في الدقائق الأولى بعد ولادة الطفل، يبقى داخل الحبل السري والمشيمة مقدار من الدم يُتخلّص منه عادة معهما. غير أن هذا الدم ليس مجرد بقايا من عملية الولادة، بل يحتوي على خلايا جذعية قادرة على إعادة بناء الدم والجهاز المناعي، وقد استُخدمت بالفعل في علاج أنواع من السرطان وأمراض الدم والمناعة والاضطرابات الوراثية.
لكن ما أهمية تخزين دم الحبل السري؟ وما الأمراض التي يمكن علاجها به؟ وهل يستطيع الطفل الاستفادة من خلاياه المخزنة إذا مرض مستقبلا؟ وأين ينتهي العلاج المثبت علميا وأين تبدأ الوعود التي لا تزال قيد البحث؟
دم الحبل السري هو الدم المتبقي في الأوعية الدموية للحبل السري والمشيمة بعد ولادة الطفل. ويتميز باحتوائه على عدد كبير من الخلايا الجذعية المكوِّنة للدم، وهي الخلايا التي تستطيع إنتاج كريات الدم الحمراء والبيضاء والصفائح الدموية ومختلف مكونات الجهاز المناعي.
وهذه الخلايا ليست خلايا جذعية جنينية، ولا يتطلب الحصول عليها أخذ أي نسيج من الجنين. فهي تُجمع بعد ولادة الطفل، وبعد قطع الحبل السري، من الدم الذي يُتخلّص منه عادة مع المشيمة. وتوجد الخلايا الجذعية المكوِّنة للدم أيضا في نخاع العظم والدم المحيطي، لكن دم الحبل السري يوفر مصدرا إضافيا لها يمكن جمعه من دون جراحة أو ألم للأم أو الطفل.
بعد ولادة الطفل وربط الحبل السري وقطعه، يُجمع الدم المتبقي داخله وفي المشيمة في كيس معقم. ولا يُسحب الدم من الطفل، كما لا تتدخل عملية الجمع في الولادة متى أُجريت وفق البروتوكولات الطبية المعتمدة. بعد ذلك تُنقل العينة إلى المختبر، حيث تخضع لعمليات معالجة وفحوص تشمل تقدير حجمها وعدد الخلايا الجذعية الموجودة فيها، والتحقق من حيوية الخلايا وخلو العينة من التلوث، إلى جانب إجراء الفحوص اللازمة للأمراض المعدية.
ولا تصلح كل عينة بالضرورة للزرع؛ فقد يكون حجم الدم أو عدد الخلايا الجذعية غير كافٍ، أو قد تتأخر العينة في الوصول إلى المختبر، أو تظهر مشكلة في الجودة. ولهذا فإن جمع الدم لا يعني تلقائيا أن العينة أصبحت صالحة للاستخدام العلاجي.
أما العينات المطابقة للمعايير فتُجمّد تدريجيا وتُحفظ في درجات حرارة شديدة الانخفاض، بما يبطئ النشاط البيولوجي للخلايا ويحافظ عليها فترات طويلة، إلى أن تظهر حاجة طبية لاستخدامها.
يمكن تشبيه نخاع العظم بمصنع ينتج خلايا الدم. وفي بعض الأمراض، يصاب هذا المصنع بالسرطان أو يتوقف عن العمل أو ينتج خلايا معيبة. وقد يلجأ الأطباء حينها إلى العلاج الكيميائي، وأحيانا الإشعاعي، للتخلص من الخلايا المريضة، ثم يحقنون المريض بخلايا جذعية سليمة. تنتقل الخلايا المزروعة عبر الدم إلى نخاع العظم، حيث تستقر وتبدأ بالتكاثر وإنتاج خلايا دم ومناعة جديدة.
والزرع في حد ذاته ليس عملية جراحية، إذ تُعطى الخلايا عن طريق الوريد بطريقة تشبه نقل الدم، لكن المريض يحتاج قبلها وبعدها إلى رعاية متخصصة ومراقبة دقيقة. ويعتمد نجاح الزرع على عوامل كثيرة، منها نوع المرض ومرحلته، وعمر المريض وحالته الصحية، وعدد الخلايا الموجودة في العينة، ودرجة التطابق النسيجي بين المتبرع والمتلقي.
تُستخدم خلايا دم الحبل السري ضمن عمليات زرع الخلايا الجذعية لعلاج مجموعات محددة من الأمراض، من أبرزها:
وتشير إدارة الموارد والخدمات الصحية الأمريكية إلى أن معظم عمليات الزرع من متبرعين غير أقارب تُستخدم لعلاج اللوكيميا واللمفوما، مع وجود استعمالات مهمة في أمراض الدم والمناعة والاستقلاب الوراثية.
