آخر الأخبار

حزب الله أمام مفترق طرق بعد حرب كارثية أضعفت قواه

شارك
مصدر الصورة

في السابع عشر من سبتمبر/أيلول العام الماضي، وفي نحو الساعة 3:30 مساءً، تلقى آدم، الذي يعمل في مجال التمريض رسالةً مع بداية مناوبته في مستشفى بلبنان عبر جهاز النداء "البيجر"، الأجهزة التي وزعها حزب الله على آلاف أعضائه، وكان آدم من بينهم، الذي أكد أنها هذه الطريقة المتّبعة معه ومع زملائه لتلقي إشعارات الطوارئ أو الكوارث.

قال آدم، الذي فضل عدم استخدام اسمه الحقيقي لأسباب أمنية: "بدأ البيجر يُصدر صفيراً متواصلاً، وظهرت كلمة "تنبيه" على الشاشة، فيما يبدو أنها رسالة من قيادة حزب الله. كان عليه أن يضغط بكلتا يديه على زرين في آن واحد لقراءة تلك الرسالة، لكن الصفير استمر رغم تكرار آدم المحاولة مرات عدة، "وفجأة، وبينما كنت جالساً على مكتبي، انفجر جهاز البيجر".

عرض عليَّ آدم على هاتفه فيديو للغرفة؛ حيث التقط له زميله مقطعاً مصوراً بعد دقائق من إنقاذه. كانت آثار الدماء على الأرض. وقال آدم: "حاولتُ الزحف إلى الباب لأنني أغلقته خلال تغيير ملابسي". أحدث الانفجار ثقباً في المكتب الخشبي. ولاحظتُ شيئاً بلون رمليّ. فقال لي آدم: "هذا إصبعي".

يُعرَّف حزب الله بأنه ميليشيا قوية، وهو محظور كمنظمة إرهابية من قِبل بعض الدول الكبرى كالمملكة المتحدة والولايات المتحدة. لكنه في لبنان يُعدّ حركة سياسية بارزة، لها تمثيل في البرلمان ومنظمة اجتماعية.

في لبنان، لا يعني الانتماء إلى حزب الله أنك مقاتل بالضرورة، بل إن الكثيرين ليسوا كذلك في الواقع. وقد أخبرني آدم أنه لم يكن مقاتلاً قط، حيث يمكن للمدنيين العمل في مجموعة واسعة من مؤسسات الحزب، كالمستشفيات وخدمات الطوارئ.

قرر حزب الله تزويد أعضائه بأجهزة اتصال بسيطة بدلاً من الهواتف الذكية التي يخشى أن تستخدمها إسرائيل، عدوه اللدود، لجمع معلومات حساسة عن الحزب. لكن تبين أن تلك الأجهزة كانت جزءاً من خطة إسرائيلية متقنة استمرت لسنوات؛ حيث كانت قد أخفت مركباً متفجراً داخل أجهزة الاتصال، في انتظار تفعيله، وهو ما تحقق في ذلك اليوم.

مصدر الصورة

في الهجوم، فقد آدم، البالغ من العمر 38 عاماً، إبهامه وإصبعين من يده اليسرى، وعُقلة من إصبع في اليد الأخرى. كما أُصيب بالعمى في عينه اليمنى، التي استُبدلت بعين زجاجية، ويعاني حالياً من ضعف البصر في الأخرى.

أراني آدم صورة له عندما كان يرقد في المستشفى، التُقطت بعد ساعة من الانفجار؛ حيث كان وجههه محترقاً، ومُغطى بالدماء والضمادات.

ويتمسك آدم بوفائه لحزب الله على الرغم من جراحه. وحين سألته عن شعوره بعد تلك الإصابات، قال باللغة الإنجليزية: "جيد جداً"، وتابع مُعللاً بالعربية: "لأننا نؤمن بأن الجروح وسام شرف لنا من الله، تكريماً على ما نتكبّده في سبيل قضية عادلة".

لم تعد الجماعة تتمتع بالقوة ذاتها التي كانت عليها بعد أن تلقت ضربة قاصمة منذ هجمات أجهزة النداء "البيجر" التي أعقبها قصف إسرائيلي وغزو للبنان، وباتت تواجه الآن تحديات خطيرة.

ففي الداخل اللبناني، يشعر بعض المؤيدين بالاستياء نتيجة نقص الأموال لإعادة الإعمار، فيما تعهدت الحكومة الجديدة بنزع سلاح حزب الله. وفي سوريا المجاورة، أدى سقوط حكم الأسد إلى قطع الطريق الذي كانت تستخدمه إيران، الداعم الرئيس، لتوريد الأسلحة والمال.

