الغرب، والأرثوذكسية الشرقية في الشرق. وهنا، في نيقية مجددا، وقف ليو (خليفة القديس بطرس) مناشدا برثلماوس (خليفة القديس أندراوس) أن يتصرفا لا كخصمين تاريخيين، بل كأخوين يواجهان أزمة وجودية، شعارها الأول أن المسيحية لم تعد تملك ترف الانقسام.

ربما يفسر هذا المشهد سر اختيار البابا ليو الرابع عشر لتركيا محطة لزيارته الخارجية الأولى. فرجل الدين المولود في الولايات المتحدة، والذي يُعد القائد الأميركي الأول للكنيسة الكاثوليكية التي تعاقب على سدتها باباوات من أصول أوروبية (وخاصة إيطالية بأغلبية مريحة) لقرون، يرغب في وضع بصمته الخاصة مبكرا.

ها هو البابا القادم من "العالم الجديد" يطأ أرضا لا تمثل فقط مفترق طرق قديما بين أوروبا وآسيا، بل تقف كحد فاصل وواصل بين الشرق الأرثوذكسي والغرب الكاثوليكي، وبين المسيحية والإسلام في آن واحد.

مصدر الصورة في لحظة زيارة البابا ليو لمدينة "إزنيك" -المعروفة تاريخيا باسم "نيقية" كان قد مر قرابة 1700 عام على مجمع نيقية الذي جمع فيه الإمبراطور الروماني قسطنطين كبار رجال الدين المسيحي لتحديد ركائز العقيدة المسيحية (الأناضول)

إرث التاريخ.. وثقل الجغرافيا

لا تُعد تركيا محطة غريبة على باباوات الفاتيكان، فليو الرابع عشر هو البابا الخامس الذي يزور الأناضول بعد بولس السادس (1967)، ويوحنا بولس الثاني (1979)، وبنديكت السادس عشر (2006)، وفرانشيكو (فرنسيس) (2014). ولا غرابة في ذلك إذا علمنا أن المجامع المسكونية السبعة التي عُقدت بين عامي 325 و787 للميلاد بهدف توحيد أسس الديانة المسيحية، جرت جميعها فوق أراضٍ تقع اليوم ضمن حدود الدولة التركية الحديثة.

بيد أن هذه الزيارة تختلف نوعيا عن سابقاتها. ولفهم ثقلها الرمزي، لا بد من استيعاب السياق التاريخي لمحطتها الأهم: إزنيك. في هذه المدينة دعا الإمبراطور قسطنطين 220 أسقفا من أنحاء الإمبراطورية لحل أزمة لاهوتية هددت استقرار حكمه، تمثلت في التحدي الذي شكله المذهب الآريوسي الذي اعتبر المسيح مخلوقا وليس أزليا. لقد اعتبر قسطنطين هذا الخلاف تهديدا وجوديا للتماسك الإمبراطوري.

اجتمع الأساقفة لشهرين في القصر الإمبراطوري وأصدروا "قانون الإيمان النيقاوي"، الذي أقر "عقيدة التثليث" كحجر زاوية للمسيحية. ومع ذلك، فإن المجمع الذي حقق وحدة لاهوتية عابرة أصبح هو ذاته رمزا للانقسام بعد "الانشقاق الكبير" عام 1054، حيث تحول قانون الإيمان إلى مادة للخلاف بعد مطالبة الكاثوليك بتعديل صياغته في الجزء الخاص بـ"الروح القدس ".

كان الانقسام الكنسي قدرا محتوما، ومعه صنع الكاثوليك نسختهم المعدلة، رغم أن "عقيدة نيقية" الأصلية ظلت محل احترام جميع الطوائف. من هذه النقطة انطلق البابا ليو الرابع عشر واصفا الانقسام المسيحي بـ"الفضيحة"، في حضرة رجال دين أدوا صلواتهم بلغات متعددة (العربية، الإنجليزية، اليونانية)، في اعتراف ضمني بأن الخلافات اللاهوتية التاريخية قد أوهنت الصوت الأخلاقي للكنيسة وسلطتها على شعبها.

إعلان

قبل هذه الزيارة، كان لانتخاب البابا ليو الرابع عشر (واسمه الحقيقي روبرت فرانسيس بريفوست) تداعيات أيديولوجية تتجاوز الأسوار الكنسية. لقد حطم انتخابه "حاجزا زجاجيا" عتيقا منع وصول بابا أميركي للفاتيكان، نظرا للنفوذ السياسي والعسكري الطاغي للولايات المتحدة، وما قد يثيره اقتران هذا النفوذ بالسلطة الروحية المسيحية من شبهات.

لكن جنسية ليون المزدوجة (الأميركية والبيروفية)، وقرابة عقدين من العمل "التبشيري" في بيرو، حيث تبنى منظورا متأثرا بتجارب أميركا اللاتينية من فقر وعدم استقرار، أسهمت في تخفيف مخاوف الكرادلة الناخبين. أراد هؤلاء قائدا يفهم تطلعات الشمال ومخاوف الجنوب العالمي في آن واحد. كما أن خبرته مع البابا الراحل فرنسيس كرئيس لدائرة الأساقفة في الفاتيكان جعلته مرشحا مثاليا للمنصب الأرفع في الكنيسة الكاثوليكية باعتباره يجمع بين الخبرة الإدارية والمعرفة الروحية.

في مواجهة المخاوف من جنسيته الأميركية، تقدم الفاتيكان البابا الجديد كرمز لعالمية الكنيسة الكاثوليكية، وتحولا عن القيادة الأوروبية المركزية نحو باباويةٍ أكثر شمولا، إلى درجة موقع الفاتيكان الإخباري الرسمي لا يعرفه بوصفه أول بابا أميركي ولكن كثاني بابا من الأميركيتين (بعد البابا الراحل فرنسيس المنحدر من الأرجنتين). يوضح خوسيه كازانوفا، الزميل في مركز "بيركلي"، أن "ليو الرابع عشر لم يُختر لكونه أميركيا، بل لأنه المرشح الأمثل لتوحيد الكنيسة.. إنه أميركي ولكنه لا يُعرف بالاستقطاب السائد في الكنيسة الكاثوليكية بالولايات المتحدة".

بل ويعد اختيار البابا اسم "ليو" لنفسه بحد ذاته إشارة تاريخية زاخرة بالمعاني. قبل قرابة قرن ونصف -تحديدا في عام 1891- كتب البابا الأخير الذي حمل الاسم نفسه، ليو الثالث عشر، رسالته الرائدة بعنوان "الأحوال الجديدة" (Rerum Novarum) التي تناول خلالها محنة العمال إبان الثورة الصناعية ، داعيا إلى مفاهيم تقدمية مثل "الأجور العادلة" و"العمل الكريم". وبهذا الاختيار، يبشر ليو الرابع عشر بعصر يتفاعل مع الأزمات الاقتصادية من منظور المهمشين، لا من منظور "وول ستريت" أو الولايات المتحدة والغرب الثري.

يدرك البابا التحدي المتمثل في ضرورة ألا يبدو كأداة للسياسة الأميركية. والحقيقة أن مواقفه السابقة في هذا الصدد تحمل بعض الإشارات، فقبل أشهر من توليه منصبه، انتقد حساب يحمل اسمه على مواقع التواصل الاجتماعي نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس ، بعد أن زعم على قناة فوكس نيوز أن اللاهوت المسيحي يُمكن أن يُبرر نبذ المهاجرين والغرباء المحتاجين لأنه يُعطي الأولوية لرعاية الأسرة، في علامة مبكرة على تمرده على التفسيرات السياسية للدين التي يتبناها اليمين الشعبوي الأميركي.

ولاحقا، تعمد البابا في أول ظهور له الحديث بالإيطالية والإسبانية، ثم خاطب الصحفيين بالإنجليزية والفرنسية، مؤكدا هويته "الأممية" وابتعاده عن "الحروب الثقافية" الأميركية، وهو تموضع إستراتيجي لكنيسة يقطن غالبية أتباعها الـ1.4 مليار خارج دول الغرب الغنية.

ولعل هذا الإدراك يتمثل في الحذر من أن تماهي البابا بشكل وثيق مع المصالح الأميركية من شأنه أن يُضعف بشكل كبير قدرة الكنيسة على ترسيخ مكانتها كوسيط محايد ومناصر لقضايا الجنوب العالمي. وعلى النقيض من ذلك، فإن البابا الأميركي الذي ينأى بنفسه صراحة عن الأطر السياسية الأميركية يستطيع أن يقول بثقة إنه يتمتع بصوت موثوق وحر في القضايا العالمية.

ابن العالم الجديد في قلب العالم القديم

لا يمكن فصل اختيار تركيا كمحطة أولى للبابا الجديد عن هذا السياق الأيديولوجي والسياسي الأوسع، كون الزيارة تعد تفاعلا كنسيا مع أحد أكثر البيئات الجيوسياسية والدينية تعقيدا في العالم. تحتل تركيا موقعا فريدا عند ملتقى أوروبا وآسيا، والمسيحية والإسلام، وهي دولة ذات أغلبية إسلامية تحكمها سلطة ذات توجه إسلامي، وفي الوقت نفسه عضو في حلف شمال الأطلسي ( الناتو )، ومتحالفة مع الدول والكيانات العسكرية والسياسية الغربية.

إعلان

من خلال زيارة تركيا، يرسل البابا ليو رسالة حول الالتزام الإستراتيجي بالتواصل مع العالم الإسلامي، وهي منطقة تعاني من فقدان الثقة في القيادة العالمية للولايات المتحدة بسبب الدعم الأميركي لإسرائيل طول عامين من حرب الإبادة ضد غزة.

ربما يكون ذلك أحد الأسباب التي دفعت الفاتيكان في وقت سابق لتصعيد لهجته ضد إسرائيل خاصة في أعقاب استهداف الاحتلال للكنيسة الكاثوليكية الوحيدة في قطاع غزة منتصف العالم الحالي، وهي انتقادات تكررت لاحقا على لسان أمين سر الفاتيكان الذي وصف حرب إسرائيل ضد غزة بأنها "رد غير متناسب" على ما حصل في السابع من أكتوبر/تشرين الأول عام 2023، وهي مواقف خطابية لم ترق إلى المستوى الأخلاقي الذي تدعي الكنيسة أنها تمثله.

مسيحيا، تحتضن تركيا واحدة من أصغر الطوائف الكاثوليكية في العالم، إذ تضم أقل من 33 ألف كاثوليكي في دولة يبلغ عدد سكانها 85 مليون نسمة، أي ما يقارب 0.05% من السكان، ورغم قلة أعدادهم، يتمتع الكاثوليك الأتراك بأهمية لاهوتية كبيرة، كما أن الاهتمام بهم يمنح الكنيسة فرصة لإظهار نفسها كراع أخلاقي للأقليات المسيحية مهما بلغ عددها.

تمتلك بطريركية القسطنطينية المسكونية (الأرثوذكسية) رعايا أعلى نسبيا (أقل من 1% من سكان تركيا) بخلاف مكانتها التاريخية ورمزيتها كمركز روحي للمسيحية الأرثوذكسية، ويعد لقبها "المسكوني" (العالمي) إشارة إلى تلك السلطة الروحية والأهمية التاريخية. لكن هذا اللقب لا يحمل أي قيمة بموجب القانون التركي، حيث تؤكد الحكومة التركية أن معاهدة لوزان التي أُبرمت بعد الحرب العالمية الأولى تقصر دور البطريركية على تلبية الاحتياجات الدينية للأقلية الأرثوذكسية في البلاد.

وقد صرّح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، في رسالة إلى البرلمان في يوليو/تموز 2025، صراحة بأن "اللقب المسكوني الذي تستخدمه البطريركية لا يحمل أي معنى قانوني أو سياسي بموجب القانون التركي أو الدولي".

يعكس هذا الموقف تحفظا جيوسياسيا تركيا واضحا على التطلعات السياسية للكنيسة. ففي السنوات الأخيرة، لعبت البطريركية المسكونية دورا واسعا في الشؤون المسيحية الأرثوذكسية عالميا، حين منحت الاستقلال للكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية (عن نظيرتها الروسية) وهي خطوة أثارت غضب موسكو .

ويخشى المسؤولون الأتراك أن يفتح الاعتراف بالوضع "المسكوني" للبطريركية الباب أمام سعيها لمكانة ربما تُضاهي الفاتيكان نفسه. وهنا تحمل زيارة البابا ليو إلى تركيا امتيازا سياسيا حيث تجعل الحكومة البوابة الرسمية للنشاط الدبلوماسي الديني للكنائس على أراضيها، وتجرد خصومها من ورقة دعائية مهمة حول التضييق المزعوم الذي تمارسه بحق الأقليات الدينية.

مصدر الصورة بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر يستقبل أمينة أردوغان خلال زيارة سابقة للفاتيكان في 2 يوليو/تموز 2025 (رويترز)

لبنان وفلسطين وحدود القدرة الباباوية

يعد لبنان، المحطة الثانية في زيارة بابا الفاتيكان، لبنان البلد العربي الوحيد الذي يحكمه رئيس مسيحي (بموجب ترتيب دستوري) ويضم أكبر نسبة من المسيحيين في الشرق الأوسط. ويؤطر الفاتيكان زيارة البابا ليو للبلاد ضمن مفاهيم الوحدة المسيحية، والحوار بين الأديان – وهي مواضيع تُجسّد المفردات الدبلوماسية العريقة للباباوية، لكن الوضع في لبنان أعقد من أن تحتويه مثل هذه المفاهيم المجردة.

تعد الصلاة المرتقبة لبابا الفاتيكان في مرفأ بيروت يوم 2 ديسمبر/كانون الأول المقبل العلامة الأهم في تلك الزيارة. فمن خلال تذكر ضحايا الانفجار والتضامن مع عائلاتهم، يرفع البابا ليو قضية العدالة لضحايا المرفأ إلى مستوى اهتمام الفاتيكان والعالم، كما ينتقد ضمنيا فشل الدولة اللبنانية في تحقيق العدالة للضحايا ومساءلة الجناة، وينأى بنفسه وبالكنيسة عن القوى المؤسسية التي حالت دون تحقيق المساءلة، بما يشمل القوى المسيحية اللبنانية نفسها.

غير أن هذه الإيماءة الرمزية تخفي حقيقة مُقلقة تتعلق بحدود قدرة الفاتيكان على القيام بدور حقيقي بحجم جلب السلام لبلد مثل لبنان ممزق بين مصالح طائفية متنافسة، ومهدد عسكريا من جهات خارجية في مقدمتها دولة الاحتلال الإسرائيلي .

حتى إن الكنيسة المارونية الكاثوليكية، التي يحتضنها البابا ليو، لا تمثل سوى جزء من مسيحيي لبنان الذين يعانون أيضا من انقساماتهم الداخلية. وهكذا تواجه جهود الفاتيكان لاستخدام الوحدة المسيحية كمنصة للوحدة الوطنية اللبنانية عقبة أساسية، وهي أن المسيحيين اللبنانيين أنفسهم منقسمون على أسس مذهبية وسياسية، ولا يمكن لأي بيان باباوي مجرد أن ينهي أو يخفف هذه الانقسامات.

إعلان

وحتى على نطاق الدفاع عن المجتمعات المسيحية من الأخطار الحقيقية التي تحيق بها، يبدو نفوذ الكرسي الرسولي مقيدا بشدة أيضا. لقد تعرّض جنوب لبنان ، موطن المجتمعات المسيحية العريقة ذات الجذور التاريخية العميقة للدمار جراء القصف الإسرائيلي، وتعرضت قرى مسيحية عريقة مثل علما الشعب لتدمير مُمنهج طال المنازل والكنائس والبنية التحتية، ولا تزال تتعرض للقصف الإسرائيلي حتى قبيل ساعات من زيارة البابا. وكان السكان يأملون في أن يزورهم البابا ليشهد معاناتهم عن قرب، إلا أن الفاتيكان رفض الزيارة مُتعللا بمخاوف أمنية.

يصبح هذا العجز أكثر وضوحا حين النظر لأوضاع المسيحيين في قطاع غزة وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة بشكل عام. فبعد أكثر من عامين من الحرب تجنب البابا ليو زيارة غزة أو القدس والضفة الغربية ، نظرا لأن زيارة الأراضي الفلسطينية دون زيارة إسرائيل كانت لتُعدّ إهانة دبلوماسية لدولة الاحتلال ومخالفة لتقاليد الفاتيكان الدبلوماسية.

وهكذا تلقي التعقيدات الجيوسياسية بظلالها على تحركات البابا الجديد وتفرغها من مضامينها وتقيد قدرة الكنيسة على إصدار إدانة أخلاقية واضحة للظلم، وهو قيد يُحبط أولئك الذين كانوا يتطلعون إلى مناصرة باباوية أقوى لحقوق الفلسطينيين أو إدانة أكثر صراحة ووضوحا لممارسات الاحتلال الإسرائيلي.

ضجيج عال.. ومنجزات قليلة

تتجلى هذه المفارقة الواضحة بين التطلعات والتعهدات الخطابية وبين الواقع العملي على جهود رأب الصدع المسيحي نفسها. صحيح أن إعلان البابا ليو المشترك مع البطريرك برثلماوس الذي يؤكد الالتزام بالحوار الأرثوذكسي الكاثوليكي، ربما يكون صادقا في تطلعاته لكن تاريخ الكنيسة القريب نفسه يخبرنا أن التطلعات الصادقة وحدها لا تكفي.

فقد وقّع الفاتيكان والبطريركية المسكونية إعلانا مماثلا عام 1965 (في عهد البابا بولس السادس) وأعاد الطرفان تأكيد التزاماتهما بالحوار عام 2014 (في عهد البابا فرنسيس). رغم ذلك، لا يزال انقسام عام 1054 قائما، ولا تزال المنجزات على صعيد الوحدة المسكونية غائبة، أو هامشية في أفضل الأحوال.

السبب في ذلك هو أن شروط الوحدة الحقيقية غير متوفرة، وأن المبادرات الرمزية لا تحل الخلافات اللاهوتية الجوهرية، والأهم أن الفاتيكان دائما يُعطي الأولوية للمراسم الدبلوماسية على التغيير الحقيقي. لقد أفصحت زيارة البابا ليو الحالية، وبرنامجها ذو الطابع الاحتفالي، عن ذات التقاليد القديمة التي تقدس التواصل الدبلوماسي والبروتوكولات الاحتفالية على حساب المواقف السياسية والأخلاقية المؤثرة.

أظهر خطاب البابا ليو التزاما بالحوار المسكوني والسعي إلى السلام، لكن ما يتبين عمليا أنه عندما يُضطر الفاتيكان للاختيار بين الوقوف بشكل حاسم إلى جانب الأقليات المسيحية واتخاذ مواقف أخلاقية صارمة فإن المصالح المؤسسية هي التي تسود.

وهكذا، تكشف الزيارة عن حدود وقيود السلطة الباباوية المعاصرة، فلا يستطيع البابا حل مشكلة الانهيار الاقتصادي والفساد المستشري في لبنان، ولا يستطيع وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية، ولا مساعدة المجتمعات المسيحية، وبالقطع فإنه لا يستطيع حل الصراعات الطائفية والجيوسياسية التي دمرت الشرق الأوسط لعقود طويلة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا