قد يبدو احتمال عودة الاحتياطي الفيدرالي إلى رفع أسعار الفائدة خبرا سلبيا تلقائيا للأسهم الأمريكية، إذ يزيد التشديد النقدي تكلفة التمويل ويجعل السندات أكثر جاذبية مقارنة بالأسهم، خصوصا عندما تكون تقييمات السوق مرتفعة. لكن التجربة التاريخية تقدم صورة أكثر تعقيدا، وتُظهر أن اتجاه الأسهم خلال دورات التشديد يرتبط بدرجة كبيرة بالظروف الاقتصادية التي تدفع البنك المركزي إلى رفع الفائدة.
وبحسب تحليل لباركليز، نقله موقع إنفستنغ دوت كوم، فقد حقق مؤشر ستاندرد آند بورز 500 عوائد سنوية موجبة بين أول وآخر زيادة للفائدة في جميع دورات التشديد النقدي التي درسها البنك منذ تسعينيات القرن الماضي، وتراوحت تلك العوائد بين 0.1% و7.8%، بوسيط بلغ 5.6%.
وتكمن أهمية هذه الأرقام في أنها تفصل بين رفع الفائدة بوصفه عبئا ماليا، والظروف التي تدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى اتخاذ القرار؛ فالتشديد يحدث في كثير من الأحيان عندما يكون النشاط الاقتصادي والطلب قويين، بما يسمح لنمو الإيرادات والأرباح بتعويض جزء من الضغوط الناتجة عن ارتفاع تكلفة الأموال.
وتكشف بيانات باركليز تفاوتا واضحا بين القطاعات خلال دورات رفع الفائدة. فقد حقق قطاع التكنولوجيا أفضل وسيط للعوائد السنوية عند 14%، يليه قطاع الطاقة بنحو 8.8%. لكن الأداء لم يكن إيجابيا في جميع الحالات، إذ سجل القطاعان في أسوأ الدورات عوائد سالبة بلغت نحو 1.5% للتكنولوجيا و2% للطاقة.
وتعني هذه الفوارق أن العلاقة بين الفائدة والأسهم لا تعمل بالطريقة نفسها في كل دورة. ففي دورة 2022 و2023، على سبيل المثال، تعرضت قطاعات حساسة للفائدة مثل العقارات والمرافق والخدمات المالية لضغوط قوية، في حين سجل قطاعا التكنولوجيا والطاقة أداء أفضل.
ويصبح السؤال الأهم هنا مرتبطا بموقع الاقتصاد داخل الدورة النقدية، فرفع الفائدة في اقتصاد قوي وتضخم مرتفع يختلف في آثاره عن تشديد السياسة النقدية في وقت يتراجع فيه النمو. وكلما زادت مخاوف المستثمرين من أن الاحتياطي الفيدرالي اضطر إلى التحرك متأخرا لاحتواء الأسعار، ارتفعت احتمالات تعرض الأسهم لضغوط أكبر.
ولا يوجد حتى الآن إجماع بين المؤسسات المالية الكبرى على اتجاه السياسة النقدية خلال بقية عام 2026. فقد أبقى الاحتياطي الفيدرالي في اجتماعه أواخر يوليو/تموز نطاق الفائدة عند 3.5% إلى 3.75%، بأغلبية 9 أصوات مقابل 3، بينما طالب ثلاثة من رؤساء بنوك الاحتياطي الإقليمية برفعها فورا.
ويتبنى بنك أوف أمريكا أحد أكثر السيناريوهات تشددا، إذ يتوقع ثلاث زيادات بمقدار ربع نقطة مئوية خلال 2026، بما يرفع نطاق الفائدة إلى 4.25% و4.5%، مستندا إلى توقع استمرار الضغوط التضخمية خلال الأعوام المقبلة.
في المقابل، يتوقع مايكل غابن -كبير الاقتصاديين الأمريكيين في مورغان ستانلي- بقاء الفائدة دون تغيير حتى نهاية العام، ويرى أن ارتفاع عوائد السوق أدى بالفعل إلى تشديد الظروف المالية بما يعادل زيادة بنحو 39 نقطة أساس، بالتزامن مع تحرك التضخم باتجاه 2%. ويتوقع البنك خفض الفائدة مرتين في عام 2027.
ويتخذ جيه بي مورغان موقفا قريبا، إذ يتوقع تثبيت الفائدة خلال عام 2026 وأن يكون التحرك التالي نحو الرفع في 2027، في حين يميل غولدمان ساكس إلى سيناريو يتضمن تخفيضات محدودة دون دخول الاقتصاد في ركود.
ويكشف هذا التباين أن السؤال الذي تواجهه الأسواق لم يعد مقتصرا على توقيت القرار المقبل، وإنما يمتد إلى المسار الكامل للتضخم والنمو والظروف المالية خلال الأشهر المقبلة.
وتزداد حساسية هذه المعادلة لأن الأسهم الأمريكية تدخل المرحلة الحالية من مستويات تقييم مرتفعة. وتشير المادة إلى أن ستاندرد آند بورز 500 يتحرك بالقرب من مستويات قياسية، وأن بعض مقاييس التقييم وصلت إلى مستويات مرتفعة تاريخيا، مما يجعل السوق أكثر حساسية لأي مفاجأة في التضخم أو الأرباح أو السياسة النقدية.
وهنا تصبح جودة الأرباح وقدرة الشركات على تحمل تكلفة التمويل أكثر أهمية من الاتجاه العام للقطاع. ويشير باركليز إلى اتساع التفاوت بين أداء الشركات، وهو ما يدفع البنك إلى التركيز على انتقاء الأسهم القادرة على التعامل بصورة أفضل مع تغير البيئة الاقتصادية، بدلا من الرهان على قطاع كامل بوصفه المستفيد التاريخي من دورة التشديد.
وبذلك لا تقدم التجربة التاريخية قاعدة تقول إن رفع الفائدة يدفع الأسهم إلى الارتفاع، بقدر ما تكشف أن الأسواق تستطيع تحقيق مكاسب خلال التشديد عندما يكون الاقتصاد قويا بما يكفي لاستيعابه.
أما الخطر الأكبر على وول ستريت، فيتمثل في اجتماع عناصر أكثر صعوبة في وقت واحد: تضخم يجبر الاحتياطي الفيدرالي على مزيد من التشديد، ونمو اقتصادي يفقد زخمه، وأرباح شركات تتباطأ، وأسهم تبدأ هذه المرحلة من تقييمات مرتفعة. وفي هذه الحالة يصبح رفع الفائدة جزءا من المشكلة، ويكون مصدر القلق الحقيقي هو البيئة الاقتصادية التي فرضته.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة