في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

الماء ليس مجرد مشروب نلجأ إليه عند الشعور بالعطش، بل هو عنصر أساسي للحياة ووسط تجري فيه عمليات حيوية لا حصر لها داخل الجسم. فمن خلاله تنتقل المغذيات والأكسجين، وتتخلص الخلايا من الفضلات، وتستمر التفاعلات الكيميائية التي تحافظ على عمل الأعضاء وتوازن الجسم.

ويحدث الجفاف عندما يفقد الجسم من الماء أكثر مما يحصل عليه، وقد يترافق ذلك مع فقد أو اضطراب في الصوديوم وغيره من الشوارد، خصوصا مع التعرق الشديد أو القيء والإسهال.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 دواء يعالج أثرا آخر.. كيف تحمي نفسك من فخ "السلسلة الدوائية"؟
* list 2 of 2 شتاء جديد يفتح أبواب الأمراض والأوبئة في غزة end of list

لكن ينبغي التمييز بين العطش والجفاف، فالعطش إشارة فسيولوجية تدفع الإنسان إلى الشرب، أما الجفاف فهو حالة يكون فيها نقص السوائل قد بدأ بالفعل. كما أن العطش لا يكون دائما مؤشرا مبكرا وموثوقا، خصوصا لدى كبار السن.

مصدر الصورة فقد السوائل الشديد قد يخفض ضغط الدم ويؤدي إلى صدمة نقص حجم الدم (أدوبي ستوك)

الماء.. البيئة التي تنبض فيها الحياة

الدم واللمف والسائل المحيط بالخلايا والسوائل الموجودة داخلها، كلها بيئات مائية تؤدي أدوارا أساسية في نقل المغذيات والأكسجين والفضلات وإتمام التفاعلات الكيميائية الحيوية.

فالدماغ يحتاج إلى الماء لإتمام عملياته الأيضية، والقلب يعتمد على حجم مناسب من الدم لمواصلة الضخ، والرئتان تحتاجان إلى أسطح رطبة لتبادل الغازات، والكليتان تستخدمان الماء لتنظيم الشوارد والتخلص من الفضلات، فيما يحتاج إليه الجهاز الهضمي للهضم والامتصاص.

كما تعتمد العضلات والأعصاب على توازن الماء والشوارد لتوليد الإشارات الكهربائية والانقباض والحركة.

ومن ذرتي هيدروجين وذرة أكسجين يتشكل هذا الجزيء البسيط في تركيبه، لكنه بالغ الأهمية إلى درجة أنه يمثل شرطا أساسيا للحياة كما نعرفها.

كيف يعرف الجسم أنه يحتاج الماء؟

تبدأ منظومة العطش قبل أن نمد أيدينا إلى كوب الماء. فعندما ترتفع أسمولية الدم، أي تركيز المواد الذائبة فيه، تلتقط مستقبلات متخصصة هذا التغير. كما تستشعر مستقبلات أخرى انخفاض حجم الدم أو الضغط في الدورة الدموية.

إعلان

وتصل هذه الإشارات إلى مناطق في الدماغ، من بينها الوطاء الذي يؤدي دورا محوريا في تنظيم توازن الماء، فتتولد الرغبة في الشرب.

وفي الوقت نفسه يزداد إفراز الهرمون المضاد لإدرار البول "فازوبريسين"، الذي يدفع الكليتين إلى زيادة إعادة امتصاص الماء، فينخفض فقده مع البول ويصبح البول أكثر تركيزا.

وهكذا يعمل الجسم على مسارين متزامنين: يدفعنا إلى البحث عن الماء، ويحاول الاحتفاظ بما لديه إلى أن تصل إليه السوائل التي يحتاجها.

مصدر الصورة الحرارة تزيد من فقد السوائل في الجسم عبر التعرق (بيكسلز)

من رشفة ماء إلى خلية حية

بعد شرب الماء يبدأ امتصاصه عبر الجهاز الهضمي، ثم يتوزع بين الدم والسائل المحيط بالخلايا وداخل الخلايا، وفقا لتوازن دقيق تحكمه حركة الماء والمواد الذائبة.

ولا تتشابه تراكيز الشوارد على جانبي غشاء الخلية، فالصوديوم أعلى تركيزا خارج الخلية، بينما يتركز البوتاسيوم بدرجة أكبر داخلها. وهذه الفروق ضرورية للحفاظ على حجم الخلية ووظائفها الكهربائية وقدرتها على التواصل.

ومن أبرز الآليات التي تحافظ على هذا الاختلاف "مضخة الصوديوم والبوتاسيوم"، التي تنقل في كل دورة 3 أيونات صوديوم إلى خارج الخلية مقابل أيونين من البوتاسيوم إلى داخلها، مستهلكة جزيئا من الطاقة الخلوية.

هذه الهندسة الدقيقة ضرورية للحفاظ على التوازن الأسموزي والجهد الكهربائي للخلايا. وعندما يترافق الجفاف الشديد مع اضطرابات كبيرة في الشوارد، قد تظهر أعراض مثل الضعف والتشنجات واضطراب الوعي، وقد تتأثر ضربات القلب ووظائف الأعضاء الحيوية.

أعراض الجفاف


* العلامات المبكرة: العطش، وجفاف الفم، والصداع، والتعب، وضعف التركيز، وقلة البول أو تحوله إلى لون أغمق من المعتاد.
* الأعراض المتقدمة: مع زيادة فقد السوائل قد تظهر الدوخة والضعف وتسارع ضربات القلب وانخفاض كمية البول، في محاولة من الجسم للحفاظ على حجم الدورة الدموية وتروية الأعضاء الحيوية.
* الجفاف الشديد: الارتباك والإغماء والضعف الشديد وانخفاض البول بصورة كبيرة أو انعدامه، إلى جانب تسارع النبض والتنفس وبرودة الأطراف، وهي علامات تستدعي تقييما طبيا عاجلا.

ما الذي يزيد خطر الجفاف؟


* العوامل البيئية: ترفع الحرارة فقد الماء عبر التعرق، كما تزداد خسارة الماء في بعض البيئات الجافة والمرتفعات، لذلك ينبغي الانتباه إلى الترطيب خلال موجات الحر والسفر والعمل في الظروف المناخية القاسية.
* المجهود البدني: يفقد الجسم في أثناء النشاط الماء والصوديوم مع العرق، وتزداد الخسارة مع طول مدة المجهود وارتفاع الحرارة. وقد يحتاج من يتعرق لساعات إلى تعويض الماء والشوارد معا.
* الأسباب الطبية: يعد القيء والإسهال والحمى من أبرز أسباب فقد السوائل، كما قد تزيد بعض الأدوية، وخصوصا مدرات البول، من خسارة الماء.
* نمط الحياة: تسهم القهوة والشاي وغيرهما من المشروبات المحتوية على الكافيين في إجمالي السوائل اليومية عند تناولها باعتدال، ولا تسبب عادة الجفاف لدى المعتادين عليها. لكن الإفراط في المشروبات شديدة السكر أو الكافيين ليس وسيلة مثالية للترطيب، ولا ينبغي أن يحل محل الماء بصورة دائمة. مصدر الصورة الجفاف يحدث عندما يفقد الجسم من السوائل أكثر مما يستطيع تعويضه (بيكسلز)

من الأكثر عرضة؟


* الرضع والأطفال: يمكن أن يفقدوا الماء والشوارد بسرعة خلال القيء والإسهال، وقد يتطور الجفاف لديهم خلال وقت قصير.
* كبار السن: قد تضعف لديهم استجابة العطش، كما تزيد الأمراض المزمنة وصعوبة الحركة وبعض الأدوية من خطر الجفاف.
* أصحاب الأمراض المزمنة: يؤدي ارتفاع سكر الدم أحيانا إلى زيادة فقد الماء عبر البول، في حين قد يحتاج مرضى القلب أو الكلى إلى تقييد السوائل، ولذلك لا توجد كمية واحدة مناسبة للجميع.

ماذا يفعل نقص الماء بالجسم؟


* على المدى القصير: قد يرتبط نقص السوائل بالصداع والتعب وضعف الانتباه والأداء الذهني، ويزداد تأثيره مع الحرارة والمجهود البدني.
* على الجهاز الهضمي والبولي: يؤدي نقص الماء إلى بول أكثر تركيزا، فيما يعد شرب كمية مناسبة من السوائل من أهم وسائل خفض خطر بعض أنواع حصوات الكلى. كما قد يسهم نقص السوائل في الإمساك لدى بعض الأشخاص.
* المضاعفات الخطيرة: قد يؤدي فقد السوائل الشديد إلى انخفاض حجم الدم وضغطه وتراجع وصوله إلى الأعضاء، وصولا إلى صدمة نقص حجم الدم. كما يمكن للاضطراب الشديد في الصوديوم وغيره من الشوارد أن يؤدي إلى أعراض عصبية وتشنجات.
* البشرة: قد يترافق نقص السوائل الواضح مع جفاف الجلد، لكن شرب كميات إضافية من الماء لدى الشخص الذي يحصل بالفعل على حاجته لا يضمن وحده بشرة أكثر ترطيبا. فالحاجز الجلدي والعناية الموضعية والتغذية والحماية من الشمس عوامل أكثر تعقيدا، كما أن الأدلة على فائدة زيادة الماء للبشرة ما تزال محدودة.
إعلان

كيف نحمي أنفسنا؟


* قاعدة 8 أكواب: ليست قانونا طبيا ينطبق على الجميع. فالاحتياج إلى الماء يختلف بحسب العمر وحجم الجسم والطعام والنشاط والمناخ والحالة الصحية، كما يحصل الجسم على الماء من المشروبات والأطعمة أيضا.
* الاحتياج الشخصي: تستخدم بعض التقديرات السريرية أرقاما تقارب 25 إلى 35 مليلترا من السوائل لكل كيلوغرام من وزن الجسم يوميا في ظروف معينة، لكنها ليست معادلة عامة تحدد كمية الماء التي ينبغي لكل شخص شربها. فالتعرق والحرارة والمرض والحمل وبعض أمراض القلب والكلى قد تغير الاحتياج بدرجة كبيرة.

وبالنسبة إلى معظم الأصحاء، تساعد الاستجابة للعطش وملاحظة لون البول والحرص على زيادة السوائل في الحر والمجهود على الحفاظ على الترطيب.


* الأطعمة المرطبة: تسهم الأطعمة الغنية بالماء مثل الخيار والبطيخ والشمام والحمضيات وغيرها من الفواكه والخضراوات في إجمالي ما يحصل عليه الجسم من الماء، إضافة إلى الألياف والمغذيات.
* محاليل الإماهة: عند الإسهال أو القيء ربما لا يكفي الماء وحده، لأن الجسم يفقد الماء والشوارد معا. وتعد محاليل الإماهة الفموية ذات التركيبة المعيارية الخيار الأفضل عند الحاجة. أما المحاليل المنزلية فتتطلب الالتزام الدقيق بالمقادير، لأن زيادة الملح أو السكر قد تكون ضارة، وخصوصا للأطفال.

الماء في عالم أكثر حرارة

مع ازدياد التعرض لموجات الحر، يصبح الحفاظ على الترطيب أكثر أهمية، وخصوصا للعاملين في الهواء الطلق وكبار السن والأطفال، إذ يرفع التعرق خسارة الماء والشوارد ويزيد العبء على القلب والكليتين.

لكن القضية لا تتوقف عند كمية الماء التي يشربها الفرد. فتوفر مياه شرب آمنة وكافية يمثل أحد أسس الصحة العامة، إذ يهدد نقص المياه أو تلوثها القدرة على الشرب الآمن والنظافة والوقاية من الأمراض.

وهكذا تبدأ قصة الماء من داخل خلية مجهرية، لكنها تمتد إلى واحدة من أكبر قضايا الصحة في العالم: أن يبقى الإنسان قادرا على الوصول إلى ماء آمن كلما احتاج إليه.