أثارت حسابات لبعض صانعي المحتوى الطبي مخاوف واسعة بين النساء، بعد تداول تقرير حديث للوكالة الدولية لأبحاث السرطان بشأن تصنيف حبوب منع الحمل المركبة ضمن المجموعة الأولى من العوامل المسببة للسرطان، إذ جرى تقديم التصنيف في بعض المنشورات وكأنه يعني أن استخدام هذه الحبوب يقود حتما إلى الإصابة بالسرطان.

لكن الصورة العلمية أكثر تعقيدا من ذلك.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 وزير الصحة اليمني للجزيرة نت: موجات النزوح الجديدة تفوق قدرة القطاع الصحي
* list 2 of 2 بروتين أقل لعمر أطول.. العلم يضع شروطا مهمة end of list

مخاطر محتملة.. وتفسير غير دقيق

تقرير الوكالة الدولية لأبحاث السرطان، التابعة لمنظمة الصحة العالمية، صحيح في مضمونه، لكنّ تفسيره على أنه يعني أن كل امرأة استخدمت حبوب منع الحمل المركبة ستُصاب بالسرطان ينطوي على مبالغة وخلط في فهم طبيعة التصنيف.

وتعود بداية القضية إلى عام 2007، عندما نشرت الوكالة تقريرا بشأن الآثار الجانبية المحتملة لبعض أنواع موانع الحمل المركبة التي تحتوي على هرموني الإستروجين والبروجستيرون، وحددت فيه أنواعا من السرطان قد يرتفع أو ينخفض خطر الإصابة بها لدى مستخدمات هذه الوسائل.

لكنّ التقرير لم يكن يحدد احتمالية إصابة كل امرأة تستخدم هذه الحبوب بالسرطان.

مصدر الصورة اختيار وسيلة منع الحمل يجب أن يقوم على التاريخ المرضي (بيكسلز)

وفي مايو/أيار 2026، أدرجت الوكالة الدولية لأبحاث السرطان حبوب منع الحمل المركبة التي تحتوي على الإستروجين والبروجستين ضمن المجموعة الأولى من العوامل المسببة للسرطان، مشيرة إلى ارتباطها بسرطان الثدي وعنق الرحم.

ونبه التقرير في الوقت نفسه إلى أن التقييم لا يشمل بعض العوامل التي لم تغطها أبحاث الوكالة، ومنها الصفات الوراثية والتكاثرية، والحالة الصحية، وبعض العوامل الغذائية.

ماذا يعني التصنيف طبيا؟

يقول الدكتور عمرو حسن، أستاذ أمراض النساء والتوليد بكلية الطب جامعة القاهرة، وعضو المجموعة الاستشارية الفنية التابعة لمنظمة الصحة العالمية المعنية بتقدير وفيات الأمهات وأسبابها، إن الجدل الدائر حول تصنيف بعض موانع الحمل الهرمونية وعلاقتها بالسرطان يكشف مشكلة أكبر من مجرد تفسير مصطلح علمي، تتمثل في كيفية نقل المعلومة الطبية إلى المرأة من دون إخفاء الخطر، وفي الوقت نفسه من دون تحويله إلى مصدر للذعر.

إعلان

وأوضح حسن، في حديثه للجزيرة نت، أن تصنيف الوكالة الدولية لأبحاث السرطان لبعض موانع الحمل الهرمونية المركبة لا يعني أن كل امرأة تستخدم أقراص منع الحمل ستُصاب حتما بالسرطان.

كما أن وجود ارتباط بزيادة خطر بعض أنواع السرطان لا يلغي حقيقة علمية أخرى، وهي أن استخدام موانع الحمل الفموية يرتبط أيضا بانخفاض خطر الإصابة بأنواع أخرى، وفي مقدمتها سرطان المبيض وسرطان بطانة الرحم.

وأشار إلى أن الدراسات المتعلقة بموانع الحمل الفموية والسرطان تمتد لعقود، وأن العلاقة لا يمكن اختزالها ببساطة في عبارتي "تسبب السرطان" أو "لا تسبب السرطان".

مصدر الصورة موانع الحمل المركبة تؤثر في خطر الإصابة ببعض أنواع السرطان (غيتي)

مخاطر وفوائد لحبوب منع الحمل

بحسب تقارير منظمة الصحة العالمية في ديسمبر/كانون الأول 2025، توفر بعض حبوب منع الحمل فوائد صحية تتجاوز منع الحمل، إذ قد تساعد في تقليل خطر الإصابة بسرطان الرحم والمبيض، وفقر الدم، وآلام الدورة الشهرية، ومشكلات النزيف، وآلام التبويض، إلى جانب بعض أعراض متلازمة تكيس المبايض وبطانة الرحم المهاجرة.

وتوضح المنظمة أن العلاقة بين حبوب منع الحمل الفموية المركبة والسرطان معقدة، إذ تساعد هذه الحبوب على الوقاية من سرطان المبيض وبطانة الرحم، ويزداد هذا التأثير الوقائي كلما طالت مدة الاستخدام.

وفي المقابل، تكون النساء اللواتي يستخدمن حبوب منع الحمل الفموية أكثر عرضة للإصابة بسرطان عنق الرحم مقارنة بمن لا يستخدمنها.

أما سرطان الثدي، فلا تواجه معظم النساء خطرا متزايدا، لكنّ النساء اللواتي لديهن طفرات جينية وراثية قد يكن أكثر عرضة للإصابة، خاصة مع الاستخدام طويل الأمد.

