في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

في أكتوبر/تشرين الأول من كل عام، يكتسي العالم باللون الوردي؛ تتوشح به الشاشات وواجهات المؤسسات، وتنطلق حملات التوعية بسرطان الثدي في عشرات البلدان.

وقد يبدو المشهد تقليدا سنويا مألوفا، لكن وراء اللون والشريط الورديين رسالة أكثر أهمية: معرفة علامات المرض، والانتباه إلى عوامل الخطر، وعدم تأخير طلب الرعاية الطبية، لأن توقيت التشخيص قد يصنع فارقا كبيرا في رحلة العلاج وفرص النجاة.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 من هم العلماء الثلاثة الذين حصدوا نوبل للطب 2026؟
* list 2 of 2 نوبل للطب 2026 لثلاثة علماء جعلوا الضوء يتحكم في خلايا الدماغ end of list

وهكذا أصبح "أكتوبر الوردي" أكثر من شهر للتوعية بالمرض؛ إنه تذكير سنوي بأن الاهتمام بالصحة، والوصول إلى التشخيص والعلاج في الوقت المناسب، يمكن أن يمنحا ملايين النساء فرصة أفضل للحياة.

كيف بدأ أكتوبر الوردي؟

تعود بداية شهر التوعية بسرطان الثدي إلى عام 1985، عندما شاركت الجمعية الأمريكية للسرطان في إطلاق حملة توعوية بدأت لمدة أسبوع، وركزت على تثقيف النساء بشأن الكشف المبكر والتصوير الشعاعي للثدي "الماموغرام"، قبل أن تتسع المبادرة مع مرور السنوات وتتحول إلى شهر كامل للتوعية.

ولم يُختر أكتوبر/تشرين الأول لأن سرطان الثدي يزداد خلاله، أو لأن المرض يرتبط بيولوجيا بهذا الشهر، وإنما لأن الحملة بدأت فيه، ثم تحول تدريجيا إلى موعد عالمي للحديث عن سرطان الثدي وتشجيع الكشف المبكر ودعم المصابات والناجيات.

أما الشريط الوردي، الذي أصبح الرمز الأشهر للحملة، فقد بدأ انتشاره على نطاق واسع في أوائل تسعينيات القرن الماضي، قبل أن يتحول إلى رمز عالمي للتوعية بسرطان الثدي.

مصدر الصورة لا تتشابه أورام الثدي، حيث يمتلك كل ورم خصائص بيولوجية تساعد الأطباء على فهم طبيعته واختيار العلاج الأنسب (رويترز)

2.4 مليون إصابة في عام

رغم التقدم الكبير في التشخيص والعلاج، فإن سرطان الثدي ما زال يمثل أحد أكبر التحديات الصحية للنساء في العالم.

وتشير أحدث بيانات منظمة الصحة العالمية إلى تشخيص نحو 2.4 مليون امرأة بسرطان الثدي عالميا خلال عام 2024، ووفاة نحو 694 ألف امرأة بسببه. وكان سرطان الثدي أكثر أنواع السرطان تشخيصا لدى النساء في 164 دولة من أصل 186 دولة.

إعلان

لكن عبء المرض لا يقاس بعدد الإصابات والوفيات وحده؛ فالمكان الذي تعيش فيه المرأة قد يؤثر بصورة كبيرة في فرص وصولها إلى التشخيص والعلاج، ومن ثم فرص نجاتها.

وتكشف بيانات منظمة الصحة العالمية فجوة كبيرة في فرص النجاة؛ فمن بين كل 100 امرأة تُشخص بسرطان الثدي، تبقى نحو 87 امرأة على قيد الحياة بعد خمس سنوات في البلدان المرتفعة الدخل، مقابل نحو 42 امرأة فقط في البلدان المنخفضة الدخل، بينما يبلغ المتوسط العالمي نحو 78 امرأة من كل 100.

وترتبط هذه الفجوة بعوامل عدة، من بينها التأخر في اكتشاف المرض، وصعوبة الوصول إلى وسائل التشخيص والعلاجات الفعالة، وتفاوت جودة الرعاية الصحية بين البلدان.

ومن المهم هنا فهم معنى "البقاء خمس سنوات"، فهذا المؤشر الإحصائي لا يعني أن المريضة ستعيش خمس سنوات فقط، وإنما يقيس نسبة النساء اللاتي يبقين على قيد الحياة بعد مرور خمس سنوات من التشخيص، ويُستخدم لمقارنة نتائج التشخيص والعلاج بين مجموعات كبيرة من المرضى والبلدان.

وقد تعيش المصابة بسرطان الثدي عشرات السنين بعد التشخيص، بحسب مرحلة المرض ونوع الورم وخصائصه البيولوجية والاستجابة للعلاج وإمكانية الحصول على الرعاية المناسبة.

الإصابة لا تحتاج إلى تاريخ عائلي

ومن الأخطاء الشائعة الاعتقاد أن سرطان الثدي يصيب أساسا النساء اللاتي لديهن تاريخ عائلي للمرض. فوفقا لمنظمة الصحة العالمية، تحدث نحو 80% من حالات سرطان الثدي لدى نساء ليس لديهن عامل خطر محدد قابل للتعديل سوى كونهن إناثا والتقدم في العمر. كما أن معظم النساء اللاتي يُشخصن بالمرض ليس لديهن تاريخ عائلي معروف للإصابة به.

ولا يعني ذلك أن عوامل الخطر الأخرى غير مهمة؛ إذ يرتبط ارتفاع خطر الإصابة أيضا بالسمنة، وتعاطي الكحول، والتعرض السابق للإشعاع، وبعض العوامل المرتبطة بالتاريخ الإنجابي، والتدخين، والعلاج الهرموني بعد انقطاع الطمث، إلى جانب التاريخ العائلي وبعض الطفرات الوراثية.

مصدر الصورة بعض الاختبارات قد تساعد في تقدير احتمال عودة السرطان واتخاذ قرارات علاجية أكثر دقة (شترستوك)

الكشف المبكر يصنع الفارق

تُعَد مرحلة المرض عند تشخيصه أحد أهم العوامل المؤثرة في فرص النجاة.

وتُظهر بيانات برنامج المراقبة والوبائيات والنتائج النهائية "SEER" التابع للمعهد الوطني للسرطان في الولايات المتحدة أن نسبة البقاء النسبي خمس سنوات تبلغ 100% عندما يكون سرطان الثدي موضعيا ولم ينتشر خارج الثدي، وتنخفض إلى 87.5% عندما يمتد إلى العقد اللمفاوية أو الأنسجة القريبة، وإلى 33.8% عندما ينتشر إلى أعضاء بعيدة، وفقا لبيانات الفترة 2016-2022.

ولا تعني هذه الأرقام إمكان التنبؤ بمصير مريضة بعينها، فهي إحصاءات لمجموعات كبيرة، بينما تختلف حالة كل مريضة تبعا لنوع الورم ومرحلته وخصائصه والعمر والحالة الصحية والاستجابة للعلاج.

لكنها توضح لماذا يمثل التشخيص المبكر والوصول السريع إلى العلاج عنصرين حاسمين في مواجهة سرطان الثدي.

ما يجب معرفته بعد التشخيص؟

لا تتشابه أورام الثدي جميعها، إذ يمتلك كل ورم خصائص بيولوجية تساعد الأطباء على فهم طبيعته واختيار العلاج الأنسب. ومن بين أهم هذه الخصائص مستقبلات هرموني الإستروجين والبروجستيرون، إضافة إلى بروتين "HER2″، إذ تسهم نتائج هذه الفحوص في تحديد مدى استفادة المريضة من العلاج الهرموني أو العلاجات الموجهة، إلى جانب خيارات أخرى قد تشمل العلاج الكيميائي أو المناعي بحسب نوع الورم ومرحلته.

إعلان

ولا تسير الخطة العلاجية بالترتيب نفسه لدى جميع المريضات. ففي بعض الحالات يكون من الأفضل البدء بعلاج قبل الجراحة بهدف تقليص حجم الورم وتحسين فرص استئصاله، بينما يمكن في حالات أخرى إجراء الجراحة أولا. ويتحدد القرار وفقا لحجم الورم ومدى انتشاره وخصائصه البيولوجية والحالة العامة للمريضة.

وقد تساعد بعض الاختبارات التي تحلل نشاط مجموعة من الجينات داخل الورم -في حالات محددة- على تقدير احتمال عودة السرطان والمساعدة في اتخاذ قرارات علاجية أكثر دقة، مثل تحديد مدى الحاجة إلى بعض أنواع العلاج. لكن هذه الاختبارات لا تناسب جميع الحالات، ويقرر الطبيب استخدامها وفقا لنوع الورم ومرحلته وخصائصه.

وتُعَد الخصوبة من الجوانب المهمة التي ينبغي مناقشتها قبل بدء العلاج لدى النساء في سن الإنجاب، إذ قد تؤثر بعض أنواع العلاج الكيميائي والعلاج الهرموني في القدرة على الإنجاب. ولذلك، إذا كانت المريضة ترغب في الحمل مستقبلا، فمن المهم مناقشة خيارات الحفاظ على الخصوبة مع الفريق المعالج قبل بدء العلاج متى كان ذلك ممكنا.

كما يختلف الهدف من العلاج باختلاف مرحلة المرض. ففي كثير من الحالات التي يكون فيها سرطان الثدي موضعيا أو قابلا للعلاج، يكون الهدف هو الشفاء وتقليل احتمال عودة المرض. أما عندما يكون السرطان قد انتشر إلى أعضاء بعيدة، فيتركز العلاج عادة على السيطرة على المرض أطول فترة ممكنة، وإطالة الحياة، وتقليل الأعراض، والحفاظ على جودة الحياة.

رسالة إلى كل امرأة

لا ينبغي أن يتحول أكتوبر الوردي إلى مجرد شهر للشعارات أو الأشرطة الوردية. فالرسالة الأهم هي معرفة جسدك والانتباه إلى أي تغير غير معتاد، وعدم تأخير استشارة الطبيب عند ظهور علامة مقلقة.

وقد تشمل العلامات التي تستدعي التقييم الطبي ظهور كتلة أو زيادة في سماكة جزء من الثدي، أو تغيرا في حجمه أو شكله، أو تغيرات في الجلد أو الحلمة، أو خروج إفرازات غير طبيعية أو دموية منها.

ولا يعني الانتباه إلى هذه العلامات الخوف من المرض، وإنما منح نفسك فرصة الوصول إلى التشخيص والعلاج في الوقت المناسب.

امنحي صحتك من الوقت والاهتمام ما تمنحينه لمن تحبين؛ فخلف كل فحص في موعده، وكل استشارة لم تؤجَّل، قد تكون هناك فرصة أفضل للعلاج والحياة.

ولهذا، ربما يكون المعنى الحقيقي لأكتوبر الوردي أبسط من كل الشعارات: الوعي ليس خوفا من السرطان، بل خطوة لحماية الحياة.