ومع ذلك، فقد زرتُ بلداتٍ في جنوب لبنان دُمرت جرّاء الهجمات الإسرائيلية، ورأيتُ أن دعم حزب الله لم يتضاءل. لكن كانت هناك آراء نادراً ما تُعرض على شاشات وسائل الإعلام، حيث قال بعض مؤيدي حزب الله إن الحرب كانت خطأً، بل شككوا في مستقبل الحزب كقوة عسكرية.

مصدر الصورة

تأسس حزب الله في ثمانينيات القرن الماضي، رداً على احتلال إسرائيل للبنان خلال الحرب الأهلية اللبنانية. وحتى يومنا هذا، لا يزال تدمير إسرائيل أحد أهدافه الرسمية. وكانت آخر حرب خاضها الحزب في عام 2006، أعقبتها سنوات من الهدوء النسبي.

وفي عام 2023، اندلع العنف مرة أخرى بعد هجوم حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول، الذي أسفر عن مقتل نحو 1200 شخص واحتجاز أكثر من 250 رهينة.

فعندما شرعت إسرائيل في قصف غزة، بدأ حزب الله في إطلاق الصواريخ على شمال إسرائيل دعماً للفلسطينيين. وردت إسرائيل بغارات جوية على جنوب لبنان، ما اضطر عشرات الآلاف إلى الفرار على جانبي الحدود.

كانت هجمات "البيجر" نقطة تحول في الصراع الذي كان متصاعداً لكنه محدوداً إلى حد ما حتى ذلك الحين. ثم انفجرت الأجهزة بينما كان حاملوها في عملها أو في الأسواق أو حتى قابعين في منازلهم. وقُتل نحو اثني عشر شخصاً، بينهم طفلان، وجُرح الآلاف، كثير منهم أصيبوا بتشوهات.

هذا الهجوم الذي عُد عشوائياً، أثار موجة غضب في لبنان. وفي اليوم التالي، انفجرت فجأة أجهزة اتصال "الووكي توكي" اللاسلكية التي كان يستخدمها حزب الله. وكنتُ في جنازة بعض ضحايا أجهزة البيجر عندما دوّى انفجار قوي. وطَلَب منا أعضاء حزب الله، في حالة من اليأس، إطفاء كاميراتنا وهواتفنا، إذ لم يكن أحد على علم بما قد ينفجر.

وفي الأسابيع التالية، شنّت إسرائيل حملة قصف متواصلة، واجتاحت جنوب لبنان برياً، ما أسفر عن مقتل نحو 4000 شخص وإصابة ما يقرب من 18 ألفاً في أنحاء البلاد.

بالنسبة لحزب الله، كان الصراع كارثياً؛ حيث اغتيل كبار قادة الحزب، وقُتل العديد من مقاتليه، ودُمّر جزء كبير من ترسانته. وكان من بين القتلى حسن نصر الله، الذي كان زعيماً لحزب الله لأكثر من 30 عاماً، والذي اغتُيل في غارة جوية ضخمة على المقر السري للحزب تحت مبانٍ سكنية في الضاحية الجنوبية، حيث يتمركز حزب الله في بيروت.

وفي نهاية نوفمبر/تشرين الثاني، وافق حزب الله المكلوم على وقف إطلاق النار، فيما عدّه البعض بمثابة استسلام.

مصدر الصورة

يعد جنوب لبنان معقل الطائفة الشيعية اللبنانية، التي تُشكّل الجزء الأكبر من قاعدة دعم حزب الله، وإحدى مناطق البلاد التي لطالما كان للحزب حضورٌ بارز فيها.

سافرتُ إلى بلدة كفركلا الحدودية، التي كان عدد سكانها قبل الحرب 15 ألف نسمة، وكانت من أوائل البلدات التي سقطت مع الاجتياح الإسرائيلي. كان هدف إسرائيل المعلن من الحرب هو السماح بعودة سكانها إلى بلداتهم الشمالية، التي أُخليت بسبب هجمات حزب الله.

في كفركلا، لم يبقَ شيءٌ على حاله، وكانت أعلام حزب الله الصفراء تُزيّن أكوام الخرسانة المكسورة والمعادن الملتوية.

كانت علياء، البالغة من العمر 37 عاماً، قد وصلت إلى موقع منزلها برفقة زوجها وبناتها الثلاث، اللائي تتراوح أعمارهن بين 10 و 14 و18 عاماً. وكانت أصغرهن ترتدي شارةً عليها صورة نصر الله وهو مبتسم.

قالت لي علياء: "لم أتعرف على منزلي إلا من بقايا تلك النبتة هناك، الورود، وهذه الشجرة"، مشيرة إلى ما استطاعت تحديده بين الأنقاض في شارعها.

"هذه هي الأريكة. هناك الستائر. هذه كانت غرفة المعيشة. وتلك كانت غرفة النوم. وهناك دراجة ابنتي. لا يوجد ما يُمكن انتشاله".

مصدر الصورة

وفقاً للبنك الدولي، تُقدر تكاليف إعادة الإعمار وتعافي لبنان بنحو 11 مليار دولار (أي ما يعادل 8.5 مليار جنيه إسترليني).

ويعد تقديم المساعدة المالية للمتضررين من الحرب، أبرز التحديات المُلحة التي يواجهها حزب الله، وهو أمرٌ بالغ الأهمية للحفاظ على شعبيته.

حتى الآن، تلقّى من فقدوا منازلهم 12 ألف دولار لتغطية تكاليف إيجار عام كامل؛ إلا أن الحزب لم يَعِد بتقديم أموال لإعادة بناء ما دُمّر أو تعويض الشركات المُدمَّرة.

هذا الدعم المحدود أجّج حالة من السخط بين البعض. فمتجر علياء، على سبيل المثال، كان يحوي بضائع بقيمة 20 ألف دولار، وقد أعربت لي عن خشيتها ألا تتلقى عوضاً عن خسائرها.

وتُعَدُّ إيران أحد المصادر الرئيسية للتمويل والأسلحة والتدريب لحزب الله، إلا أن حلفاء لبنان الدوليين يُريدون قطع أي دعم مالي آتٍ من إيران، لزيادة الضغط على حزب الله، قائلين إنهم لن يدعموا بيروت ما لم تتحرك الحكومة اللبنانية ضد حزب الله.

ومع إضعاف الحزب عسكرياً، يرى المنتقدون أن الفرصة سانحة لنزع سلاحه، لكن علياء قالت لي: "لا نريد أي مساعدة مشروطة مقابل سلاحنا. لن نسمح لهم بسلبنا كرامتنا وشرفنا، أو نزع سلاحنا لمجرد بناء منزل. سنبنيه بأنفسنا".

لا عجب أن يظل أنصار حزب الله على موقفهم تجاه حزب الله الذي يُعد جزءاً أساسياً من حياتهم، وفي عمق هويتهم، لكن المثير للانتباه هو قوة حزب الله التي يمكن أن تراها وتشعر بها خارج نطاق قاعدته الجماهيرية.

فقبل الحرب، كان جناحه العسكري يُعد أقوى من الجيش الوطني اللبناني نفسه. كما أن لديه كتلة برلمانية قوية إلى الحد الذي لم يكن من الممكن معه اتخاذ أي قرار رئيسي تقريباً دون موافقته.

وبسبب النظام السياسي اللبناني المنقسم على نفسه، كان حزب الله يتمتع بتمثيل في الحكومة، بما يعني باختصار أنه كانت لديه القدرة على شل الدولة، وقد فعل ذلك مرات عديدة.

ومع ذلك، فإن الحرب أتت على مكانة الحزب على الصعيد المحلي.

ففي يناير/كانون الثاني، انتخب البرلمان اللبناني رئيساً جديداً، هو قائد الجيش السابق جوزاف عون، بعد مأزق استمر عامين، ألقى المنتقدون فيه باللوم على حزب الله.

ففي الماضي، كان نواب الحزب وحلفاؤه ينسحبون من المجلس عند تحديد موعد للتصويت؛ لكن حزب الله المكلوم، شعر أنه لم يعد بإمكانه عرقلة العملية التي كانت تُعد حيوية للحصول على بعض الدعم الدولي.

وفي خطاب تنصيبه، وعد عون بأن يقتصر حمل السلاح في لبنان على الجيش النظامي. وعلى الرغم من أنه لم يذكر حزب الله صراحة، إلا أن الجميع فهم الرسالة.

في نهاية المطاف، قد يتوقف مستقبل حزب الله على إيران.

لقد كانت أحد أسباب قوة حزب الله في لبنان هو محاولة ردع أي هجوم إسرائيلي، لاسيما على منشآتها النووية. لكن هذا الأمر لم يعد موجوداً اليوم.

