الخرطوم- فتح المبعوث النرويجي للسودان أندرياس كرافيك، نافذة جديدة لتعاطي الخرطوم مع مبادرة "المجموعة الرباعية"، بعدما رفض رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني عبد الفتاح البرهان ورقة مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية مسعد بولس لحل الأزمة.
وعقب مشاوراته مع البرهان في بورتسودان الخميس الماضي، قال كرافيك، وهو أيضا وزير الدولة بالخارجية النرويجية، إن "بولس لم يقدم مقترحات جديدة للحكومة السودانية بشأن الهدنة الإنسانية".
وكشف أنه تواصل شخصيا مع المبعوث الأميركي لتوضيح الأمر، وأن ما يثار حول وثيقة جديدة يعود فقط إلى "سوء فهم"، مؤكدا أن المقترح الوحيد المطروح هو الذي تم عرضه قبل أسابيع.
من جهته، قال وكيل وزارة الخارجية معاوية عثمان، في تصريحات عقب الاجتماع، إن "البرهان رحب بهذا التوضيح الصريح"، وأشار الى أن السودان تلقى بدوره تأكيدات مباشرة من الجانب الأميركي بعدم وجود أي ورقة جديدة تخص مسار السلام أو الهدنة في هذا التوقيت.
ووفق بيان لمجلس السيادة، فقد أشاد البرهان بجهود الرئيس الأميركي دونالد ترامب وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في دعم السلام بالسودان، مؤكدا أن الحكومة تتعامل بصورة إيجابية مع أي مساع دولية تسهم في إنهاء الحرب ووضع البلاد على طريق الاستقرار.
في يوم 12 سبتمبر/أيلول الماضي، طرحت المجموعة الرباعية، التي تضم الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات خطة تدعو إلى هدنة إنسانية لمدة 3 أشهر، تقود إلى وقف دائم لإطلاق النار، ثم عملية انتقالية جامعة وشفافة خلال 9 أشهر، تحقق تطلعات الشعب السوداني نحو حكومة مدنية مستقلة.
وفي 6 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري أعلنت قوات الدعم السريع في السودان موافقتها على الهدنة، في حين ردت الحكومة السودانية برؤيتها التي سلمتها إلى الأمم المتحدة في فبراير/شباط الماضي، وحملت مطالبها للسلام.
وكشفت مصادر رسمية للجزيرة نت أن الحكومة سلمت ردها على ورقة الهدنة الإنسانية إلى المكتب التقني لمستشار الرئيس الأميركي، وأن الورقة التي رفضها البرهان وحملت تفاصيل الترتيبات الأمنية والعسكرية ومستقبل المؤسسة العسكرية كانت "ورقة بولس"، بعد أن تم تشكيل فريق من مجلس الأمن والدفاع السوداني للرد عليها.
وأوضحت المصادر -التي طلبت عدم الإفصاح عن هويتها- أن القيادات العسكرية والأمنية ومجلس الأمن والدفاع تحفظوا على "ورقة بولس" وعدوها محاولة لتفكيك الجيش وحل الأجهزة الأمنية، و"شرعنة مليشيا الدعم السريع" وإعادة الأوضاع إلى ما قبل أبريل/نيسان 2023 عندما اندلعت الحرب.
وكان البرهان قد وصف المقترحات بأنها "أسوأ ورقة يتم تقديمها"، وقال "إذا كان بولس يريد حلا فعليه الرجوع لخارطة الطريق التي قدمها مجلس السيادة"، كما وصف اللجنة الرباعية بأنها "غير محايدة".
من جهته، أكد مسعد بولس أن واشنطن قدمت خطة بصياغة قوية لإنهاء الصراع في السودان، لكن لم يقبلها الجيش ولا قوات الدعم السريع، وأفاد خلال مؤتمر صحفي في أبو ظبي أن " الجيش السوداني رحّب بالمقترح قبل أسابيع لكنه لم يقبل رسميا بالنص، وعاد بشروط مسبقة".
ونشرت منصات قريبة من الحكومة تفاصيل عن وثيقة بعثها مكتب مسعد بولس، بوصفها "الإطار المتوقع لليوم التالي للحرب"، وبحسب التسريبات، فإن الوثيقة لا تكتفي بتحديد مسار العملية السياسية، بل تتجاوز ذلك إلى رسم شكل الدولة وإعادة بناء الجيش والمؤسسات الأمنية.
وتدعو الخطة إلى إعادة بناء المؤسسة العسكرية وتحويلها إلى "جيش موحد ومهني وخاضع للسلطة المدنية، بعيدا عن أي انتماء أيديولوجي أو ارتباط بجماعة الإخوان المسلمين"، كما تشمل تفكيك الأجهزة الأمنية الموازية، وإعادة هيكلة قطاع الأمن وفق معايير "الحياد والاحتراف والمحاسبة".
وتطرح الورقة كذلك برنامجا شاملا لنزع السلاح، والتسريح وإعادة الدمج بشكل يستهدف القوات غير النظامية والجماعات المسلحة، باعتباره محورا أساسيا لإعادة تشكيل المنظومة الأمنية الجديدة.
أما في ملف وقف إطلاق النار، فتقترح الوثيقة إنشاء "لجنة تنسيق وقف النار" بإشراف شركاء دوليين، على أن تضم ممثلا من المجموعة الرباعية يكون مسؤولا عن إدارة أعمالها ومراقبة الالتزامات، وحماية المدنيين، وضمان مرور المساعدات، وتسوية الخلافات من خلال الحوار بدلا من انهيار الاتفاق.
وتتضمن الوثيقة أيضا ترتيبات لعودة النازحين واللاجئين، مع توفير حماية شاملة لهم، إلى جانب تعويضات أولية للمتضررين من الحرب.
وتحدد الوثيقة أن الانتقال السياسي المرتقب سيُنظم عبر مسار "يُدار بقيادة سودانية"، لكنه يُشرف على تنفيذ آليات عدالة انتقالية واسعة، تشمل لجان مساءلة ومحاكم خاصة لضمان سلام مستدام ومنع تكرار الانتهاكات.
من جانبه، يقول الكاتب والمحلل السياسي عثمان ميرغني إن "الرباعية قدمت خارطة طريق من 3 مسارات: عسكري وإنساني وسياسي، ويبدو أن المسار العسكري -المرتبط بهدنة تستمر 3 أشهر- لم يكتمل الاتفاق عليه بين الجيش وقوات الدعم السريع حتى الآن، على الرغم من إعلان قائد قوات الدعم السريع هدنة من جانب واحد، لكن توقيع اتفاق الهدنة لا يزال ممكنا".
ويوضح الكاتب للجزيرة نت أن "المسار الإنساني مرتبط بالهدنة أيضا لكنه قد يتحرك في ظل تفاقم الأزمة الإنسانية وضغوط المجتمع الدولي لإيصال المعونات".
وفي المقابل، توقع ميرغني أن يتحول التركيز إلى المسار السياسي، خاصة بعد حديث السكرتير التنفيذي للهيئة الحكومية للتنمية " إيغاد " ورقنه جبيهو، لمجلة "شرق أفريقيا" (ذا إيست أفريقا)، عن ترتيبات لعقد جولة حوار للقوى السياسية السودانية في مقر المنظمة بجيبوتي.
أما الكاتب ورئيس تحرير صحيفة "إيلاف" الإلكترونية السودانية خالد التجاني، فيرى أن "جهود المجموعة الرباعية قد وصلت إلى طريق مسدود، وباتت خارطة الطريق التي طرحتها ورقة محروقة، لأن الهدنة كانت تستهدف إنقاذ مواطني مدينة الفاشر المحاصرين، ولذلك لم يعد السياق الذي طرحت فيه الهدنة ملائما للمرحلة الحالية".
ويقول الكاتب للجزيرة نت إن "الخيار الأفضل هو العودة إلى "منبر جدة" برعاية أميركية وسعودية، لأنه وضع الأساس في ملف الترتيبات الأمنية والعسكرية وحماية المدنيين، ويمكن أن يكمل ما بدأه في مايو/أيار 2023″.
ووفقا للتجاني فإن "المسار السياسي يجب أن يكون في يد أصحاب المصلحة وهو الشعب السوداني، وليس اقتسام السلطة والثروة بين النخب السياسية كما ظل يحدث منذ استقلال البلاد، لأن الطريقة القديمة ستؤدي إلى تجدد القتال وليس حل الأزمة".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة