ارتفاع نسبة السكر في الدم: "ليس بالضرورة خبراً سيئاً"
مصدر الصورة
على مدى السنوات القليلة الماضية، بدأنا نرصد اثنين من المستجدات المُلفتة.
الأول، هو أن أشخاصاً أصحّاء، أو لا يعانون من المرض، أصحبوا يحملون معهم أجهزة لقياس نسبة السكر في الدم على مدار اليوم.
الثاني، هو أن أشخاصاً آخرين بدأوا يمتنعون نهائياً عن تناول الكربوهيدرات المكرّرة، كالخبز الأبيض والمعكرونة.
والواقع أن مؤلّفين وصُنّاع محتوى ومؤثرين في مجال الصحة يسوّقون لفكرة أننا جميعاً بحاجة إلى فحص نسبة السكر في الدم بانتظام لتفادي وصولها إلى مستويات مرتفعة.
وطبقاً لوجهة نظر هؤلاء، فإننا نسمح بتواجد كميات كبيرة من الغلوكوز في مجرى الدم على نحوٍ كفيل بتعريضنا للخطر؛ وحتى الأشخاص الأصحّاء، ممن لا يعانون أمراضاً تتعلق بالتمثيل الغذائي، هم كذلك عُرضة لارتفاع السكر في الدم وللاختلالات الهرمونية وظهور حبّ الشباب والتقلبات المزاجية، وما هو أسوأ من ذلك.
* هل ينبغي أن نقلع عن تناول السكر؟
* ارتفاع "مقلق" في عدد إصابات الشابات بالسكري من النوع الثاني منذ كورونا
لكن الخبراء يردّون على أصحاب هذه الآراء، موضحين أن هناك أوقاتاً لا ينبغي فيها الخوف من أنْ تسبّب الوجبات الغنيّة بالهيدروكربونات أضراراً صحيّة مستمرة.
لماذا ترتفع نسبة السكر في الدم؟
عندما نأكل أطعمة سكّرية، كالفواكه والوجبات الغنيّة بالكربوهيدرات والسكّر المكرّر، ونهضمها، فإنّ نسبة السكر في الدم ترتفع بشكل طبيعي.
فالكربوهيدرات والسكريات تتحوّل لدى الهضم إلى غلوكوز، والذي يجد طريقه إلى مجرى الدم فيؤدي بشكل مؤقت إلى ارتفاع مستوى نسبة السكر.
وعندئذ، يستجيب البنكرياس بإفراز هرمون الإنسولين، والذي يساعد في إخراج الغلوكوز من مجرى الدم وتحويله إلى خلايا الجسم لإنتاج الطاقة.
وليس الأكل وحده هو الذي يمكن أن يرفع مستويات الغلوكوز في الدم؛ ففي أثناء القيام بتمرينات بدنية مكثفة، تقوم هرمونات مثل الأدرنالين بإعطاء إشارة إلى الكبد لكي يضخّ المزيد من الغلوكوز في مجرى الدم، بما يوفّر مزيداً من الوقود للعضلات العاملة.
ونتيجة لذلك، يمكن أن ترتفع نسبة الغلوكوز في الدم بشكل مؤقت، بحسب الباحثة جنيفر شير، أخصائية الغدد الصماء للأطفال بجامعة ييل الأمريكية.
وفي حالة الأشخاص الذين يعانون مرض السكّري، فإن الجسم لا يفرز ما يكفي من الإنسولين، أو أنه لم يعُد يعمل كما ينبغي له (فيما يُعرف بمقاومة الإنسولين)، مما يترك هؤلاء الأشخاص عُرضة لخطر ارتفاع نسبة السكر في الدم بعد تناول الأكل.
وفي حالة هؤلاء، من الضروري العناية باتّباع نظام غذائي مناسب وممارسة تمارين بدنية ومراقبة نسبة السكر في الدم تفادياً لوصولها إلى مستويات خطرة.
فيما يحتاج البعض إلى تناول أدوية كالإنسولين أو الميتفورمين.
ارتفاعات "طبيعية"
ومن "أكبر الأخطاء الشائعة، اعتقاد أن كل ارتفاع لنسبة الغلوكوز في الدم هو شيء ضارّ"، بحسب أدريان براون، الباحث في التغذية والنُظم الغذائية بجامعة كولدج لندن.
يقول براون: "مؤخراً، قمت بتجربة الامتناع عن تناول السُكر المضاف لمدة ستة أسابيع، وقد اتضح لي بصورة أكبر أنني عندما أتناول أطعمة سكريّة، فإن نسبة السكر في الدم ترتفع بشكل طبيعي".
مصدر الصورة
وبعد مرور ساعة من تناول الطعام، يرتفع مستوى نسبة السكر في الدم بشكل طبيعي، قبل أن يعود إلى مستواه الأساسي في غضون ساعتين.
وعليه، فإذا ما ارتفع مستوى نسبة السكر في الدم بشكل مؤقت لدى شخص طبيعي لا يعاني مشاكل في التمثيل الغذائي، فإن ذلك لا ينبغي أن يبعث على القلق، وفقاً للباحث أدريان براون.
لكنْ إذا استمر هذا الارتفاع أكثر من المتوقع، فقد يكون ذلك مؤشراً على أن الجسم لا ينظّم امتصاص الغلوكوز بشكل طبيعي، وفقاً للباحثة جنيفر شير.
وربما كان في ذلك إشارة إلى مقاومة الإنسولين، حيث لا يتعامل الجسم بشكل طبيعي مع الغلوكوز.
ويمكن أن تحدُث مقاومة الإنسولين عندما يتعرّض الجسم لمستويات مرتفعة من السكّر على مدى فترة طويلة، وقد يؤدي ذلك في نهاية المطاف إلى الإصابة بمرض السُكري من النوع الثاني.
كما قد يؤدي استمرار ارتفاع مستويات الغلوكوز في الدم عند بعض مرضى السكّري إلى مضاعفات تطال الأعصاب والنظر، فضلاً عن مضاعفات تتعلق بالقلب.
على أنّ بعض الخبراء، يرون أنه لا يوجد ما يكفي من الأدلة للقطع بأنّ الارتفاع المفرط للغلوكوز في الدم يؤدي بالضرورة إلى مقاومة الجسم للإنسولين بشكل مباشر.
في المقابل، يرى أصحاب هذا الرأي أننا عندما نتناول طعاماً بأكثر مما تحتاج إليه أجسامنا، فإن هذه السُعرات الزائدة تميل إلى التحوّل إلى دهون، ما يهدد بالإصابة بالسكّري من النوع الثاني، بحسب نيقولا غيس، أخصائية التغذية والباحثة بجامعة أكسفورد البريطانية.
أجهزة مراقبة الغلوكوز
يحرص مرضى السكّري على مراقبة نسبة السكر في الدم بانتظام، باستخدام أجهزة مراقبة الغلوكوز على مدار الساعة.
وقد أوجد هذا سوقاً تجارية متنامية لهذه الأجهزة حتى مع الأشخاص الأصحّاء ممن لا يعانون أمراضاً!
على أنّ بعض الخبراء يحذرون من أن هذه الأجهزة غير ضرورية لمّن لا يعانون من مرض السكّري؛ فعلى سبيل المثال، كشفت إحدى الدراسات - التي شملتْ عيّنة من غير المصابين بمرض السكّري - أن مستويات السكّر في دمائهم كانت في المعدّل الطبيعي معظم الوقت (بنسبة 96 في المئة).
ويحذّر خبراء آخرون من أنّ هذه الأجهزة قد تؤدي إلى "تغييرات ضارة في نظام الحِمية الغذائية، فضلاً عن تشويه للتصوّر الخاص بالصحة"، خصوصاً وأنها يمكن أن تبالغ في تقدير مستوى نسبة السكر في الدم.
* ماذا نعرف عن أجهزة مراقبة نسبة السكر في الدم الجديدة؟
* الأطباء يشككون في الحمية الغذائية القائمة على الفحص المستمر لسكر الدم
وأظهرت دراسة حديثة، أجراها الباحث براون وفريقه، عدم وجود دليل قوي على أن هذه الأجهزة تحسّن النتائج الصحية في حالة الأشخاص الذين لا يعانون مرض السكّري.
لكن الأمر يختلف لدى مرضى السُكّري من النوع الثاني؛ حيث كشفت دراسات حديثة أن هذه الأجهزة يمكن أن تساعد في التنبؤ بالمخاطر، وفقاً للباحثة جنيفر شير.
على أن الحاجة لا تزال قائمة إلى مزيد من الأدلة على أن هذه الأجهزة نافعة لهذه الفئة من المرضى.
تناول وجبة غذائية متوازنة
في حين أنّ ارتفاع نسبة السكر في الدم لدى الأشخاص الطبيعيين بعد تناول الأكل أمرٌ لا ينبغي أن يبعث على القلق، ومن غير المرجّح أن يؤدي إلى تبعات خطيرة، فإنه من المفيد للصحة أن نحافظ على نسبة سُكر في الدمّ أكثر توازناً.
على سبيل المثال، يمكن لانخفاض نسبة الغلوكوز في الدم فور تناول الطعام أن يزيد الشعور بالجوع ومن ثم أن يؤدي إلى استنفاد كمية أكبر من الطاقة.
كما أنّ تناول أنواع مختلفة من الوجبات يمكن أن يؤثر على مستوى تغيّر نسبة السُكر في الدم.
ويمكن للأطعمة التي تحافظ على ثبات مستوى نسبة السكر في الدم أن تحافظ على شعورنا بالشبع لمدة أطول، لا سيما تلك التي تحتوي على الحبة الكاملة والأطعمة القائمة على البروتين.
أما الكربوهيدرات البسيطة، كالدقيق الأبيض والأرز الأبيض، فإنها تُمتصّ في مجرى الدم بوتيرة أسرع.
ومن الأمور التي يمكن أن تساعد في هذا الصدد، مراعاة الترتيب الذي يتم فيه تناول أطعمة معيّنة؛ فقد كشفت الدراسات أن تناوُل بروتين وخضروات على سبيل المثال قبل تناول كربوهيدرات من شأنه أن يخفّض نسبة السكر في الدم التي ترتفع نتيجة تناول وجبات غنيّة بالكربوهيدرات.
* السكر الخفي: ما هي الكمية التي تتناولها فعلياً؟
* هل مكملات "أوميغا 3" الغذائية مفيدة حقاً لمرضى السكري؟
ثمة نصيحة أخرى، بتناول الوجبات المتوازنة التي تحتوي على بروتين، والأطعمة النباتية الغنية بالألياف، والدهون الصحية.
حيث يمكن لهذه الأطعمة أن تساعد في إبطاء عملية الهضم، وأن توفّر إمدادات أكثر ثباتاً من الطاقة، فضلاً عن المساعدة في الحفاظ على وزن صحيّ.
وتجدر الإشارة كذلك إلى أن استجابات أجسامنا للأطعمة التي نتناولها، تتفاوت بشكل طفيف؛ "وإلى جانب أن هنالك تفاوتاً معتبَراً بين الأفراد، فإن الشخص الواحد قد يُظهر استجابات متفاوتة تبعاً لعدد من العوامل مثل النوم والتوتر ومستويات النشاط ونوع الوجبة المستهلَكة"، وفقاً للباحث أدريان براون.
أيضاً، تجدُر الإشارة إلى أن الامتناع عن الكربوهيدرات - كما تعتمد بعض الحميات الغذائية - يمكن أن يأتي بنتائج عكسية، وفقاً لباحثة أكسفورد نيقولا غيس.
فإذا حدث وأكلنا وجبة غنيّة بالكربوهيدرات بعد فترةٍ من الامتناع، فإن ذلك يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع نسبة السكر في الدم بمستوى يفوق المعتاد.
ومن الثابت عِلمياً، أن الكربوهيدرات تمثل جزءاً ضرورياً في النظام الغذائي المتوازن؛ وقد أثبتت دراسة حديثة أن الامتناع عن فئات محددة من الأغذية يمكن أن يحرم الجسم من تناوُل أغذية نافعة، في حين لم تكن هناك ضرورة لذلك.
وإذا كان الجدل لم ينحسم بعدُ على صعيد فوائد مراقبة نسبة الغلوكوز في الدم، فمن المفيد أن نتذكر أنّ معظمنا يتناول بالفعل سُكراً مضافاً بكميات أكثر من التي يحتاجها الجسم، ومن المؤكد أنه يجدُر بنا العمل على الحدّ من ذلك.
*ملحوظة: محتوى المقال يستهدف نشر معلومات عامة، ولا ينبغي الاعتماد عليه كبديل للنصيحة الطبية من المتخصصين.