كما ضعفت الكُتل الأخرى التي تدعمها إيران في المنطقة، والتي تُعد جزءاً مما تُسميه "محور المقاومة"، الذي يضم حركة حماس في غزة والحوثيين في اليمن.

وقد أدى سقوط حكم الأسد في سوريا إلى أن يقطع على إيران ممرها البري إلى لبنان ومن ثَمَّ حزب الله. ولكن حتى لو قررت إيران إعادة تسليح حزب الله، فلن يكون بالأمر السهل.

خلفاً لنصر الله، جاء نعيم قاسم، الذي كان نائب زعيم حزب الله، والذي لم يكن شخصية بارزة أو مؤثرة. ومن وقت لآخر، ذاعت شائعات عن خلافات داخلية بين صفوف الحزب.

في جنوب لبنان، التقيتُ رجل أعمال لم يرغب في نشر اسمه خشية استهدافه على مواقع التواصل، كان يُعلّق على جدار مكتبه صوراً لقادة حزب الله، لكنه الآن بات ينتقد الجماعة.

قال لي: "الأخطاء جسيمة. قرر حزب الله أن يخوض حرباً لدعم غزة من دون حسابات دقيقة، ومن دون استشارة الشعب أو الدولة اللبنانية".

جدير بالذكر أن حرب إسرائيل على غزة أدت حتى الآن إلى مقتل أكثر من 50 ألف فلسطيني، وفقاً لوزارة الصحة في القطاع الفلسطيني.

أخبرني رجل الأعمال أن الكثير من مؤيدي حزب الله يشاركونه الرأي، قائلاً "إذا لم يُعِد حزب الله تقييم الوضع جيداً، فإنه بذلك يدمر نفسه ويلحق بنا الأذى في طريقه. نحن من جلبنا هذا الدمار، ونحن نعاني الآن".

كجزء من اتفاق وقف إطلاق النار، وافق حزب الله على سحب أسلحته ومقاتليه من جنوب لبنان، وأخبرني مسؤول دبلوماسي غربي أن الحزب قد أنجز معظم هذه المهمة. كما طُلب من إسرائيل سحب قواتها.

ومع ذلك، بقيت القوات الإسرائيلية في خمسة مواقع، قائلةً إن ذلك ضروري لسلامة سكان حدودها، كما نفذ الجيش الإسرائيلي غارات جوية على أهداف وأفراد يقول إنهم على صلة بحزب الله، الأمر الذي يراه لبنان انتهاكاً للاتفاق.

على أية حال، يبدو أن المفاوضات بشأن نزع سلاح حزب الله ستكون صعبة وطويلة.

وقد أخبرني مصدر مطلع على الحزب، أن أحد الخيارات هو وضع ترسانة حزب الله التي يُعتقد أنها ما تزال تضم صواريخ بعيدة المدى، تحت سيطرة الدولة، فيما يمكن دمج مقاتليه الذين يُقدر عددهم بعدة آلاف، ضمن الجيش اللبناني.

قال لي رجل الأعمال: "الكثير من العائلات، خاصة عائلات جرحى وشهداء المقاتلين، تعتمد اعتماداً كلياً على حزب الله. وهؤلاء لن ينفك ارتباطهم عن حزب الله في الحال. فبدون خطة، سيكون ذلك بمثابة وصفة للصراع الداخلي. سيدفع ذلك اللبنانيين إلى الاقتتال فيما بينهم".

حاولت خلال الأسابيع التالية أن أقابل ممثلاً عن حزب الله، لكن لم تُتح لي أي فرصة.

أما آدم، المصاب بانفجار جهاز البيجر، فقد عاد إلى عمله كممرض، متجنباً النوبات الليلية التي يراها غير مناسبة لحالته، بعد أن خلّف الانفجار شظايا في رأسه وصدره.

وبما أن التعب يتسرب إليه بسهولة، فهو في حاجة إلى الراحة باستمرار. كما تساعده جلسات العلاج الطبيعي في التكيّف على استخدام ما تبقّى من إبهامه وإصبعه الأوسط.

في غرفة معيشته، وضع آدم صورة لنفسه، تُظهر يداه المصابتان وهو يحمل جهاز البيجر. كما شاركني صورة أخرى ليده المشوهة وقد كُتب عليها "فِداك يا عزيز الروح"، في إشارة إلى أن جروحه كانت تضحية رخيصة فداء لنصر الله، زعيم حزب الله الراحل.

وآدم في ذلك كغيره ممن لا يزالون يؤمنون بهدف الحزب ودوره.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
بي بي سي المصدر: بي بي سي
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا