في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

تابع الأفغان كغيرهم تطورات الانتخابات الرئاسية الأميركية ونتائجها، إذ إن الولايات المتحدة حاضرة في مجريات الأحداث في أفغانستان منذ التدخل العسكري السوفياتي عام 1979، ومن ثم الغزو الأميركي عام 2001 والذي أدى إلى تورط أميركا في أطول حرب خاضتها خارج حدودها استمرت 20 عاما.

انتهى الغزو بانسحاب القوات الأميركية من أفغانستان في نهاية أغسطس/آب 2021 حسب الاتفاقية التي أبرمتها إدارة الرئيس الأميركي آنذاك دونالد ترامب مع حركة طالبان في العاصمة القطرية الدوحة عام 2020.

مهدت الاتفاقية الطريق لعودة طالبان إلى الحكم للمرة الثانية، وظل للولايات المتحدة دور مهم في أفغانستان كما في المنطقة.

وها هو ترامب يعود مرة أخرى رئيسا للولايات المتحدة ليثير معه التساؤلات والترقب بشأن السياسة الأميركية المرتقبة تجاه أفغانستان خلال ولايته الثانية، خاصة وأنه كان ينتقد باستمرار أداء إدارة جو بايدن في الملف الأفغاني.

انتقادات ترامب لسياسات بايدن

في أكثر من مناسبة انتقد ترامب طريقة انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان، واعتبرها غير منظمة وفوضوية، وأشار إلى أن هذه الطريقة ساهمت في تدهور الوضع الأمني بشكل سريع، وأنها أدت إلى استعادة حركة طالبان السيطرة على البلاد، وأضرت بسمعة الولايات المتحدة أمام حلفائها وأعدائها، وأن الأمر بدا وكأنه انسحاب غير منسق وعاجل.

كما اتهم ترامب إدارة بايدن بترك أسلحة وتجهيزات عسكريّة باهظة الثمن في أفغانستان، مما مكّن طالبان من الحصول على معدات متطورة كانت مملوكة للجيش الأميركي.

وطالت انتقاداته أيضا الطريقة التي أُديرت بها عمليات إجلاء المواطنين الأميركيين والحلفاء الأفغان، واعتبر أن هناك تخطيطًا ضعيفا أدى إلى خلق مشاهد مأساوية وفوضوية في مطار كابل.

فسرت هذه الانتقادات كجزء من محاولة ترامب لإبراز الفروق بين سياساته وسياسات بايدن في التعامل مع الأوضاع في أفغانستان، وتأكيده أنه لو استمرت طريقته لكانت أكثر حزمًا وتنظيمًا.

وأيضا قوبلت سياسة بايدن بانتقادات واسعة بسبب الفوضى التي رافقت الانسحاب وسقوط الحكومة الأفغانية بسرعة بيد طالبان، وقد تركزت سياسة ما بعد الانسحاب من أفغانستان على المساعدات الإنسانية وتجنب التدخل المباشر، مع استمرار عمليات محدودة مثل استهداف قادة تنظيم القاعدة عن بُعد.

كيف تنظر طالبان لعودة ترامب؟

في رد فعل اتسم بنظرة إيجابية، أصدرت وزارة خارجية حكومة طالبان بيانا مقتضبا أعربت فيه عن أملها في انتهاج الإدارة الأميركية الجديدة بقيادة دونالد ترامب سياسة أكثر واقعية تجاه أفغانستان، و"فتح صفحة جديدة في العلاقات"، مذكرة بأن "اتفاقية الدوحة تم توقيعها بين الإمارة الإسلامية والولايات المتحدة الأميركية في الولاية الأولى للرئيس ترامب".

وفي تصريح آخر، قال سهيل شاهين -رئيس المكتب السياسي لحركة طالبان في الدوحة والمرشح لمنصب ممثل أفغانستان الدائم في الأمم المتحدة- إنه مع فوز ترامب هناك فرصة لتحسين العلاقات بين الإمارة الإسلامية والولايات المتحدة الأميركية، كما عبّر عن أمله في أن يتم الاعتراف بحكومة طالبان في عهد الرئيس الجديد.

ويبدو أن طالبان تنظر إلى فوز ترامب بقدر من الحذر والتفاؤل المشوب بالتحفظ، فالحركة قد ترى في عودته للرئاسة فرصة لاستعادة سياسة تركز على المصالح الأميركية مع تجنب التدخل العسكري المباشر في أفغانستان، خاصة أن ترامب كان يميل سابقًا إلى إستراتيجيات إنهاء التورط العسكري الأميركي في الخارج وإعادة ترتيبه.

ومع ذلك قد تظل طالبان حذرة من احتمالات تغيير السياسات، إذ إن الأولويات الأميركية قد تتغير بناءً على التطورات الأمنية في المنطقة خاصة وأن أفغانستان تقع بجوار دول آسيا الوسطى، وهي منطقة النفوذ التقليدي لروسيا، كما أنها دولة مجاورة للصين وباكستان.

ويقول مصدر مطلع للجزيرة نت إنه من الصعب إطلاق القول بأن جميع قادة طالبان فرحون بعودة ترامب، ولكن من المحتمل أن تكون قيادات بارزة في الحركة، خاصة السياسيين، يرون في فوزه "فرصة لتحسين العلاقات مع الولايات المتحدة بناءً على تجربتهم السابقة خلال فترة حكمه لأنه كان قد أبدى اهتمامًا بالتفاوض مع الحركة والتركيز على تقليل التدخل العسكري الأميركي في أفغانستان ومن ثم إنهاء الحرب فيها".

ويضيف أن هناك قيادات أخرى -خاصة المقربين من زعيم الحركة- أكثر حذرًا لكونهم متخوفين من أن أي تغييرات في السياسة الأميركية قد تؤثر على استقرار حكم طالبان في أفغانستان. ولا شك في أن هذا التنوع في المواقف يعكس ديناميكيات الحركة الداخلية، وتعدد وجهات نظرها حول التعامل مع القوى العالمية وفي مقدمتها الولايات المتحدة.

مقابلة سهيل شاهين عضو المكتب السياسي لحركة طالبان مصدر الصورة سهيل شاهين: مع فوز ترامب هناك فرصة لتحسين العلاقات بين الإمارة الإسلامية والولايات المتحدة الأميركية (الجزيرة)

المعارضة بين التشاؤم والتفاؤل

وأما الأفغان المعارضون لطالبان، ومعظمهم من مؤيدي الحكومة السابقة الموالية للغرب والولايات المتحدة، فأغلبهم ينظرون إلى عودة ترامب للحكم بقلق بسبب إستراتيجيته السابقة التي تمثلت في مفاوضات مع الحركة وأدت إلى انسحاب القوات الأميركية وسقوط حكومة الرئيس محمد أشرف غني وعودة طالبان إلى الحكم.

ويرى المحلل السياسي الأفغاني أمين الله حبيبي أن أفغانستان قد لا تحظى باهتمام ترامب بسبب انشغال الإدارة الأميركية بالحروب الجارية في أوكرانيا وفلسطين ولبنان، إضافة إلى التوتر مع إيران والتنافس الشديد على النفوذ مع الصين.

ويشير حبيبي إلى احتمال آخر وهو أن ترامب لا يخفي عدم ارتياحه من النفوذ الصيني في أفغانستان، وأن إدارته قد تضغط على طالبان وتطالبهم بتطبيق كافة بنود اتفاقية الدوحة المتضمنة إجراء محادثات السلام بين الأطراف الأفغانية وتشكيل حكومة توافقية، كما قد يلجأ الرئيس الأميركي إلى قطع مبالغ المساعدات الإنسانية الأسبوعية لأفغانستان والتي تقدر بـ40 مليون دولار.

ويرى الخبير الأفغاني في العلاقات الدولية ملك ستيز أن تصرفات الرئيس ترامب أحيانا غير قابلة للتنبؤ، وأنه قد يغير موقفه من التعامل مع طالبان ويتخذ موقفا "أكثر صرامة وجدية"، وهذا ما يقلق بعض قيادات طالبان، رغم تفاؤلهم بعودته إلى البيت الأبيض، على حد تعبيره.

وذهب الكاتب الأفغاني شجاع الدين أميني، في مقال له في صحيفة "هشت صبح"، إلى القول "في البداية، من المرجح أن يتبنى ترامب موقف الحياد تجاه طالبان، متجاهلاً بشكل أساسي الوضع الحالي في أفغانستان. وإذا اضطر إلى الانخراط، فإن خياره الأكثر وضوحًا وفعالية سيكون الاقتراب من طالبان للتفاوض".

ووفقا لأميني، فمن غير المرجح أن ينخرط ترامب مع القوى المناهضة لطالبان؛ فبعد كل شيء، فما دام أن الديمقراطيين لم يسلكوا هذا الطريق، فلن يفعل ترامب ذلك أيضًا، ولن يلجأ إلى خيار ممارسة الضغط إلا إذا تم تقييم الوضع في أفغانستان على أنه تهديد خطير للمصالح الأميركية.

ويضيف الكاتب "لأن ترامب غير مهتم بقضايا حقوق الإنسان، فقد يتحالف مع الصين وروسيا وإيران بشأن مسألة أفغانستان، وقد يعزز هذا نوعًا من الإجماع بين القوى العالمية والإقليمية الكبرى، ويمكن أن يؤدي إلى الاعتراف بنظام طالبان أو الضغط عليهم لإنشاء حكومة شاملة".

ويضيف أميني "على مدى السنوات الثلاث الماضية، لم يقل ترامب كلمة واحدة عن انتهاكات حقوق الإنسان في أفغانستان، وركزت انتقاداته فقط على الأسلحة الأميركية المهدرة والنشاط الصيني المزعوم في مطار باغرام، والذي لم يقدم أدلة عليه بعد، وهو يثير هذه القضايا فقط كتكتيك ضد الحزب المنافس".

ويرى أميني أنه "على النقيض من ذلك، ينتقد الديمقراطيون، وإن كان بشكل انتقائي، طالبان أحيانًا بسبب أفعالها، وبالتالي مع عودة ترامب قد تختفي حتى هذه الجهود الضئيلة لحماية حقوق الإنسان في أفغانستان، لأنه بالنسبة لترامب تندرج قضايا مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان ضمن الشؤون الداخلية، مما يجعل التدخل الأميركي غير مبرر، وهو ما يتماشى مع تفضيلات منافسي أميركا (الصين وإيران وروسيا)".

وإزاء هذا الموقف المتشائم من عودة ترامب للبيت الأبيض، ثمة معارضون آخرون لطالبان يرحبون بفوز ترامب، ويرون أن "الرئيس الحالي بايدن تسبب في الكارثة ....