آخر الأخبار

هل تستطيع أمريكا عزل إيران اقتصاديا؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

تفتح الجولة الجديدة من العقوبات الأمريكية على إيران مرحلة أكثر اتساعا من الضغوط الاقتصادية، إذ تنتقل من استهداف طهران مباشرة إلى ملاحقة الدول والبنوك والشركات التي ما زالت توفر للاقتصاد الإيراني منافذ للتجارة والتمويل، في محاولة لجعل كلفة التعامل مع إيران أعلى من العائد الاقتصادي منه.

فالعملية التي أعلنتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تحت اسم "عملية المنبوذ الاقتصادي" توسع نطاق العقوبات الثانوية، وتهدد بحرمان الجهات التي تسهل التجارة الإيرانية أو تحريك أموالها من الوصول إلى النظام المالي القائم على الدولار، بالتوازي مع استهداف نحو 60 شخصا وكيانا وسفينة مرتبطة بقطاعات النفط والبرنامجين النووي والصاروخي، وتشديد القيود على قنوات تستخدمها طهران في الأصول الرقمية والذهب والتكنولوجيا والطيران والشحن البحري.

اقرأ أيضا

list of 3 items
* list 1 of 3 الخزانة الأمريكية: أطلقنا عملية "المنبوذ الاقتصادي" ضد إيران
* list 2 of 3 شركاء طهران في مرمى العقوبات.. هل تنجح واشنطن في عزل إيران؟
* list 3 of 3 العقوبات الأمريكية وقرار الإمارات يربكان تجارة إيران والهند end of list

ويختصر وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت الهدف بالقول إن واشنطن تريد "قطع كل شريان اقتصادي" يبقي النظام الإيراني متصلا بالعالم، مؤكدا أن الدول والشركات التي تواصل شراء النفط الإيراني أو نقل الأموال لصالح طهران ليست بمنأى عن الإجراءات الأمريكية.

قوة الدولار

لا تملك الولايات المتحدة من الناحية القانونية سلطة مباشرة تلزم دولة أخرى بوقف التجارة مع إيران، لكنها تمتلك أداة مختلفة تتمثل في قدرة كبيرة على التأثير في الشركات والبنوك التي تحتاج إلى السوق الأمريكية والدولار والنظام المالي المرتبط به.

وهنا تقوم فلسفة العقوبات الثانوية على تخيير الطرف الثالث بين مواصلة نشاطه مع إيران وبين الاحتفاظ بإمكانية التعامل مع الاقتصاد والنظام المالي الأمريكيين.

ويقول الأكاديمي والباحث الاقتصادي محمود مفيد عبد الكريم للجزيرة نت، إن "واشنطن لا تملك سلطة قانونية على الدول ذات السيادة، لكنها تملك سلطة فعلية على البنوك والشركات التي تحتاج الدولار"، موضحا أن حرمان بنك من حساباته المراسلة بالدولار يمكن أن يحد بشدة من قدرته على تنفيذ وتسوية المعاملات الدولية.

إعلان

وتزداد قوة هذه الأداة بفعل الموقع الذي يحتفظ به الدولار عالميا، إذ يستحوذ على الحصة الأكبر من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية، ويظل العملة الرئيسية في التمويل والتجارة الدولية.

ويضيف عبد الكريم أن الإدراج على قوائم مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة يمكن أن يجمد الأصول الواقعة ضمن الاختصاص الأمريكي ويجعل المؤسسات الأخرى أكثر حذرا في التعامل مع الكيان المستهدف، بما يوسع أثر العقوبات إلى أبعد من الحدود الأمريكية.

تجربة سابقة

وسبق أن اختبرت إيران فاعلية هذه الآلية عمليا عقب انسحاب إدارة ترمب من الاتفاق النووي وإعادة فرض العقوبات عام 2018، إذ دفعت مخاطر التعرض للعقوبات الأمريكية شركات أوروبية كبرى إلى الانسحاب من السوق الإيرانية، رغم اعتراض حكوماتها على الإجراءات الأمريكية أحادية الجانب.

ويقول أستاذ الاقتصاد والعلاقات الدولية كميل الساري للجزيرة نت، إن التجربة السابقة أظهرت أن الشركات الكبرى قد تفضل السوق الأمريكية عندما تصبح أمام خيار بين مواصلة أعمالها مع إيران والحفاظ على مصالحها في الولايات المتحدة.

ويستشهد الساري بالغرامة التي فرضتها السلطات الأمريكية على بنك "بي إن بي باريبا" الفرنسي وبلغت نحو 9 مليارات دولار عام 2014 بسبب انتهاكات للعقوبات الأمريكية المتعلقة بالسودان وكوبا وإيران، باعتبارها مثالا على المخاطر التي تأخذها المؤسسات المالية الدولية في حساباتها.

لكنه يلفت إلى ثغرة مهمة، فالشركات الصغيرة التي لا تمتلك أعمالا أو أصولا أو ارتباطا ماليا بالولايات المتحدة أقل تعرضا لهذا النوع من الضغط، ما يترك مجالا لشبكات الوساطة وإعادة التصدير والتسويات بعملات أخرى للالتفاف على القيود.

مصدر الصورة العقوبات الأمريكية دفعت شركات أوروبية كبرى للانسحاب من السوق الإيرانية (رويترز)

الصين.. الاختبار الأصعب

رغم قدرة واشنطن على رفع كلفة التعامل التجاري مع إيران، فإن نجاحها في فرض عزلة اقتصادية شبه كاملة على طهران يظل مرهونا بدرجة كبيرة بموقف الصين.

فبكين أصبحت المشتري الرئيسي للنفط الإيراني، واستوردت نحو 1.38 مليون برميل يوميا خلال 2025، بينما استحوذت على أكثر من 80% من النفط الإيراني المنقول بحرا، لكن الشحنات تراجعت إلى نحو 534 ألف برميل يوميا في أغسطس/آب الجاري، من 823 ألفا في يوليو/تموز الماضي، بعدما كانت قد بلغت ذروة تقارب 1.58 مليون برميل يوميا في وقت سابق من 2026.

ويقول أستاذ الدراسات الدولية بجامعة سون يات سين الصينية شاهر الشاهر للجزيرة نت إن الصين تمثل "الهدف الحقيقي" للحلقة الأشد تأثيرا من العقوبات، لأن خنق إيرادات النفط الإيرانية يصعب تحقيقه من دون تقليص التدفقات المتجهة إلى المصافي الصينية.

لكن اعتماد الصين على الخام الإيراني أقل كثيرا من اعتماد إيران على المشتري الصيني، إذ تستطيع بكين البحث عن براميل بديلة من الخليج وروسيا والعراق والبرازيل، بينما يصعب على طهران العثور على سوق قادرة على استيعاب حجم مماثل من صادراتها.

ويرى الشاهر أن الضرر بالنسبة للصين سيتركز بدرجة أكبر على المصافي المستقلة، خصوصا في شاندونغ، التي استفادت تاريخيا من النفط الإيراني المخفض السعر، وبالتالي فإن توقفه لا يعني أزمة إمدادات صينية بقدر ما يعني ارتفاع الكلفة وإعادة ترتيب مصادر الخام.

مصدر الصورة واردات الصين النفطية من إيران تراجعت إلى نحو 534 ألف برميل يوميا في أغسطس الجاري (غيتي)

معضلة واشنطن

لكن قدرة واشنطن على استهداف شركات صينية صغيرة لا تعني بالضرورة سهولة تطبيق النهج نفسه على مؤسسات مالية صينية كبرى، إذ ترتفع في هذه الحالة كلفة العقوبات ومخاطر الرد الصيني، بما يكشف حدود استخدام النفوذ المالي الأمريكي.

إعلان

ففرض عقوبات واسعة على بنوك صينية كبيرة قد يدفع بكين إلى الرد على الشركات الأمريكية، ويضيف ملفا جديدا إلى الخلافات التجارية والمالية بين أكبر اقتصادين في العالم، وهو ما يوضحه الساري لافتا إلى أن الصين تستطيع تجنيب شركاتها الكبرى الأكثر ارتباطا بالسوق الأمريكية التعامل المباشر مع إيران، والاعتماد بدلا منها على شركات أصغر ووسطاء ودول ثالثة، بما يزيد صعوبة فرض حصار اقتصادي كامل.

ويتفق الشاهر مع أن بكين ستسعى على الأرجح إلى تجنب الاختيار المباشر بين واشنطن وطهران، مرجحا أن تخفض مشترياتها الإيرانية أو تحول جزءا أكبر منها إلى اليوان وبنوك وشركات محدودة التعرض للنظام المالي الأمريكي، بدلا من الدخول في مواجهة مالية مفتوحة مع الولايات المتحدة.

وهو ما يفسر بقاء الصين العقدة الأكثر حساسية في الخطة، إذ تؤكد واشنطن أن المؤسسات الصينية ليست مستثناة من العقوبات، لكنها تواجه في الوقت نفسه كلفة اقتصادية ومالية محتملة كلما انتقل الاستهداف من المصافي والوسطاء الصغار إلى البنوك الصينية الكبرى.

مصدر الصورة استهداف البنوك الصينية الكبرى يرفع كلفة المواجهة الاقتصادية على واشنطن (أسوشيتد برس)

من يملك مفاتيح إيران؟

لا تتوقف الخطة الأمريكية على الصين وحدها، إذ تمر التجارة الإيرانية عبر شبكة تمتد إلى تركيا والعراق ومراكز التجارة وإعادة التصدير في آسيا والمنطقة.

