"شهدنا تنامياً للتمييز العنصري ضدنا كعرب منذ بداية الحرب.. لقد صار أضعافاً"، تقول الشابة الثلاثينية آية، التي تسكن مدينة حيفا في شمال إسرائيل، وتعيش مع زوجها وطفلها الرضيع داخل حي مختلط الأديان والجنسيات في المدينة المطلّة على البحر الأبيض المتوسط، التي مثّلت لسنوات نموذجاً للتعايش المشترك بين العرب واليهود.

بالنسبة لآية، كانت حيفا دوماً مدينة مسالمة، فيها مكان لمختلف الأعراق والأديان وتنوع الآراء السياسية دون أن يتعرض أحد للآخر بسبب اختلافاته الفكرية والقومية، إلا أن الحرب في قطاع غزة وما رافقها من تصعيد عسكري على جبهات عدة في الضفة الغربية والقدس وعند الحدود الشماليّة "غيّرها" ولم تعد الأمور لسابق عهدها منذ السابع من أكتوبر العام الماضي.

رموز اليهودية والمسيحية والإسلام أمام مبنى في مدينة حيفا الإسرائيلية.

في هذا التاريخ، شنّت حركة حماس وفصائل فلسطينية مسلحة أخرى هجوماً دامياً على مستوطنات غلاف غزة، أطلقت عليه "طوفان الأقصى".

أدّى الهجوم إلى مقتل 1205 أشخاص معظمهم من المدنيين، وفق تعداد لوكالة فرانس برس يستند الى أرقام إسرائيلية رسمية. وبين الضحايا رهائن قتلوا خلال احتجازهم في قطاع غزة، وهم من بين 251 رهينة خُطفوا في ذلك اليوم من جنوب إسرائيل.

وتعهّدت إسرائيل ردّا على الهجوم بـ"القضاء" على حماس. ومنذ ذلك الحين، تسبّبت العمليات العسكرية الإسرائيلية والقصف العنيف المتواصل على قطاع غزة بمقتل أكثر من 41400 شخص معظمهم من المدنيين، وفق وزارة الصحة التابعة لحركة حماس.

وبحسب الجهاز المركزي للإحصاء في الأراضي الفلسطينية، قُتل خلال عام كامل من الحرب 41825 شخصاً في قطاع غزة، بينهم 16891 طفلاً، و11458 امرأة، فيما قتل في الضفة الغربية 742 شخصاً بينهم 160 طفلاً.

ومن بين ضحايا الحرب في غزة، قُتل 174 من الطواقم الصحافية و986 من الطواقم الطبية، و203 من العاملين في منظمة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) و85 من طواقم الدفاع المدني، وفق بيانات الإحصاء المركزي.

ولا يزال هناك 10 آلاف مفقود في قطاع غزة، حوالي نصفهم من الأطفال والنساء.

ولم تنجح أشهر طويلة من المفاوضات بوساطة أميركية وقطرية ومصرية في وقف الحرب. ومنذ أيام، تصاعدت المواجهة بين حزب الله وإسرائيل، وتكثفت التحذيرات من اشتعال الشرق الأوسط.

حيفا.. "عنصرية وخوف"

في يونيو الماضي، أفاد تقرير لوكالة فرانس برس، أن الأقلية العربية التي تشكل 20 في المئة من مجموع سكان إسرائيل، تتعرض لضغوط كبيرة بسبب تزايد جرائم الكراهية والإجراءات "غير العادلة" للشرطة الإسرائيلية، وفق منظمات حقوقية محلية.

وقال المركز القانوني لحقوق الأقلية العربية في إسرائيل (عدالة)، إن الشرطة "اعتقلت بين 7 أكتوبر حتى 27 مارس أكثر من 400 شخص من العرب بتهم تتعلق بالتعبير، وتقول الشرطة إنها ترقى إلى مستوى التحريض على الإرهاب".

وأضاف أن "الحملة على حرية التعبير خلقت وضعا لا يستطيع معه العرب في إسرائيل، الاحتجاج أو التعبير عن آرائهم بحرية".

آية التي تحتك بشكل شبه يومي مع إسرائيليين يهود، وتعيش في حيّ مختلط، تحاول للأسباب المذكورة النأي بنفسها عن النقاشات السياسية أو التعبير عن تعاطفها مع أهالي غزة عبر مواقع التواصل، تقول "لديّ طفل.."، إلا أنها لا تسلم من "الاستفزاز العنصري" كما تصفه.

تُحدث موقع "الحرة" عن مواقف عديدة مرّت بها وهي مع رضيعها، سواء في داخل عيادة الأطفال أو الحديقة القريبة من منزلها حيث تأخذ طفلها للعب. تقول "تتعالى أصوات اليهود حولي بمجرد سماعهم لي أتكلم اللغة العربية مع ابني، إما عن طريق تناول شديد اللهجة للأخبار المتعلقة بالسابع من أكتوبر أو باغتيال شخصيات فلسطينية، أو الغناء بصوت عال قربي واستفزازي".

تتجنب الرد أمام مظاهر مشابهة تكررت في حياتها طيلة عام الحرب، وبحُرقة في صوتها الذي يأتي عبر رسائل واتساب صوتية، نسمع إلى جانبها همهمات طفلها الصغير عندما تقول "اضطررت لمغادرة حديقة الأطفال بعد أن قام يهودي بغناء أغنية كلماتها عنصرية ضد العرب بجانبي وتوجيه نظراته لي ولابني".

في أحدث واقعة ترويها آية، كان أن قامت جارتها اليهودية في الحي الذي يسكنه الكثير من العرب، بإشعال الأغاني الاحتفالية بعد العاشرة ليلاً، حين تم الإعلان عن اغتيال الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله، والغناء معها بصوت عال. "طفلي ينام في الثامنة مساء. تلك الليلة استيقظ مرات عديدة، وبقيت هي ساعتين من الزمن تغني وترفع صوت الموسيقى، دون أن يعترض أحد منّا".

المعبد البهائي في حيفا

"هذه أرضنا، مكانك ليس بيننا.. إنها ليست بلدك" رسائل تصلها في حديث اليهود الذين "يستفزّون" آية، تقول "أتقن العبرية لكن طبعاً مهما كانت لغتي سليمة، يميّزون أنني عربية"، وواصفة ما تتعرض له من قبل اليهود بالتصرفات "العدوانية" وهو أمر لم تعهده قبل الحرب في حيفا.

تصف آية المدينة الشاطئية التي تحتضن معبد البهائيين المُدرج في قائم "اليونسكو" للتراث العالمي: "قبل الحرب في غزة كان سكان حيفا أكثر ميلا للنزعة المسالمة، والاختلاط بين اليهود والعرب ومختلف الجنسيات والأعراق دون أن يتعرض أحد للآخر، فكل لديه آراؤه السياسية ومعتقداته الدينية بعيداً عن العنف والعنصرية، لكن العنصرية ظهرت بشكل مضاعف جداً جداً".

وكلما طالت مدة الحرب، زاد تأثيرها السلبي على حياة العرب في إسرائيل، كما تقول آية.

عرب إسرائيليون يتعرضون للملاحقة أو الطرد بسبب منشورات عن غزة
تعرض عدد من عرب إسرائيل والفلسطينيين في القدس الشرقية المحتلة لطرد من العمل أو الجامعة أو السجن بسبب منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي تتضامن مع قطاع غزة، في ظل الحرب المتواصلة بين حركة حماس وإسرائيل منذ 13 يوما، وفق شهادات وبيانات للشرطة الإسرائيلية.

دالية الكرمل.. ع ....