دعا عبدالله أوجلان، مؤسس حزب العمال الكردستاني، إلى إلقاء السلاح وحل الحزب لنفسه، الخميس، في دعوة وصفتها أوساط سياسية بأنها "إعلان تاريخي" صدر في اسطنبول، ويفتح صفحة جديدة في النزاع الكردي التركي.
وقال في الإعلان الذي أعده من زنزانته الانفرادية في سجنه في جزيرة إمرالي حيث يقضي عقوبته منذ توقيفه عام 1999، إن "على جميع المجموعات المسلحة إلقاء السلاح وعلى حزب العمال الكردستاني حل نفسه".
تأتي هذه الدعوة بعد أربعة أشهر من عرض أنقرة السلام على أوجلان البالغ 75 عاماً.
وتلا الإعلان وفد من نواب حزب المساواة وديموقراطية الشعوب المؤيد للأكراد الذي زاره في سجنه في وقت سابق من اليوم.
وأضاف أوجلان "أدعو إلى إلقاء السلاح، وأتحمل المسؤولية التاريخية لهذه الدعوة".
ومنذ سجنه، نشطت العديد من المحاولات لوقف النزاع المستمر منذ عام 1984 والذي خلف أكثر من 40 ألف قتيل، فيما انهارت الجولة الأخيرة من المحادثات وسط أعمال عنف اندلعت عام 2015.
وتوقفت الاتصالات إثر ذلك حتى تشرين الأول/أكتوبر عندما عرض زعيم حزب الحركة القومية المتشدد دولت بهجلي على عبد الله أوجلان بادرة سلام مفاجئة، طالباً منه نبذ العنف، وهي خطوة أيدها الرئيس رجب طيب إردوغان.
وقال إفكان علاء، نائب رئيس حزب العدالة والتنمية الحاكم، الخميس، إن تركيا ستتحرر من قيودها إذا ألقى حزب العمال الكردستاني سلاحه وحل نفسه وذلك بعد أن دعا زعيمه أوجلان الحزب إلى حل نفسه.
وفي أول رد من حزب الرئيس رجب طيب أردوغان الحاكم قال علاء إن الحكومة تتوقع أن يمتثل حزب العمال الكردستاني لدعوة أوجلان.
وفي السياق، رحبت رئاسة إقليم كردستان العراق بدعوة أوجلان، داعيةً حزب العمال إلى "تنفيذها" بشكل عملي.
وقال رئيس الإقليم نيجرفان بارزاني في منشور على منصة إكس: "نرحب بحرارة برسالة السيد أوجلان ودعوته لنزع السلاح وحل حزب العمال الكردستاني ونطلب من الحزب (...) الالتزام بهذه الرسالة وتنفيذها"، مؤكداً استعداد الإقليم "لدعم عملية السلام بشكل كامل".
وفي وقت سابق من اليوم، زار وفد من حزب المساواة وديموقراطية الشعوب جزيرة إمرالي في بحر مرمرة حيث يُعتقل أوجلان، للمرة الثالثة منذ نهاية ديسمبر/كانون الأول الماضي.
وخلال الزيارات السابقة، أعرب أوجلان عن "تصميمه" على طي صفحة النزاع، بحسب معلومات نقلتها وكالة الأنباء الفرنسية، التي نقلت عن أحد زائريه قوله: "إذا أُتيحت الظروف، فإنّ لدي القوة النظرية والعملية لنقل النزاع من ساحة العنف إلى الساحة القانونية والسياسية".
وقال نائب تونجر بكرهان، رئيس حزب المساواة وديمقراطية الشعوب، القوة الثالثة في البرمان التركي، إنّ الزعيم الكردي "يعدّ الطريق من أجل السلام".
وأضاف مؤخراً أن أوجلان "لا يريد أن يكون الأكراد أحراراً في التحدّث بلغتهم فحسب، بل يريد أيضاً أن يكون أي تعبير ديمقراطي ممكناً" في البلاد.
وكانت الحكومة التركية التي بادرت إلى هذه العملية عبر حليفها زعيم "حزب الحركة القومية التركية" دولت بهجلي، قد اقترحت إخراج أوجلان من عزلته بعد 27 عاماً في السجن.
وأدّى تمرّد حزب العمال الكردستاني الذي تصنفه أنقرة وحلفاؤها الغربيون "منظمة إرهابية"، إلى مقتل أكثر من 40 ألف شخص منذ العام 1984، بحسب ما تذكر مصادر رسمية تركية.
يقول الدكتور مهند حافظ أوغلو، الأكاديمي والباحث السياسي التركي، إن دعوة عبد الله أوجلان مؤسس حزب العمال الكردستاني إلى حل الحزب وإلقاء السلاح تعكس تطورات سياسية داخلية وإقليمية هامة.
ويوضح أوغلو في حديثه مع بي بي سي أن هناك سببين رئيسيين وراء هذه الدعوة، الأول "يتعلق بالحراك الداخلي التركي، حيث أن هناك مسعى لتغيير الدستور التركي، وهذا لا يمكن أن يتم دون مشاركة كافة الأحزاب السياسية، وهو ما يقتضي ضمان الأمن القومي التركي، وخاصة بعد أكثر من نصف قرن من الصراع مع حزب العمال الكردستاني".
أما الثاني بحسب أوغلو فهو مرتبط بما وصفها المتغيرات الإقليمية، "بدءاً من أحداث غزة وصولاً إلى تطورات الوضع في سوريا، الأمر الذي جعل الدول جميعها تدرك ضرورة حصر السلاح بيد الدولة، بما يشمل الجماعات العابرة للحدود مثل حماس وحزب الله وحزب العمال الكردستاني وقسد في سوريا".
وفيما يخص دلالات هذا الإعلان على مستقبل الصراع الكردي-التركي، يشير أوغلو إلى أن الأمر يعتمد على صدى هذه الدعوة داخل الحزب نفسه. ويضيف: "الحزب مقسوم إلى قسمين، الأول يتبع إيران والثاني يتبع ألمانيا. وإذا توافقا على هذه الدعوة، فإننا نكون قد وصلنا إلى بداية صحيحة ومنطقية. أما إذا استمرت "التحركات الإرهابية"، فالوضع سيبقى على ما هو".
وحول ما إذا تعرض أوجلان لضغوط لإصدار هذه الدعوة، يستبعد أوغلو ذلك، ويقول إن هناك تفاهمات كردية على مستوى المنطقة، لا سيما في تركيا والعراق، جعلته يدرك ضرورة وجود حل.
ويقول: "الدولة التركية لا يمكن أن تخضع لأي جماعات مسلحة مهما كانت قوتها أو حلفائها. تركيا ستبقى، حتى لو استمر الحزب 47 عاماً أخرى"، ويضيف: لو أرادت تركيا الضغط على أوجلان لكانت أغلقت هذا الملف منذ سنوات.
ويعلّق أوغلو على رد الفعل المتوقع من الحكومة التركية على دعوة أوجلان، بالقول إن الحكومة التركية لن تتحرك إلا إذا كان هناك تحرك عملي من الحزب.
ويضيف: "المطلوب هو واقع مختلف، ويُحسب لعبد الله أوجلان ما قام به لأنه رجح مصلحة المكون الكردي والدولة التركية رغم كل الأخطاء التي قام بها، وهذا يعني أن الكثير قد تغير".
وُلد أوجلان عام 1949 في شانلي أورفا، جنوب شرق تركيا، وأصبح عضواً مؤسساً لحزب العمال الكردستاني في أوائل الثلاثينيات من عمره.
درس عبدالله أوجلان الملقب بـ"أبو" (وتعني "العم" بالكردية) العلوم السياسية في جامعة أنقرة حيث تبنى الماركسية وبدأ بتشكيل الحركات الطلابية. في عام 1973، شارك في اجتماع أسس حزب العمال الكردستاني، حيث بدأ التخطيط لتأسيس دولة كردية مستقلة.
قاد الحزب إلى صراع مسلح بعد ذلك بفترة قصيرة، وأطلق تمرداً انفصالياً في عام 1984، بهدف إقامة دولة كردية في جنوب شرق تركيا.
بعد سنوات من قيادته للحزب من المنفى في سوريا، اضطر أوجلان للهرب إلى كينيا، وأُلقي القبض عليه عام 1999، وتم ترحيله إلى تركيا حيث واجه محاكمة بتهم الإرهاب، وأدين بالخيانة وحكم عليه بالإعدام.
في اليوم الذي صدر فيه حكم الإعدام، نظمت الجالية الكردية في تركيا ودول أوروبية عدة مظاهرات، تحولت بعضها إلى أعمال شغب.
وفي عام 2002، خُفف حكمه إلى السجن المؤبد نتيجة إلغاء عقوبة الإعدام في تركيا، التي كانت تسعى للتوافق مع قوانين الاتحاد الأوروبي، ويقضي أوجلان عقوبته في جزيرة إيمرالي في بحر مرمرة منذ عام 1999.
تأسس حزب العمال الكردستاني عام 1978 بعد أن ساعد عبدالله أوجلان في كتابة بيان بعنوان "الطريق الوطني للثورة الكردية" الذي أصبح لاحقاً المخطط الأساسي للحزب.
في العام التالي، تأسس الحزب رسمياً في مدينة ديار بكر التي كانت تعد مركزاً مهماً للأكراد في جنوب شرق تركيا، وانتخب أوجلان زعيماً له.
في السنوات الأولى، كان الحزب متورطاً في عمليات اغتيالات ضد شخصيات بارزة وصراعات مسلحة مع جماعات متمردة أخرى داخل تركيا.
مع تفاقم الاضطرابات الاجتماعية في أواخر السبعينات، انتقل أوجلان وبعض رفاقه إلى سوريا، حيث بدأوا تدريب المقاتلين الذين شكلوا نواة الحزب.
في 15 أغسطس/آب 1984، أطلق حزب العمال الكردستاني حملته المسلحة في تركيا، حيث شن هجمات على قوات الأمن في مناطق سييرت وهاكاري في جنوب شرق البلاد.
ورغم وصف رئيس الوزراء التركي في ذلك الوقت للمجموعة بأنها "بضع عصابات"، فإن الصراع المسلح الذي قاده الحزب أسفر عن مقتل أكثر من 40 ألف شخص في تركيا، حسب الإحصاءات الرسمية.
في عام 1993، خلال ذروة الصراع، اختطف الحزب عشرات الجنود الأتراك غير المسلحين على الطريق السريع بين ألازيغ وبينغول، وقتل 33 منهم في حادثة أثارت ضجة إعلامية واسعة. وفي نفس العام، أسفر هجوم آخر عن مقتل 33 شخصاً في إحدى القرى في محافظة إرزينجان.
خلال التسعينات، أصبح أوجلان العدو العام رقم واحد في غرب تركيا، حيث كانت وسائل الإعلام الرئيسية تصفه بـ "قاتل الأطفال"، وتحولت جنازات قوات الأمن إلى احتجاجات غاضبة ضد حزب العمال الكردستاني.
في الوقت نفسه، في شرق وجنوب تركيا، كان يُعتبر أوجلان "زعيماً" من قبل العديد من الأكراد، وكانت جنازات مقاتلي الحزب تتحول إلى مظاهرات مؤيدة له.
الأكراد هم من الشعوب الأصلية للجبال والسهول في بلاد ما بين النهرين، التي تمتد عبر جنوب شرق تركيا، وشمال شرق سوريا، وشمال العراق، وشمال غرب إيران، وجنوب غرب أرمينيا.
يُقدّر عدد الأكراد في هذه المنطقة بين 25 إلى 35 مليون نسمة. وهم يشكلون رابع أكبر مجموعة عرقية في الشرق الأوسط (بعد العرب، والفارسيين، والترك)، ولكنهم لا يمتلكون دولة قومية خاصة بهم.
لعقود من الزمن، عاش الأكراد تحت حكم الإمبراطورية العثمانية. وعندما انهارت الإمبراطورية العثمانية في نهاية الحرب العالمية الأولى، بدأ العديد من الأكراد في التفكير في إنشاء وطن خاص بهم، يُشار إليه غالباً باسم "كردستان". وقال الحلفاء الغربيون المنتصرون إنه يمكن أن يحدث ذلك في معاهدة سيفر عام 1920.
ومع ذلك، تم استبدال هذه المعاهدة في عام 1923 بمعاهدة لوزان، التي حددت حدود تركيا الحديثة ولم تتضمن أي نص بشأن إنشاء دولة كردية.
تم ترك الأكراد أقلية في جميع البلدان التي يعيشون فيها. وعلى مدار الـ 80 عاماً التالية، تم قمع جميع المحاولات التي بذلها الأكراد لإنشاء دولة مستقلة.