آخر الأخبار

واشنطن بوست: البشر قتلوا ملايين النسور والآن يدفعون الثمن

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

تسلّط كارثة بيئية وصحية غير مسبوقة في الهند الضوء على أحد أكثر دروس الطبيعة قسوة، فحين يختل توازن النظام البيئي، يكون الإنسان هو من يدفع الثمن أولا.

ويكشف تقرير موسع جديد لصحيفة واشنطن بوست عن حجم الكارثة البيئية والصحية المدمّرة التي تحدث في الهند، إذ أدّى الانقراض شبه التام للنسور التي كانت تشكّل خط الدفاع الأول في منظومة التطهير الطبيعية عبر شبه القارة، إلى تفجر سلسلة من التداعيات المروّعة من انتشار الجيف وتكاثر الكلاب الضالة، وارتفاع في حالات الإصابة بداء الكَلَب (مرض السُعار) ومعدلات وفيات البشر، وإلى خسائر اقتصادية فادحة سنويا.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 صحف عالمية: صعوبات أمام حشد الدعم لنشر قوة دولية بغزة وغياب الضغوط بشأن السودان
* list 2 of 2 عميد مسجد باريس: توصيات مجلس الشيوخ الفرنسي مثيرة للانقسام وللشكوك وللريبة end of list

ويؤكد التقرير المدعّم بالصور الفوتوغرافية للصحفي مارك جونسون -الذي زار مدن بيكانير (شمال غرب الهند) وحيدر أباد وبنغالور في الجنوب- أن هذا الانهيار لم يدمّر توازن الطبيعة فحسب، بل أعاد تشكيل المشهد الصحي والاجتماعي في الهند، مشددا على حقيقة باتت أكثر إلحاحا من أي وقت مضى وهي أن صحة البشر مرتبطة بصحة المنظومات البيئية ارتباطا وثيقا لا فكاك منه.

فحتى أوائل تسعينيات القرن الماضي، لعبت النسور -خصوصا ذات المنقار الطويل، والرفيعة المنقار، والنسر الأبيض الظهر- دورا أساسيا في التخلص السريع والفعال من جثث الحيوانات، وعلى رأسها الماشية، بالتهامها مما حال دون تراكم الجيف المتعفنة التي كان من الممكن أن تكون بؤرا للأمراض.

لكن بين عامَي 1992 و2007 انهارت أعداد النسور بشكل حاد، من نحو 4 ملايين إلى قرابة 32 ألفا فقط، في تراجع تجاوز مئة ضعف.

السبب الرئيس في نفوق النسور هو دواء بيطري بدا للوهلة الأولى غير ضار يُسمى " ديكلوفيناك". فقد تبيّن أن هذا العقار المستخدم على نطاق واسع في علاج الماشية شديد السُمّية للنسور، إذ كانت الطيور التي تتغذّى على جيف الحيوانات المُعالجة بالعقار تتعرّض لفشل كلوي حاد (نقرس حشوي)، ما أدي إلى نفوقها بأعداد هائلة.

ويُعد هذا التراجع من أسرع الانهيارات المسجلة في تاريخ الطيور، ويقارن بانقراض الحمام الزاجل الشهير. ويُعزى السبب الرئيس فيه إلى دواء بيطري بدا للوهلة الأولى غير ضار يُسمى "ديكلوفيناك". فقد تبيّن أن هذا العقار المستخدم على نطاق واسع في علاج الماشية شديد السُمّية للنسور، إذ كانت الطيور التي تتغذّى على جيف الحيوانات المُعالجة بالعقار تتعرّض لفشل كلوي حاد (نقرس حشوي)، مما أدي إلى نفوقها بأعداد هائلة.

إعلان

وبعد اكتشاف العلاقة بين ذلك العقار والمرض، حظرت الهند استخدامه بيطريا عام 2006، وأوصت باستخدام أدوية بديلة آمنة مثل الميلوكسكام.

لكن الحظر وحده لم يكن كافيا لعكس مسار الانهيار. فلا تزال النسور نادرة اليوم، إذ تفيد دراسة صادرة عام 2025 عن المعهد الهندي للحياة البرية بأن النسور اختفت من نحو 72% من مواقع أعشاشها التاريخية. وفي بعض المحميات لم يبقَ سوى زوج واحد متكاثر.

وكان أن ملأت الكلاب الضالة الفراغ البيئي الذي خلّفه اختفاء النسور، فأصبحت تتجول بحرية حول مكبّات الجيف، وزادت أعدادها في الهند بنحو 5.5 ملايين كلب بحلول عام 2007.
وعلى عكس النسور، تُعدّ الكلاب مُلتهمة غير فعّالة وغير صحية، فهي غير قادرة على تحييد مسببات الأمراض في الجيف المتعفّنة. وقد أدّى هذا التحوّل إلى تفشي موجة من الأمراض، أبرزها داء السعار الذي تنقله الكلاب، فضلا عن أمراض حيوانية المصدر أخرى، وأمراض منقولة عبر المياه نتيجة تسرب ملوثات الجيف إلى مصادر المياه.

وقدّرت دراسة أُجريت عام 2008 ونُشرت في دورية الاقتصاد البيئي أنه بين عامي 1992 و2007، أدى انهيار أعداد النسور إلى نحو 38 مليون عضة كلب إضافية، وأكثر من 47 ألف وفاة بشرية إضافية بسبب السعار.

لكن الخسائر كانت أوسع من ذلك، إذ وجدت ورقة بحثية نُشرت في المراجعة الاقتصادية الأميركية أن الانقراض الوظيفي للنسور في بعض المناطق أسهم في زيادة معدل الوفيات البشرية بأكثر من 4% ليس فقط بسبب السعار، بل أيضا نتيجة الأمراض المرتبطة بتردّي الصرف الصحي وتلوث المياه، مثل الجمرة الخبيثة والسل والبروسيلا وأمراض أخرى حيوانية المصدر.

مصدر الصورة النسر الرمادي أو النسر الراهب (غيتي)

تكاليف بشرية واقتصادية باهظة

سلّط التقرير الضوء على حالة مأساوية لطفل يبلغ 7 سنوات يُدعى مانيتيجا في مدينة حيدر آباد، تعرّض لعضة كلب ضال. ورغم إسراع والديه لتطعيمه، أصيب بعد أسابيع بحالة خطيرة فقد معها القدرة على الكلام، وأصبح يعتمد اليوم على أجهزة التنفس منذ شهور، وغير قادر على التعرف على والديه أو الاستجابة لهما.

وتواجه أسرته اليوم أعباء نفسية ومالية هائلة، إذ تنفق نحو 900 دولار شهريا على معدات طبية مستأجرة، بينما لا يتجاوز دخلها 800 دولار. وقد لخّص والده معاناتهم بجملة موجعة: "ماذا بوسعنا أن نفعل؟".

وعلى المستوى الوطني، تشير دراسات إلى أثر هائل على الصحة العامة. فقد أظهر بحث نُشر العام الماضي في مجلة الجمعية الاقتصادية الأميركية أن معدلات الوفيات البشرية ارتفعت بأكثر من 4% في المناطق الأكثر تضررا من اختفاء النسور. ويشمل ذلك وفيات بداء الكلب وأمراض ناتجة عن تلوث المياه وسوء التخلص من الجيف.

أما الكلفة الاقتصادية فتُقدَّر بنحو 70 مليار دولار سنويا، تشمل الرعاية الصحية وخسائر الإنتاجية وأعباء الصرف الصحي التي كانت النسور تؤديها مجانا.

النسور كانت من أكثر الطيور الجارحة انتشارا على مستوى العالم، ولعبت دورا حاسما في حفظ التوازن الصحي في الطبيعة. كما قال أحد المحافظين على البيئة في تصريح لواشنطن بوست إن خسارة النسور ليست مجرد قضية تنوع حيوي، بل جرس إنذار يؤكد مدى ارتباط صحة الإنسان بالدورات الطبيعية.

خسارة ثقافية وبيئية عميقة

يُعد تراجع النسور أيضا خسارة ثقافية في بعض المجتمعات الهندية التي تحمل فيها النسور رمزية دينية. فقد كان بعض أفراد الطائفة الزرادشتية يعتمدون على النسور في طقوس "أبراج الصمت"، حيث تُترك الجثث للطيور حفاظا على نقاء الأرض والنار. لكن مع اختفاء النسور، أصبحت هذه الممارسة شبه مستحيلة، مما أجبر المجتمع على التخلي عن تقليد عمره قرون.

إعلان

بيئيا، كانت النسور من أكثر الطيور الجارحة انتشارا على مستوى العالم، ولعبت دورا حاسما في حفظ التوازن الصحي في الطبيعة. كما قال أحد المحافظين على البيئة في تصريح للصحيفة إن خسارة النسور ليست مجرد قضية تنوع حيوي، بل جرس إنذار يؤكد مدى ارتباط صحة الإنسان بالدورات الطبيعية.

ويمثل انهيار أعداد النسور التي كانت يوما من أكثر الطيور الجارحة الكبرى شيوعا في الهند أحد أسرع حالات التراجع البيولوجي المسجلة في أنواع الطيور، منافسا في سرعته انقراض حمامة الراكب أو الحمام البري في الولايات المتحدة .

النسور بطيئة التكاثر، إذ تضع عادة بيضة واحدة فقط سنويا، مما يجعل عملية ازدياد أعدادها تستغرق عقودا. كما أن ثمة تهديدات جديدة مثل فقدان الموائل، وتوسع المدن، وخطر خطوط الكهرباء والتوربينات الهوائية، إضافة إلى استمرار استخدام بعض العقاقير السامة

محاولات الاستعادة

وفي مواجهة هذه الأزمة، اتخذت الهند عدة إجراءات مضادة، فإلى جانب حظر استخدام عقار "ديكلوفيناك" البيطري، والترويج لأدوية آمنة للنسور، أطلقت أيضا حملات تطعيم للكلاب الضالة، بل وأنشأت مطاعم للنسور، وهي مواقع مخصصة تُترك فيها جيف آمنة لتتغذّى عليها النسور.

لكن الطريق طويل، فالنسور بطيئة التكاثر، إذ تضع عادة بيضة واحدة فقط سنويا، مما يجعل عملية التعافي تستغرق عقودا. كما أن تهديدات جديدة تبرز، مثل فقدان الموائل، وتوسع المدن، وخطر خطوط الكهرباء والتوربينات الهوائية، إضافة إلى استمرار استخدام بعض العقاقير السامة.

مصدر الصورة أحد أنواع النسور (مواقع التواصل)

ويرى بعض الخبراء أنه إذا استمرت الاتجاهات الحالية، فقد تصبح النسور مجرد ذكرى للأجيال القادمة. وقال أحدهم "إذا سألت مئة شخص في أي مدينة اليوم، فمن الصعب أن تجد أحدًا يقول إنه رأى نسرًا في حياته".

وتبقى النسور مهددة أيضا بمخاطر أخرى، مثل استمرار الاستخدام غير القانوني للأدوية السامة، ومخاطر أخرى جديدة تشمل خطوط الكهرباء، وتوربينات الرياح، وفقدان الموائل.

ومن المعلوم أن صحة النظم البيئية وصحة البشر وجهان لعملة واحدة. بيد أن مأساة النسور في الهند وما تبعها من تفشي داء الكَلَب وأعباء اقتصادية وكوارث إنسانية، تقدّم مثالا صارخا على حقيقة يُجمع عليها علماء البيئة اليوم، وهي أن صحة الإنسان لا يمكن فصلها عن صحة البيئة. فاختفاء نوع محوري لا يترك أثره في التقارير العلمية فقط، بل يمتد إلى حياة البشر واقتصاداتهم ونسيج مجتمعاتهم.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا