تعتبر "رؤية السعودية 2030" اليوم، واحدة من أكثر الخطط التنموية الطموحة والشاملة التي يشهدها العالم في القرن الحالي، لما تتضمنه من مشاريع ذات تأثير واسع، تشكل جزءا من مستقبل العالم الحديث ومعلما من معالم تشكّله، فيما لو تحققت، خاصة مع ما تقدمه من نماذج اقتصادية واجتماعية وثقافية وتكنولوجية وبيئية، من شأنها أن تؤسس لمعايير عالمية جديدة ومستدامة للرفاهية وأسلوب العيش وجودة حياة السكان.

هذه الرؤية وضعت البلاد المعتمدة تاريخيا على ثرواتها النفطية الضخمة، أمام تحديات مرحلة انتقالية غير مسبوقة، تتخلى فيها عن كل ما سبق واعتادت عليه من أسلوب حياة ومفاهيم ثقافية واجتماعية واقتصادية، فضلا عن الأداء الحكومي، تحضيرا لمرحلة الاستغناء عن النفط كمورد رئيسي للإيرادات ومصدر أول للطاقة، وكهوية اقتصادية للسعودية، حتى باتت إحدى مسميات الرؤية المستخدمة "خطة ما بعد النفط"، في تجل واضح لأهدافها.

لكن في المقابل، جعلت هذه الرؤية من السعودية محط أنظار العالم، ووضعتها تحت مجهر المراقبة والنقد، لاسيما مع تاريخها السابق المثير للجدل، لناحية احترام حقوق الإنسان والانفتاح الثقافي وحرية التعبير والفساد الإداري والهدر المالي في المشاريع، فضلا عن الطموح الكبير الذي تحمله الرؤية ويجده المراقبون "مبالغ فيه"، وتتحدث تقارير فنية عن "استحالة تحقيقه" بالظروف القائمة.  

الخطة التحولية التي انطلقت مع تولي الملك سلمان بن عبد العزيز للحكم ووصول نجله محمد بن سلمان إلى ولاية العهد وتسلمه السلطة التنفيذية، والتي أُطلقت في 25 أبريل 2016، تهدف بشكل رئيسي للوصول إلى 3 عناوين عريضة تشكل ركائز الرؤية وهي: "اقتصاد مزدهر، مجتمع حيوي، ودولة طموحة". 

عبر هذه الركائز تسعى السعودية وفق ما تعلن لـ"تعزيز نقاط قوتها"، عبر الاستفادة من موقعها الجغرافي "الإستراتيجي"، و"قوتها الاستثمارية"، ومركزها وحضورها بين الدول العربية والإسلامية، فضلا عن مواردها الغنية والمتنوعة، حسب تعريف موقعها.

لكن "نقاط القوة" هذه، هي نفسها التي تحمل للسعودية التحديات التي تواجه رؤيتها، وقد تتحول في أي حظة لنقاط ضعف تطيح بالرؤية وطموحاتها، إن من الناحية الجيوسياسية وما تمثله السعودية في محيطها وتأثرها به، أو من الناحية الاقتصادية ومدى قدرتها على تحقيق الأهداف وجذب الاستثمارات التي تعتمد عليها لتمويل رؤيتها، كذلك بالنسبة لسياساتها الداخلية وتجاوب المجتمع السعودي ومدى القدرة على تلبية طموحاته. 

ماذا تحقق حتى الآن؟

وبدأت السعودية بتنفيذ إصلاحات جوهرية وعميقة انطلاقا من هويتها الثقافية والاجتماعية، وانتقلت للاقتصاد، والسياسة والتعليم.

 إصلاحات شملت القطاع العام والأعمال الحكومية، وخلقت فرصا استثمارية جديدة، وزادت من حضورها ومشاركتها العالمية، كما رفعت نسبيا من جودة حياة سكانها، وعملت على ادراج إصلاحات قانونية وثقافية تعزز من حضور جميع الفئات الاجتماعية في الحياة العامة ولاسيما النساء والفئات الشابة. 

خفايا سباق التغيير.. هل استخدمت السعودية النساء لـ"غسل" صورة المملكة؟
ارتبط واقع المرأة السعودية بالمسار المستقبلي الذي ترسمه المملكة لنفسها، وتقدمه للعالم عبر رؤية 2030، بعدما شكلت التغييرات الاجتماعية النوعية التي طرأت على واقع النساء، نقطة انطلاق للرؤية الجديدة للسعودية، ودليلا على جدية المشروع وما يحمله من تغييرات. 

على الصعيد الاجتماعي، سجلت المملكة تحسنا لناحية مستوى المعيشة وتوفير الخدمات الأساسية، شملت تطويرا كبيرا في البنية التحتية وتوفير فرص ترفيهية أوسع وأكثر شمولا.