ماذا تقول الأرقام؟

بحسب المعهد الوطني الأمريكي للسرطان، أظهر تحليل لبيانات أكثر من 150 ألف امرأة شاركن في 54 دراسة وبائية أن النساء اللواتي سبق لهن استخدام موانع الحمل الفموية سجلن زيادة طفيفة بلغت 7% في خطر الإصابة بسرطان الثدي مقارنة بمن لم يستخدمنها مطلقا.

أما النساء اللواتي كن يستخدمن موانع الحمل الفموية وقت إجراء الدراسات، فبلغت زيادة الخطر لديهن 24%، ولم ترتفع النسبة مع طول مدة الاستخدام. كما انخفض الخطر بعد التوقف عن استخدام الحبوب، ولم يظهر ارتفاع في خطر الإصابة بعد مرور 10 سنوات على التوقف.

وعلى جانب آخر، أظهرت البيانات أن النساء اللواتي سبق لهن استخدام موانع الحمل الفموية أقل عرضة للإصابة بسرطان بطانة الرحم مقارنة بمن لم يستخدمنها مطلقا، إذ ينخفض الخطر بنسبة 30% على الأقل، ويزداد هذا الانخفاض كلما طالت فترة الاستخدام.

ولا يقتصر هذا التأثير الوقائي على فترة تناول الحبوب، بل يستمر لسنوات بعد التوقف عنها.

وفيما يتعلق بسرطان المبيض، تشير بيانات المعهد الوطني الأمريكي للسرطان إلى أن النساء اللواتي سبق لهن استخدام موانع الحمل الفموية أقل عرضة للإصابة بنسبة تتراوح بين 30% و50% مقارنة بمن لم يستخدمنها مطلقا.

وتزداد الحماية مع طول فترة الاستخدام، وقد تستمر لمدة تصل إلى 30 عاما بعد التوقف عن تناول الحبوب.

ويعكس هذا التباين بين ارتفاع مخاطر بعض السرطانات وانخفاض مخاطر أخرى سبب تأكيد منظمة الصحة العالمية أهمية تقديم مشورة طبية شخصية بشأن وسائل منع الحمل، تراعي التاريخين العائلي والطبي لكل امرأة.

مصدر الصورة حبوب منع الحمل المركبة تساعد على الوقاية من سرطان المبيض وبطانة الرحم (غيتي)

هل تتوقف النساء عن حبوب منع الحمل؟

التوقف الجماعي عن استخدام حبوب منع الحمل خوفا من الإصابة بالسرطان قد يترتب عليه بدوره مخاطر صحية واجتماعية مهمة.

إعلان

وتقول منظمة الصحة العالمية إن موانع الحمل الفموية ليست فقط من أكثر الوسائل فعالية في منع حالات الحمل غير المرغوب فيها وعالية الخطورة، بل تمثل أيضا إنجازا مهما في مجال الصحة العامة، لما لها من دور في تحسين صحة المرأة والحد من وفيات الأمهات ودعم التعليم والفرص الاقتصادية.

ويؤكد الدكتور عمرو حسن أن التوقف المفاجئ عن وسيلة فعالة لمنع الحمل بسبب منشور متداول على مواقع التواصل الاجتماعي قد لا يكون قرارا صحيا سليما، لأن القرار لا يتعلق بالدواء وحده، بل بالمرأة التي تستخدمه.

وأضاف أنه "لا توجد وسيلة منع حمل مثالية لكل النساء، ولكنْ يمكن أن توجد وسيلة مناسبة لهذه المرأة في هذه المرحلة من حياتها".

وأوضح أن اختيار وسيلة منع الحمل يجب أن يستند إلى التاريخ المرضي، وعوامل الخطورة، والعمر، والحالة الصحية، والاحتياجات الإنجابية، إلى جانب رغبة المرأة وتفضيلاتها بعد حصولها على المعلومات الطبية الصحيحة.

وأكد أن مهمة الطبيب ليست اتخاذ القرار بدلا من المرأة، وإنما تزويدها بالمعلومات التي تمكنها من الاختيار.

وأشار إلى وجود حالات قد تجعل بعض الوسائل الهرمونية غير مناسبة، موضحا أن وجود سرطان ثدي حالي، على سبيل المثال، يستلزم تقييما مختلفا واختيار وسائل أخرى وفقا للإرشادات الطبية.

ويرى حسن أن تنظيم الأسرة لا يقتصر على خفض عدد المواليد، بل يمثل جزءا من صحة المرأة وحق الأسرة في تحديد توقيت الإنجاب والمباعدة بين الولادات.

ويقوم تنظيم الأسرة الحديث، بحسب قوله، على تعدد الوسائل، وجودة المشورة، وإتاحة البدائل، بحيث تستطيع كل امرأة اختيار الوسيلة التي تتناسب مع ظروفها الصحية والإنجابية.

وحذر من أن المعلومات الطبية المبتورة قد يكون لها ثمن صحي، خصوصا عندما تدفع المرأة إلى التوقف عن وسيلة منع الحمل دون وجود بديل مناسب.

والخلاصة أن تصنيف بعض حبوب منع الحمل ضمن العوامل المسببة للسرطان لا يعني أن تناولها يقود حتما إلى المرض، كما لا يعني تجاهل المخاطر المحتملة، بل يؤكد أهمية تقييم الفوائد والمخاطر لكل امرأة بصورة فردية، واتخاذ القرار بالتشاور مع الطبيب بدلا من الاستناد إلى منشور مقتطع أو معلومة مثيرة للذعر.