ويذكر سدرة للطب أن خلايا دم الحبل السري قد تدخل في علاج أكثر من 80 مرضا. لكن هذا الرقم يحتاج إلى فهم صحيح؛ فهو يجمع أمراضا كثيرة ونادرة ضمن فئات متعددة، ولا يعني أن كل عينة مخزنة تصلح لعلاج أي واحد من هذه الأمراض، أو أن العلاج مضمون إذا ظهر المرض.
تتطلب عمليات زرع الخلايا الجذعية عادة درجة من التطابق في علامات تسمى "مستضدات الكريات البيضاء البشرية" (The human leukocyte antigen (HLA)). وتساعد هذه العلامات الجهاز المناعي على التمييز بين خلايا الجسم والخلايا الغريبة.
وتتميز خلايا دم الحبل السري بأنها أقل نضجا مناعيا من خلايا المتبرع البالغ، ولذلك قد لا تحتاج إلى تطابق دقيق بالدرجة نفسها المطلوبة عند استخدام نخاع العظم أو خلايا الدم المحيطي.
وهذا قد يوسع فرص العثور على وحدة مناسبة للمرضى الذين يصعب إيجاد متبرع بالغ مطابق لهم، ولا سيما المنتمين إلى مجتمعات ذات تنوع وراثي كبير. كما أن وحدات دم الحبل السري المخزنة تكون جاهزة للاستخدام، بينما قد يستغرق التواصل مع متبرع بالغ وإجراء الفحوص وجمع الخلايا أسابيع عدة.
في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، أعلن مستشفى سدرة للطب إطلاق أول بنك محلي لدم الحبل السري في قطر. وبحسب المؤسسة، لا يزال البنك المنشأة الوحيدة التي توفر معالجة دم الحبل السري وتخزينه محليا داخل البلاد.
تُنقل العينات إلى منشأة تعمل وفق متطلبات ممارسات التصنيع الجيد "GMP: Good manufacturing Practice"، وتخضع للمعالجة والفحص والتجميد والحفظ طويل الأمد. ويذكر سدرة أن نظام التخزين مصمم للحفاظ على العينات أكثر من 30 عاما، مع إمكانية تجهيزها وإرسالها إلى مراكز علاج معتمدة خارج قطر عند الحاجة.
وتكمن أهمية وجود بنك محلي في تقليل الزمن والفاصل اللوجستي بين جمع العينة ومعالجتها، وتوفير الخبرة المختبرية المتخصصة، وإبقاء العينات قريبة من العائلات والنظام الصحي المحلي، عوض الاضطرار إلى إرسالها مباشرة إلى بنوك خارج البلاد.
كما بدأ سدرة توسيع نطاق الخدمة عبر اتفاقيات مع مستشفيات أخرى، من بينها اتفاقية أعلنت في أغسطس/آب 2026 مع مستشفى ذا فيو (The view)، بحيث تُجمع العينات في مستشفى الولادة ثم تُنقل في وقت قصير إلى منشأة سدرة للمعالجة والتخزين.
هنا تبرز نقطة كثيرا ما تغيب عن الإعلانات التجارية: تطابق العينة الكامل مع الطفل لا يعني أنها مناسبة لعلاج كل مرض قد يصيبه. إذا كان المرض ناتجا عن طفرة وراثية موجودة منذ الولادة، فقد تحمل الخلايا المخزنة الطفرة نفسها، ولذلك قد لا تصلح لعلاج الطفل.
وفي بعض حالات اللوكيميا، يمكن أن تكون التغيرات الأولية المرتبطة بالمرض موجودة في خلايا دم الحبل السري قبل ظهور السرطان بسنوات، ولهذا قد يفضل الأطباء خلايا من متبرع سليم بدلا من خلايا الطفل نفسه.
وتوضح إدارة الغذاء والدواء الأمريكية أن دم الحبل السري المخزن قد لا يُوصى باستخدامه للطفل نفسه في بعض الأمراض الوراثية.
أما عندما يكون في الأسرة طفل مصاب بمرض معروف يمكن علاجه بزرع الخلايا الجذعية، فإن تخزين دم حبل سري لطفل جديد بقصد استخدامه لأخ أو أخت مطابقين قد تكون له قيمة طبية أوضح. ويُعرف هذا بـ"التبرع الموجّه".