وبدأت نتائج تعزيز مشاركة المرأة في جميع المجالات بالانعكاس على حضورها في أسواق العمل والحياة العامة، على الرغم من الانتقادات الحقوقية الواسعة للسعودية بسبب اعتقالها للناشطات وتقييدها لحرية التعبير عبر وسائل التواصل.

ووسعت المملكة استثماراتها الترفيهية واتاحتها بصورة أوسع أمام الجمهور وزوار المملكة، لتشمل قطاعات مختلفة، مثل الرياضة والفنون والمواقع الطبيعية والأثرية والتراثية، فضلا عن السينما والمسرح والموسيقى والتكنولوجيا، الأمر الذي بات ينعكس تغييرات جوهرية في الثقافة الاجتماعية.

كذلك، قطعت المملكة شوطا طويلا في تحقيق هدفها بتعزيز التسامح والقبول بين مختلف فئات المجتمع، وكان آخر تحديث مرصود للمناهج التربوية في السعودية دليلا ملموسا على حجم التقدم المحقق.

"اعتدال وتسامح وأقل عداء لإسرائيل".. أبرز التغييرات في مناهج التعليم السعودية
تشكل المناهج التربوية واحدة من أهم عناصر الاستدلال حول توجه الدول ورؤيتها المستقبلية، لاسيما وانها تعتبر حجر الأساس لتوعية وثقافة الأجيال الناشئة، فضلاً عن كونها أول تماس لهم مع السياسات الحكومية في البلاد ونظرتها الرسمية للشؤون والقضايا الداخلية والخارجية.

ويعتبر الجانب الثقافي من أنشط الجوانب التي تشهد بدورها تطورا وتغييرات، حيث تبذل السعودية جهودا كبيرة في دعم الحركة الثقافية وتشجيع الإبداع، وذلك في سياق هدف إتاحة الفرص للجميع في المشاركة بالفعاليات الثقافية

وبكونها رؤية واسعة وشاملة، قد يكون من الصعب إحصاء المشاريع المنفصلة في إطارها، نظرا لعددها الكبير وتشعبها وامتدادها على كافة المجالات والقطاعات في المملكة.

إلا أن التقرير السنوي 2023 الذي يعده المشرفون على الرؤية، يظهر أن 87 في المئة من المبادرات البالغة 1,064 للعام 2023، "مكتملة أو تسير على المسار الصحيح"، في حين قدرت مؤشرات الأداء الرئيسة لعام 2023 بـ 243 مؤشرا، حقق 81- في المئة من مؤشرات الأداء للمستوى الثالث مستهدفاتها، إذ تحقق 197 مؤشرا بشكل كامل، منها 21 مؤشرا حقق مستهدفه، بينما 176 مؤشرا تخطى مستهدفه فيما تخطت 105 مؤشرات مستهدفاتها المستقبلية لعامي 2024/ 2025، حسب التقرير.

ويرصد موقع رؤية 2030، مسار تقدم أبرز المؤشرات المعتمدة، والمقسمة على ركائز الرؤية الـ 3 (اقتصاد مزدهر، مجتمع حيوي، دولة طموحة). 

مجتمع حيوي

وتظهر النتائج الرسمية تحقيق السعودية للعديد من أهدافها في سياق سعيها للارتقاء بجودة الحياة، حيث ارتفع معدل متوسط العمر المتوقع إلى 78.10 سنة، وتخطت نسبة التجمعات السكانية المغطاة بالخدمات الصحية مستهدف عام 2023 بنسبة 96.41 في المئة، وحقق قطاع الإسكان العديد من الأرقام الرامية إلى تعزيز توافر الخيارات السكنية لمختلف فئات المجتمع، وبلغت نسبة تملك المواطنين مساكنهم 63.74 في المئة. 

وارتفعت كذلك نسبة الأشخاص البالغين الذين يمارسون النشاط البدني وباتت تقدر بـ 62.3 في المئة. 

وسجَّلت السعودية زيادة تاريخية في أعداد المعتمرين من الخارج، وفي مجال السياحة أصبحت السعودية في المركز الثاني بنسبة نمو السياح الدوليين.

وبلغ عدد المواقع التراثية السعودية المدرجة لدى اليونسكو 7 مواقع، مما يجعل السعودية على بعد موقع واحد من تحقيق هدف رؤية 2030 البالغ 8 مواقع. 

وطن طموح 

وتسعى السعودية لتحقيق مفهوم الدولة الطموحة، عبر بناء "حكومة فعالة وذات كفاءة عالية"، وتعزيز سيادة القانون ومكافحة الفساد، إلى جانب ترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة.

وتقدم مؤشر الفاعلية الحكومية ليصل إلى 70.8 درجة للعام 2023. 

وتقدمت السعودية إلى المرتبة الـ 31 على مؤشر الأمم المتحدة لتطوير الحكومة الإلكترونية، بينما تهدف لتكون في المرتبة الخامسة عام 2030. 

....