القدس المحتلة- تحافظ إسرائيل، في المرحلة الراهنة، على إبقاء جبهاتها مشتعلة في أكثر من ساحة، من قطاع غزة إلى الضفة الغربية ولبنان وسوريا، دون أن تواجه ردودا مباشرة بحجم الهجمات التي تنفذها.
ويبدو أن هذا النهج سيستمر خلال الأشهر المقبلة، خاصة مع دخولها في سنة انتخابات تتصاعد فيها الضغوط الداخلية على رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ، المطلوب ل لمحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب في غزة، وفي مقدمتها ضغوط المستوطنين والأحزاب اليمينية.
في سوريا ، صعّدت إسرائيل، أمس الجمعة، من عملياتها العسكرية عبر هجوم دموي على بلدة بيت جن ب ريف دمشق ، أسفر عن وفاة 20 شخصا وإصابة 24 آخرين، في أعقاب اشتباك مسلح وقع خلال توغل لقوات الاحتلال في المنطقة.
وقال الجيش الإسرائيلي إن العملية استهدفت عناصر من "الجماعة الإسلامية"، معلنا إصابة 6 من جنوده بينهم ضباط. ويثير هذا الهجوم تساؤلات حول توقيته ودوافع إسرائيل السياسية والعسكرية منه، وبشأن أهمية منطقة بيت جن بالنسبة لتل أبيب، وما إذا كانت تسعى لإعادة رسم قواعد الاشتباك أو منع تشكيل بنى عسكرية "معادية" قرب حدود الجولان السوري المحتل، أو إرسال رسائل ردع إقليمية قبل مرحلة سياسية حساسة داخل إسرائيل نفسها.
وبحسب التحليلات العسكرية والسياسية، تسعى تل أبيب من وراء هذه العملية إلى:
وفق قراءة المحلل العسكري في صحيفة "هآرتس"، عاموس هرئيل، فإن تل أبيب تسعى منذ أشهر إلى الحفاظ على مستوى من التوتر العسكري في ساحات متعددة، دون الانجرار إلى حرب شاملة.
وأوضح أن استمرار التصعيد في الضفة وغزة ولبنان وسوريا لا يمكن فصله عن الحسابات السياسية في إسرائيل، ولا عن التوازن الدقيق الذي تحاول إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب فرضه. وبين رغبة واشنطن في منع الحرب الشاملة، ورغبة تل أبيب في استثمار التوتر انتخابيا، تبقى المنطقة أمام شهور متوترة يصعب التنبؤ بمسارها النهائي.
وقال هرئيل إن إسرائيل تواصل تنفيذ ضربات متكررة في لبنان وسوريا دون تلقي رد مماثل بالوتيرة أو الحجم نفسيهما، ما يمنحها هامشا واسعا للتحرك العسكري. وقدر أن هذا السلوك يخدم بشكل مباشر الخطاب الأمني للائتلاف الحاكم فيها، الذي يوظف هذه العمليات لتأكيد قدرته على "الردع" وإبقاء الجبهات تحت السيطرة.
ويرى المحلل العسكري أن التصعيد الإسرائيلي يصطدم بمعضلة واضحة تتمثل في محدودية قدرة إدارة ترامب على وضع خطط إستراتيجية طويلة المدى مقابل قدرتها على فرض إجراءات تكتيكية مؤقتة. ويبرز هذا التناقض في غزة بشكل خاص، ما قد ينعكس سلبا على أي خطوات أميركية مستقبلية في الشرق الأوسط.
وأشار إلى أن احتمال نشوء أزمة بين ترامب ونتنياهو لا يزال غير واضح، إذ يعتمد نتنياهو على استمرار العمليات لتعويض أزماته الداخلية وكسب اليمين، بينما يسعى الرئيس الأميركي إلى تحقيق إنجاز سياسي قبل الانتخابات. وقد يضع هذا التباين الطرفين في مواجهة إذا رفضت إسرائيل المبادرة الأميركية المرتقبة لإنهاء الحرب.
في قراءة تحليلية لتقرير مراسلة الشؤون العربية في موقع "واي نت" ليؤور بن أري، تبدو تل أبيب بصدد رسم معادلة جديدة في الساحة السورية، عنوانها الأساسي: "منع التمركز المعادي قرب حدودها، وتثبيت الردع، وتأكيد أن سوريا غير مستقرة بما يمنع أي اتفاق مستقبلي".
وتقول بن أري إنه بعد الاشتباك الدامي في بيت جن بريف دمشق، وجهت إسرائيل رسائل سياسية وأمنية "جدية" إلى نظام الرئيس أحمد الشرع، بالتوازي مع إعداد حزمة ردود عسكرية قد تشمل ضربات إضافية ضد البنية التحتية لفصائل تصفها بـ"المعادية".
وأوضحت أنه على الرغم أن تل أبيب لم تؤكد تورط عناصر من النظام مباشرة في العملية، فإنها تعتبر ما حدث مؤشرا واضحا على أن سوريا لا تزال ساحة رخوة وغير مستقرة، وأن أي اتفاق أو تفاهم سياسي معها في هذه المرحلة غير ممكن.
وتتابع ليؤور بن أري أنه وفق الرواية الإسرائيلية، فإن منطقة بيت جن ليست مجرد قرية حدودية، بل هي جزء من شبكة انتشار لفصيل تصفه بأنه يمتلك "أسلحة متواضعة" لكنه يملك بنية تجنيد ومواقع انتشار في جنوب لبنان والحدود السورية اللبنانية وريف دمشق.
وأضافت أن تل أبيب ترى أن هذه البنية، رغم محدودية قدراتها، تشكل "تهديدا خلفيا" لمستوطنات الجولان وقواتها المنتشرة هناك، وأن السماح بترسخها يعني فتح "ثغرة" في الجبهة الشمالية.
وبرأي المراسلة، فإن التصعيد الأخير أعاد إبراز موقف إسرائيل الرافض للانسحاب من المناطق التي سيطرت عليها، خصوصا جبل الشيخ، معتبرة أن هذا الطرح يشكل جزءا من "الحجج الأمنية" التي تستخدمها المؤسسة العسكرية لتبرير استمرار وجودها المكثف على السفوح الشرقية للجولان المحتل.
وأشارت إلى أن تل أبيب تعرض عملياتها في سوريا كمعركة "دفاعية" مستمرة منذ شهرين، بهدف إحباط البنى العسكرية داخل العمق السوري، ومنع اقتراب التنظيمات من حدودها، وتعطيل جهود التجنيد وبناء شبكات الانتشار قرب الجبهة.
كما تريد إسرائيل -وفقا لها- استغلال "هشاشة الداخل السوري"، والتغيرات الإقليمية، ومرحلة الانتخابات داخلها، لفرض معادلة جديدة، وعليه فإن هذه السياسة مرشحة للاستمرار، وربما التصعيد، خلال الأسابيع المقبلة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة