تعيش الساحة الفلسطينية لحظة فارقة مع تصاعد الخطوات الإسرائيلية الأخيرة، التي تتراوح بين عمليات تمهيدية لاحتلال قطاع غزة وخطط متسارعة لضم أجزاء من الضفة الغربية وتغيير هويتها السياسية والديموغرافية.
وبينما يطرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في اجتماعات مغلقة سيناريوهات لاستبدال قيادة السلطة الفلسطينية في بعض المناطق بعشائر محلية، تواصل واشنطن تضييقها على السلطة بمنع مسؤولين من المشاركة في مؤتمرات دولية تتناول حل الدولتين.
في مواجهة هذا المسار التصعيدي، يبرز سؤال محوري: ما هي خيارات الفلسطينيين اليوم؟ وهل يستطيعون فرض معادلة جديدة توقف مسار التفكك وتمنع تصفية قضيتهم؟
يرى المتحدث باسم حركة " فتح"، عبد الفتاح دولة خلال حديثه إلى غرفة الأخبار على سكاي نيوز عربية، أن ما يجري اليوم ليس سوى امتداد لمشروع استعماري قديم يلاحق الفلسطينيين منذ عقود، لكنه يتخذ الآن شكلاً أكثر خطورة في ظل "وتيرة الإبادة الجماعية و التطهير العرقي" على حد وصفه.
ويشير دولة إلى أن "اليمين الإسرائيلي المتطرف الذي يقود الحكومة الحالية يعتبر أن هذه المرحلة مواتية لتصفية القضية الفلسطينية"، بدءاً من غزة التي تواجه "احتلالاً كاملاً" وصولاً إلى الضفة الغربية حيث تُفرض وقائع جديدة مرتبطة بمخططات الضم.
ويضيف أن الشعب الفلسطيني ما يزال يملك "إرادة الصمود وأدوات النضال"، لكنه يشدد على أن المواجهة تتطلب جهداً مضاعفاً وإرادة سياسية موحدة وحراكاً دبلوماسياً عربياً ودولياً متماسكاً.
الانقسام الفلسطيني.. عقدة المأزق
يرى دولة أن أبرز ما يعيق الفلسطينيين عن مواجهة هذا المشروع هو استمرار الانقسام الداخلي.
فبعد اللقاء الوطني الذي دعا إليه الرئيس محمود عباس قبل 7 أكتوبر، والذي كان هدفه التحذير من مخاطر الحكومة الإسرائيلية وخططها الاستعمارية، فوجئت القيادة ـ كما يقول ـ بخطوة منفردة من حركة "حماس" في إشعال المعركة دون توافق وطني شامل.
ويعتبر أن "القرار الفلسطيني يجب أن يكون جماعياً تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب"، مؤكداً أن وجود "قرارين ومرجعيتين" في الساحة الفلسطينية يبقي الحالة الوطنية في حالة ضعف أمام التحديات.
الحاجة إلى مراجعة شاملة
من وجهة نظر فتح، المطلوب الآن هو "حوار وطني شامل" يتجاوز الحسابات الفصائلية والحزبية الضيقة، ويعيد ترتيب البيت الفلسطيني الداخلي على قاعدة وحدة الموقف والقرار.
ويشدد دولة على أن الرئيس عباس "يمارس مسؤولياته تجاه الشعب الفلسطيني بموضوعية وعقلانية"، داعياً إلى الالتفاف حول الشرعية الفلسطينية كخيار وحيد يمكن أن يواجه المشروع الإسرائيلي القائم على "الإبادة والاقتلاع".
وبالنسبة له، المعركة الحالية ليست مجرد جولة عسكرية، بل "حرب وجودية تهدد مستقبل الشعب الفلسطيني برمته".
غزة في عين العاصفة
على الجانب الآخر، قدّم مدير مؤسسة "فيميد" الفلسطينية للإعلام، إبراهيم المدهون، صورة قاتمة عن الوضع في قطاع غزة، واصفاً إياه بأنه "واقع كارثي من الناحية الإنسانية والسياسية".
وأوضح أن "أكثر من نصف سكان مدينة غزة تم تهجيرهم، وأن نحو مليون فلسطيني يعيشون تحت رحمة القتل والإبادة والتدمير"، بينما تواصل إسرائيل تدمير البنية التحتية والبيوت والمخيمات.
ويحذر المدهون من أن المعركة تتجاوز حدود غزة، وقد تمتد إلى الضفة الغربية وربما أبعد، ما يجعل التهديد "وجودياً" للشعب الفلسطيني كله، لا لفصيل بعينه.
وحدة الصف.. ضرورة لا خيار
رغم هذه الصورة القاتمة، يرى المدهون أن الخيارات الفلسطينية ما زالت قائمة، لكنها تتطلب "قرارات جريئة واستثنائية" بعيدة عن اجترار خلافات الماضي.
ويحدد 3 مسارات عاجلة:
ويعتبر أن السلطة الفلسطينية، بما تملكه من شرعية دولية، قادرة على التحرك السياسي والدبلوماسي بصورة أسرع وأكثر تأثيراً، لكنها بحاجة إلى أن تكون مدعومة داخلياً وعربياً في الوقت نفسه.
حماس بين المسؤولية والمشاركة
يشير المدهون إلى أن "حماس ليست جزءاً من المشكلة، بل يمكن أن تكون جزءاً من الحل إذا توفرت خطوات سياسية مدروسة ومدعومة إقليمياً".
ويؤكد أن الحركة أعلنت استعدادها لتقديم "تنازلات غير متوقعة" بما في ذلك تسليم إدارة غزة للسلطة الفلسطينية أو أي إدارة توافقية، مقابل وقف الحرب وإنهاء العدوان وانسحاب الاحتلال.
ويضيف أن حماس "لو كانت تبحث عن سلطة لما ذهبت إلى 7 أكتوبر"، مشدداً على أن أولويتها الآن هي "وقف نزيف الدم ووقف التهجير"، وهو ما يجعلها منفتحة على التعاون مع السلطة الفلسطينية وصولاً إلى صياغة خارطة طريق مشتركة.
إسرائيل ورفض كل الخيارات
رغم هذه المراجعات الفلسطينية المحتملة، يشدد المدهون على أن المشكلة الجوهرية تكمن في رفض إسرائيل لأي حل.
فبحسب رأيه، "نتنياهو وحكومته المتطرفة لا يميزون بين حماس وفتح أو حتى بين طفل فلسطيني"، بل ينظرون إلى الشعب الفلسطيني بأسره باعتباره عقبة يجب إزالتها.
ويشير إلى أن إسرائيل تسعى لثلاثة أهداف واضحة: "تدمير غزة، تهجير سكانها، وابتلاع مزيد من الأراضي الفلسطينية"، ما يجعل أي حديث عن حلول سياسية مؤقتاً أو غير ذي جدوى ما لم يتوقف العدوان أولاً.
ويلفت المدهون إلى أن ما يجري لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل يستهدف إعادة رسم قواعد اللعبة في الشرق الأوسط برمته.
ويحذر من أن "المشروع الإسرائيلي يتحدث عن تقسيم سوريا، وابتلاع أراضٍ في لبنان وربما غيرها على حد وصفه"، ما يجعل المواجهة ذات بعد إقليمي واسع.
وعليه، يدعو إلى "تحرك مركزي متوازن" يساند السلطة الفلسطينية ويمنع تمرير المخطط الإسرائيلي الذي يتجاوز فلسطين.
خيارات الفلسطينيين بين الواقع والمأمول
بين مواقف فتح وحماس والفصائل المختلفة، يتضح أن الخيار الأساسي المطروح أمام الفلسطينيين هو الوحدة الوطنية باعتبارها السبيل الوحيد لمواجهة مشروع الضم والاقتلاع.
لكن تحقيق هذه الوحدة يظل مشروطاً بقدرة الأطراف على تجاوز الحسابات الضيقة، والتوافق على برنامج وطني جامع يعيد الاعتبار لمنظمة التحرير ممثلاً شرعياً وحيداً، ويستند إلى دعم عربي وإقليمي ودولي حقيقي.
أما بقاء الانقسام، فإنه لن يؤدي إلا إلى مزيد من التفكك وإعطاء إسرائيل فرصة لفرض وقائع جديدة على الأرض، سواء في غزة أو الضفة أو القدس.
المشهد الفلسطيني اليوم يقف عند منعطف خطير: إسرائيل تسابق الزمن لفرض مشروعها الاستعماري، والولايات المتحدة تغلق الأبواب أمام أي مسار سياسي جدي، فيما يقف الفلسطينيون أمام تحدي الوجود نفسه.
الخيارات المطروحة ليست سهلة، لكنها واضحة: إما وحدة الصف لمواجهة المخطط الإسرائيلي، أو الاستمرار في الانقسام بما يعنيه من مخاطر وجودية.
وبين خطاب فتح الداعي إلى وحدة القرار تحت مظلة منظمة التحرير، ورؤية حماس المستعدة للتنازل والتعاون من أجل وقف الإبادة، يبقى الامتحان الحقيقي في قدرة الفلسطينيين على تحويل الدماء والتضحيات إلى نقطة انطلاق جديدة لمسار سياسي وجماهيري يفرض نفسه على العالم.