يوجد نموذجان رئيسيان لبنوك دم الحبل السري. في البنوك العائلية الخاصة تُحفظ العينة لاستخدام الطفل أو أفراد أسرته، مقابل رسوم للجمع والمعالجة والتخزين. أما في البنوك العامة فتتبرع الأسرة بالعينة، وتُدرج بعد فحصها في سجل يمكن البحث فيه لمصلحة أي مريض مطابق يحتاج إلى الزرع.
وتوضح الوثائق المنشورة أن خدمة سدرة الحالية هي خدمة تخزين عائلي خاص. وهذا خيار مشروع، خصوصا عندما توجد في العائلة حالة مرضية معروفة قد تستفيد من الزرع. لكنه لا ينبغي أن يُقدَّم للأسر بوصفه "تأمينا بيولوجيا" مضمونا.
وتفضل الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال التبرع للبنوك العامة عندما يكون متاحا، لأن العينات العامة تُستخدم علاجيا بوتيرة أكبر وتفيد عددا أوسع من المرضى. أما التخزين العائلي الروتيني لطفل سليم من دون وجود خطر مرضي معروف، فاحتمال استخدامه الفعلي يبقى محدودا.
تُجرى أبحاث وتجارب سريرية لاختبار خلايا دم الحبل السري أو الخلايا المشتقة من أنسجته في حالات مثل الشلل الدماغي والتوحد والسكري من النوع الأول وإصابات الجهاز العصبي. لكن وجود دراسة أو تجربة سريرية لا يعني أن العلاج أثبت فعاليته أو أصبح جزءا من الممارسة الطبية الروتينية.
وتشير إدارة الغذاء والدواء الأمريكية إلى أن الاستخدامات المعتمدة لمنتجات الخلايا الجذعية المأخوذة من دم الحبل السري تتركز في إعادة تكوين الدم والمناعة، ولا تشمل معظم الاستخدامات التجديدية التي تُروَّج أحيانا للجمهور.
ومن الخطأ أيضا الخلط بين الخلايا الجذعية المكوِّنة للدم الموجودة في دم الحبل السري، والخلايا الموجودة في نسيج الحبل أو المشيمة أو السائل الأمنيوسي. فلكل مصدر خصائص مختلفة، وكثير من استخدامات خلايا الأنسجة لا يزال تجريبيا.
يعمل الباحثون على تجاوز أحد أهم قيود دم الحبل السري، وهو أن العينة الواحدة قد تحتوي على عدد قليل من الخلايا، ولا سيما بالنسبة إلى المرضى البالغين. كما قد يستغرق تعافي إنتاج الدم والمناعة بعد زرع دم الحبل السري وقتا أطول، مما يزيد خطر العدوى في المرحلة المبكرة.
ومن الاتجاهات الحديثة تنمية الخلايا مخبريا قبل زرعها. وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، وافقت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية على توسيع استخدام علاج خلوي مشتق من دم حبل سري متبرع به يدعى "أوميسيرج" ليشمل بعض مرضى فقر الدم اللاتنسجي الشديد الذين لا يتوفر لهم متبرع متوافق. وتُعالج خلاياه مخبريا لتعجيل تعافي خلايا الدم وتقليل بعض القيود المرتبطة بالزرع التقليدي.
ويبين هذا التطور أن دم الحبل السري ليس مجرد عينة مجمدة، بل منصة بيولوجية يمكن للعلم تطويرها وإدماجها مستقبلاً في العلاجات الخلوية والجينية. غير أن العلاجات المستقبلية المحتملة يجب ألا تُخلط بالاستخدامات المثبتة المتاحة اليوم.
دم الحبل السري مورد بيولوجي ثمين، وقد أنقذت خلاياه حياة مرضى يعانون أمراضا خطيرة. ووجود منشأة محلية متخصصة في سدرة للطب يمثل إضافة مهمة للبنية الصحية والبحثية في قطر، ويوفر للعائلات خيار معالجة العينات وتخزينها داخل البلاد.
لكن القرار لا ينبغي أن يُبنى على الخوف من مرض مجهول أو على وعود بأن الخلايا ستعالج مستقبلا كل شيء. على الوالدين أن يسألا عن التاريخ المرضي للعائلة، وعدد الخلايا المطلوب، وفحوص جودة العينة، والاعتمادات الرقابية، وشروط التخزين والنقل، والتكاليف، والحالات التي يمكن فيها استخدام العينة فعليا.
فدم الحبل السري ليس علاجا سحريا، وليس مجرد نفاية بيولوجية أيضا. إنه مورد طبي حقيقي، له استعمالات مثبتة وحدود واضحة وآفاق بحثية واعدة، وتكمن قيمته الحقيقية في التعامل معه بلغة العلم والدليل، لا بلغة الضمانات المطلقة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة