في 6 أكتوبر 1973 شن الجيشان المصري والسوري هجومًا على القوات الإسرائيلية المرابضة في سيناء وهضبة الجولان المحتلتين منذ حرب 1967. خلال الأيام الأولى للمعركة نجح الجيشان نجاحًا  في اختراق الدفاعات الإسرائيلية قبل أن تتغير مسار المعركة.

مع انتهاء الحرب تعقّد المشهد إثر نجاح إسرائيل في استرداد أغلب ما خسرته من أراضٍ على الجبهة السورية أما في سيناء فعجزت عن ردِّ القوات المصرية المتمركزة شرق القناة، لكن 3 فرق عسكرية إسرائيلية نجحت في عبور القناة غربًا والتسلل إلى ظهر القوات المصرية، حيث فرضت حصارًا على الجيش الثالث ومدينة السويس.

على الجبهة المصرية انتهت تلك الأوضاع المعقدة في 28 أكتوبر الذي شهد توقف القتال نهائيًا وبداية المباحثات العسكرية بين الطرفين، التي انتهت بتوقيع اتفاقية فض الاشتباك؛ لاحقًا تطوّرت المباحثات بين البلدين إلى توقيع اتفاقية كامب ديفيد 1978، التي أسّست لإنهاء حالة الحرب ودشّنت علاقة سلام بين البلدين استمرّت حتى يومنا هذا.

وفي الشهر نفسه لكن بعد نحو 5 عقود، وتحديدا يوم 7 أكتوبر 2023، شنّت حركة حماس، المصنفة جماعة إرهابية، هجومًا مباغتًا على عددٍ من المناطق الإسرائيلية القريبة من غزة، مما أسفر عن مقتل 1140 شخصا، معظمهم من المدنيين، وفق بيانات حكومية إسرائيلية، بجانب اختطاف قرابة 250 رهينة أفرج عن 110 منهم ولايزال الباقون رهن الاحتجاز أو قتلوا.

بعد مرور عامٍ كامل على هجمات أكتوبر واتساع رقعة المواجهات العسكرية لتشمل غزة ولبنان واليمن وأخيرًا إيران، زادت ضغوط المجتمع الدولي لوقف التصعيد وخوض مباحثات دبلوماسية لتحقيق هدنة على الجبهات الساخنة، وهو مطلب لم يتحقق حتى اللحظة.

في هذا التقرير نرصد مدى إمكانية تكرار "سيناريو 1973" على أوضاع اليوم؛ هل يُمكن أن تفضي الحرب المشتعلة حاليًا إلى اتفاق سلاح يُنهي القتال الدائر بين الأطراف المتصارعة ويفرض سلامًا يدوم لعقود؟

أوجه تشابه مذهلة ولكن

القاضي إلياكيم روبنشتاين، النائب الأسبق لرئيس المحكمة العليا في إسرائيل الذي كان عضوًا في فريق بلاده خلال مباحثات كامب ديفيد، أكد لموقع "الحرة" وجود "تشابه حزين" بين الحدثين، وهو المفاجأة التي تعرضت لها إسرائيل في بداية الحرب.

وقال روبنشتاين: "استغلَّ السادات التأثير النفسي المطلوب كـ"بطل للعبور" كي يواصل طريق السلام الذي وجد فيه شريكًا مناسبًا هو إسحاق رابين رئيس الوزراء، الذي وقّع معه اتفاقية كامب ديفيد التي كان من فخري المشاركة في الإعداد لها".

وبحسب النائب الأسبق لرئيس المحكمة العليا في إسرائيل، فإن الحرب الحالية "مختلف تمامًا" لأن العدو "منظمة إرهابية قاسية تتبنى أيدولوجية (إبادة إسرائيل)، إنها لا تشبه الحكومة المصرية إطلاقا".

ويتابع: "في الوقت الذي أتمنّى فيه إحياء عملية السلام بيننا وبين الفلسطينيين، فإن حماس لا يمكن أن تكون شريكًا أبدًا، ولكن ربما تفتح التغييرات بعد الحرب الباب للتفاوض مع (الفلسطينيين العقلاء)، الطريق بعيد، لكننا ينبغي ألا نيأس أبدًا".

أما أورين باراك، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة العبرية بالقدس، فقال لموقع "الحرة": "هناك أوجه تشابه كبيرة بين ما جرى في حرب 1973 وهجوم السابع من أكتوبر".

بعدها شرح قائلاً إن الحالتين شهدتا وصول المفاوضات الدبلوماسية بين الطرفين إلى مسارٍ مسدود بسبب توهّم إسرائيل -باعتبارها الأقوى عسكريًا- أن فرض حالة "لا سلام لا حرب" يُمكن أن يستمر إلى ما لانهاية، لكن في المرتين نجح الطرف الأضعف عسكريًا (مصر أو حماس) في إثبات أن إسرائيل ستدفع ثمنًا باهظًا لو ظلّ ذلك الوضع قائماً.

من حرب 73.

لكن على الجانب الآخر عدّد أستاذ العلوم السياسية الاختلافات بين المشهدين هو أن مصر وإسرائيل تصارعتا في صحراء سيناء التي شكّلت ما يشبه منطقة عازلة بين المجتمعين، أما في الحالة الفلسطينية فإن الصراع يجري بين قوتين متجاورتين، وهو ما يزيد الأمر صعوبة.

كذلك فإنه في الأيام الاخيرة لحرب 1973 استعادت إسرائيل شيئًا من عافيتها العسكرية إلا أن مصر لم تخسر كثيرًا من مكاسبها بعكس ما يجري اليوم، فلقد نجحت إسرائيل في استعادة زمام المبادرة بعد الضربة المروعة التي تعرضت لها، ونجحت في تدمير العديد من القدرات العسكرية لحماس جعلت الجانب الإسرائيلي يعتقد أنه قادر على إجبار الفلسطينيين على تقديم المزيد من "التنازلات المؤلمة"، بحسب أورين.

واعتبر أستاذ العلوم السياسية أنه لا يُوجد حل منطقي لإنهاء هذا الصراع إلا إقامة دولتين بسيادة مطلقة، وهو الهدف الذي يجب أن يسعى لتحقيقه المعتدلون عند الطرفين.

الظروف السياسية مختلفة

في حديثه مع موقع "الحرة"، استبعد أستاذ العلوم السياسية، طارق فهمي، وقوع مثل هذا السيناريو، مؤكدًا اختلاف الظروف التاريخية والاجتماعية بين الحربين.

"في 1973 واجه الإسرائيليون جيشًا وطنيًا جيد التسليح قادر على الدفاع عن أرضه، وكانت هناك حالة كاملة من التضامن العرب مع مصر بدءًا من الدعم المالي والعسكري وحتى إصدار قرار حظر النفط ضد الدول الداعمة لإسرائيل"، يقول دكتور فهمي.

وأكد أستاذ العلوم السياسية أن الوضع الحالي مختلف تمامًا، فإسرائيل لا تواجه جيشًا مسلحًا وإنما مجموعة من الفصائل الفلسطينية التي لا تُجمع حتى الدول العربية على تأييدها، ثم تابع فهمي أن الظرف السياسي العالمي في السبعينيات أتاح نوعًا من المرونة لمصر من خلال إقحام القطبين الكبيرين، الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، في الأزمة والتدخل المباشر لفرض السلام على المنطقة.

يُذكر أن يوم 24 أكتوبر 1973، كاد أن يشهد حربًا عالمية بعدما انتقد السوفييت رفض إسرائيل تنفيذ قرار مجلس الأمن بوقف إطلاق النار، فهددّت موسكو بالتدخل عسكريًا لإجبارها على الامتثال للقرار، خطوة ردّت عليها واشنطن برفع درجة الاستعداد النووي في قواعدها العسكرية.

كاد تأزّم الأمور بين مصر وإسرائيل أن يقود لحربٍ مباشرة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، لكن الأيام التالية شهدت انفراجة في الأوضاع وبدأت مصر وإسرائيل مفاوضاتهما المباشرة لفض الاشتباك الأولى.

وبحسب أستاذ العلوم السياسية، فإن "حرب أكتوبر" أقنعت إسرائيل بأنه من المستحيل الاطمئنان لحسم الوضع عسكريًا لصالحها في الشرق الأوسط بعد نجاح مصر في إعادة بناء جيشها بشكلٍ صحيح، مكّنه من إحراز التفوق عليها خلال أيام الحرب الأولى ومقارعتها ندًا بند طيلة الأيام الباقية، لذا فإنها كانت على استعداد للدخول في مفاوضات "تحيّد" مصر وتجنّب أي مواجهة عسكرية معها في المستقبل.

أما الآن فلقد تغيّر الوضع تمامًا في ظل الدعم الغربي الكامل لإسرائيل الذي منحها تفوقًا عسكريًا كبيرًا في جبهات القتال، وبالتالي فإن حكومة نتانياهو على قناعة بأنها قادرة على حسم الأمر بالقوة وحدها، وحتى اللحظة فإن إسرائيل لم تتعرض للحجم الكافي من الضغوط والخسائر الذي يُجبرها على الانخراط الفعّال في مفاوضات سلام تقدم فيها بعض التنازلات، بحسب فهمي.

كما أن الدول العربية لم تُظهر من التضامن مع الفصائل الفلسطينية وخاصة حماس ما أظهرته سابقًا في 1973، ولم تستخدم أدواتها الضاغطة القصوى لإنهاء القتال لأسباب كثيرة أهمها، بحسب فهمي، ارتباط حماس بإيران ووجود حالة من العداء المتراكمة بين الأنظمة العربية وبين الفصائل المسلحة المدعومة من إيران -كالحوثيين وحزب الله- والتي تقود العمليات القتالية ضد إسرائيل هذه الأيام.

وخلال حديثه لموقع "الحرة"، أضاف المتخصص في تاريخ الدبلوماسية الأميركية في الشرق الأوسط، بيرت هان، بُعدًا إضافيًا للاختلاف بين المشهدين، وهو انخفاض الخسائر في صفوف المدنيين خلال حرب 1973، التي تصادم فيها الجيشان النظاميان في منطقة صحراوية بعيدة عن العُمران.

أما ما جرى في 202 ....