وتقدر رويترز حجم التجارة السنوية بين تركيا وإيران بنحو 5 إلى 6 مليارات دولار، بينما يشتري العراق ما قيمته نحو 4 إلى 5 مليارات دولار سنويا من الغاز الإيراني، في حين هبطت تجارة الهند مع إيران بأكثر من 90% مقارنة بمستويات عامي 2018-2019 لتصل إلى نحو 1.63 مليار دولار في السنة المالية 2025-2026.

ويقول الخبير الاقتصادي نهاد إسماعيل للجزيرة نت، إن نجاح الحملة يتوقف في النهاية على مدى تعاون الدول التي تحتفظ بعلاقات اقتصادية مع إيران، ولا سيما الصين والعراق والهند وروسيا، معتبرا أن واشنطن تمتلك أدوات ضغط كبيرة بفضل قوة اقتصادها ومكانة الدولار، لكنها ستواجه تحديات كلما اتسعت دائرة الدول التي يتعين الضغط عليها.

ويرى إسماعيل أن استجابة هذه الدول ستضيق بشدة البدائل أمام إيران، في حين لن توفر تجمعات مثل بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون بديلا كاملا عن النظام المالي العالمي القائم.

مصدر الصورة نجاح العقوبات يتوقف على استجابة أبرز الشركاء التجاريين لإيران عالميا (الجزيرة)

اقتصاد تحت الضغط

بالنسبة لإيران، يأتي التصعيد الجديد في وقت يعاني فيه اقتصادها بالفعل من ضغوط حادة، ما يزيد من حساسيته تجاه أي قيود إضافية على التجارة وتدفقات النقد الأجنبي.

ويتوقع صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد الإيراني بنحو 5.4% في 2026، بعد أن كانت تقديراته في أبريل/نيسان تشير إلى انكماش قدره 6.1%، بينما يقدر متوسط التضخم خلال العام بنحو 68.9%. ويقدر البنك الدولي أن الناتج المحلي انكمش بالفعل بنحو 2.7% في السنة الإيرانية المنتهية في مارس/آذار 2026.

وهو ما يعني أن نجاح واشنطن في تضييق قنوات النفط والتجارة والتحويلات المالية يمكن أن ينقل أثر العقوبات إلى الاقتصاد الإيراني عبر عدة مسارات في الوقت نفسه:


* انخفاض إيرادات النقد الأجنبي.
* اتساع عجز المالية العامة.
* تراجع قدرة البنك المركزي على دعم الريال وتمويل الواردات، ثم انتقال ضعف العملة إلى أسعار الغذاء والسلع المستوردة.

ويقول عبد الكريم إن الخطر الأكبر لا يتمثل فقط في فقدان المشتري، وإنما في فقدان القدرة على تحصيل ثمن الصادرات واستخدام الأموال، لأن النفط قد يجد مشتريا إذا اتسع الخصم السعري، بينما يصبح الوصول إلى العائدات أكثر تعقيدا عندما ترفض البنوك والوسطاء معالجة المدفوعات خوفا من العقوبات.

إعلان

هل ينقذ اليوان إيران؟

طورت إيران خلال سنوات العقوبات شبكة بديلة تعتمد على تجارة النفط مع الصين، والتسويات باليوان، وشركات وسيطة وأساطيل نقل يصعب تتبعها، إضافة إلى استخدام الذهب والأصول الرقمية وعمليات نقل النفط بين السفن.

وتشير رويترز إلى أن جزءا من التجارة النفطية مع الصين يعتمد بالفعل على اليوان وشبكات غير شفافة، مع إعادة توصيف منشأ بعض الشحنات الإيرانية باعتبارها قادمة من دول أخرى.

ويقول الشاهر إن الصين قادرة على مواصلة شراء كميات من النفط الإيراني وتوفير قنوات دفع باليوان عبر بنوك أقل ارتباطا بالولايات المتحدة، لكنها لا تستطيع منح إيران بديلا مكافئا للاندماج في النظام المالي الدولي.

وبذلك يمكن لبكين، وفق الشاهر، أن تساعد في تشكيل "اقتصاد ظل" يسمح لطهران بالحصول على سلع وآلات وإيرادات محدودة، لكنها لا تستطيع تعويضها عن الوصول الواسع إلى العملات الدولية والتمويل والاستثمار والتكنولوجيا.

ويذهب إسماعيل إلى نتيجة مشابهة، معتبرا أن استبدال الدولار بصورة شاملة يظل صعب التطبيق، خصوصا أن محاولات دول أكبر اقتصاديا، بينها الصين وروسيا، لتقليل الاعتماد عليه لم تؤد حتى الآن إلى إنشاء بديل عالمي مماثل.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار