آخر الأخبار

لماذا نتصرف ونتحدث وكأننا أشخاص آخرون بعد السفر؟

شارك
مصدر الصورة

بدلاً من العودة محملين بالهدايا التذكارية، يرجع بعض المسافرين من عطلاتهم بلهجة ومظهر وتصرفات مختلفة تماماً، لكن لماذا؟

عندما كنت في العشرينيات من عمري، لم تكن لدي أي فكرة عما أريد فعله بحياتي، كان لدي شغف بالسفر، فقررت الاستقرار في براغ، وبعد ثلاث سنوات ومئات الأكواب من الجعة التشيكية، عدت إلى الولايات المتحدة بشيء لم أخطط له: مظهر ولهجة جديدان.

اختفى شعري الطويل الأشقر الداكن، وتخليت عن أسلوبي العملي القائم على الجينز والقمصان القطنية، وحل مكان ذلك شعر قصير مصبوغ بالأشقر الفاتح، وأسلوب أزياء لا يرتبط بجنس محدد، وطريقة متكلفة في الحديث بدت مزيجاً بين لهجة منطقة بوهيميا الوسطى والتصنع.

كرهت عائلتي شخصيتي الجديدة، وحين أنظر إلى الأمر الآن، أعتقد أنني كنت سأكرهها أنا كذلك.

سيعود كثيرون من عطلاتهم الصيفية هذا العام ليعرضوا على أصدقائهم وعائلاتهم صوراً توضح مدى تأثير الرحلة فيهم، لكن هناك فئة أخرى من المسافرين يتغيرون بصورة ملموسة، إذ يعودون بلهجة المكان الذي زاروه أو أزيائه أو عاداته، ويدمجونها في تفاصيل حياتهم اليومية.

هل تذكرون النبرة البريطانية التي تبنتها مادونا خلال إقامتها في إنجلترا، وأثارت موجة واسعة من السخرية؟ تلك ليست سوى غيض من فيض؛ إذ يبدو أن مادونا وغيرها من المسافرين قد لا يستطيعون منع أنفسهم من التقاط هذه النبرات.

يمتلئ الإنترنت بمقاطع رائجة تسخر ممن يبدأون بتدخين سيجارة تلو الأخرى وارتداء الملابس السوداء بعد ثلاثة أيام فقط في برلين، أو يستخدمون كلمة "بولُكس" البريطانية، التي تعني "هراء"، منذ يومهم الأول في لندن، أو ينطقون اسم "إير بي إن بي" بلكنة فرنسية بعد خمسة أيام في باريس.

لكن رغم سهولة السخرية من هذه "اللهجات المكتسبة خلال الدراسة في الخارج" والتصرفات الجديدة التي تبدو مفتعلة، أردت معرفة سبب قابلية بعضنا لاكتسابها.

مصدر الصورة

في الواقع، ليس اكتساب لهجة جديدة أمراً صعباً، ولا سيما إذا أمضينا وقتاً كافياً في مكان ما، حيث تُشير دراسات إلى أننا نقلد لهجات الآخرين من دون وعي، لأن البشر كثيراً ما يكيفون طرائق كلامهم مع من حولهم، وقد يُبرز السفر إلى مكان جديد هذا الميل.

وبالنسبة إلى كثيرين، يمكن أن يكون السفر مؤثراً ومسبباً للتعلق في آن واحد، فالتعرف إلى ثقافات أخرى، ومعايشة طرائق عيش الناس حول العالم، قد يتركان فينا أثراً عميقاً ودائماً، في تفاصيل كبيرة وصغيرة.

وتقول الدكتورة شارلوت راسل، اختصاصية علم النفس السريري ومؤسسة منصة "عالمة نفس السفر"، إن هذه الاكتشافات قد تتحول سريعاً إلى طقوس شخصية.

وتوضح: "الدافع الأكثر وضوحاً وراء تبني بعض الناس عادات أجنبية أو طرائق جديدة في الكلام هو شعورهم بارتباط قوي إلى جانب تجربتهم في مكان معين، ورغبتهم في الاحتفاظ بتلك التجربة وبالإحساس الذي منحهم إياه ذلك الارتباط".

وقدمت راسل مثالاً شخصياً على "الأشياء الأكثر بساطة التي قد نعود بها معنا" من السفر، فهي تحب الكلمة اليونانية "باراكالو"، التي تُترجم إلى "من فضلك"، لكنها تؤدي في اللغة اليونانية معاني أوسع من ذلك.

وتقول: "أحب وقع الكلمة والطريقة التي تُستخدم بها لإظهار اللباقة تجاه الآخرين، على نحو يشبه قولنا: تفضل قبلي، أو كيف يمكنني مساعدتك؟".

وتضيف: "رغم ارتباطي بهذه الكلمة وبالثقافة اليونانية، لا أستخدمها بصوت مرتفع أو أمام غرباء لا يعرفون سياقها، أقولها عندما أكون في اليونان، أو عندما ألتقي أصدقائي اليونانيين بعد عودتي إلى بلدي، وبالنسبة إلي، يرتبط استخدام هذه الكلمة في مواقف محددة بالصلة التي أشعر بها تجاه الثقافة اليونانية وتجربتي هناك".

مصدر الصورة

لكن هناك أيضاً مظاهر أكثر وضوحاً نعود بها من رحلاتنا، أعرف امرأة أمريكية بدأت فجأة تختم رسائلها الإلكترونية بكلمة "ناماستي"، وهي تحية شائعة في جنوب آسيا، بعد عودتها من بوتان.

كما عاش أحد أصدقائي فترة قصيرة في إيطاليا، وأصبح منذ ذلك الحين يضم أطراف أصابعه ويحرك يده صعوداً وهبوطاً كلما شعر بالحيرة، أما معظم من قابلتهم ممن زاروا كوستاريكا، فلا يكفون عن ترديد عبارة "بورا فيدا"، التي تعني حرفياً "الحياة النقية"، بينما يؤدون، على نحو غريب، إشارة "شاكا" المرتبطة بثقافة هاواي.

وتقول راسل: "قد ينطوي الدافع الثاني أيضاً على الشعور بالارتباط بمكان ما، لكنه لا يكون هادئاً أو خفياً؛ بل يتعلق بإظهار الشخص للآخرين أنه كثير السفر، وربما ينطوي أحياناً على شعور بالتفوق بسبب ذلك".

ويرى غاريث باركين، أستاذ الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع في جامعة بيوجيت ساوند بمدينة تاكوما في ولاية واشنطن، أن بعض المسافرين قد يتبنون عادات أجنبية احتراماً للثقافة المحلية، أو حتى تبجيلاً لها.

ويستشهد باركين بأعمال الفيلسوف الفرنسي رينيه جيرار، الذي صاغ مصطلح "الرغبة المحاكاتية"، ورأى أننا عندما نسافر لا نرغب في استهلاك أطعمة المكان ومشاهدة معالمه فحسب، بل نسعى أيضاً إلى امتصاص ثقافة المجتمع المضيف.

ويقول باركين: "حتى عندما يتعلق الأمر بدولة متقدمة للغاية مثل فرنسا أو اليابان، فإننا غالباً ما ننظر إليها باعتبارها أكثر أصالة وتمسكاً بالتقاليد من حياتنا الحديثة المفككة".

ويضيف: "عندما نتبنى لهجة أهل تلك البلاد أو نقلد حركات أجسادهم، فإننا نحاول، غالباً من دون وعي، أن ننصهر في الآخر ونتحول إليه، بحسب تعبير عالم الأنثروبولوجيا مايكل تاوسيغ، فنحن نأمل أن تنتقل إلينا، بطريقة ما، طريقتهم التي نراها أكثر أصالة في الوجود".

مصدر الصورة

ومن المثير للاهتمام أن باركين يرى أن الوجهات السياحية لا تتمتع جميعها بالجاذبية نفسها عندما يتعلق الأمر بتقليد ثقافتها، فاحتمال دفع ثقافة ما المسافرين إلى محاكاتها يرتبط عادة بما يُعرف في علم اللغة الاجتماعي بـ"انحياز المكانة"، أي ميلنا إلى تبني سلوكيات الأشخاص أو الأماكن التي نحظيها بتقدير كبير.

ويقول: "تتمتع بعض الوجهات بمكانة معلنة ومرموقة لدى المسافرين الأمريكيين، مثل المملكة المتحدة وفرنسا وإيطاليا واليونان، وهي دول ترتبط بالموروث الكلاسيكي للثقافة الغربية".

ويضيف: "عندما يتبنى سائح أمريكي نبرة إنجليزية في لندن، أو يحاول تقليد حركات اليد المحلية في روما، فإنه يستخدم المحاكاة وسيلة سريعة لاستعارة جزء من المكانة الاجتماعية للوجهة، ولإرسال إشارة إلى السكان المحليين بأنه ينتمي إلى المكان".

وقد يرتبط سبب آخر لعودة بعض المسافرين بشيء من التصنع في لهجتهم، أو تطعيم أحاديثهم بكلمات أجنبية اكتسبوها حديثاً، بظاهرة "السياحة المفرطة".

ويرى باركين أنه مع توسع السياحة الجماعية، تراجعت جاذبية الوجهات التي تمتعت تاريخياً بـ"مكانة معلنة"، بينما نشهد حالياً، بفضل وسائل التواصل الاجتماعي، صعود ما يُعرف بـ"المكانة الخفية".

ويشرح: "في إطار المكانة الخفية، يضفي المسافرون الغربيون من الطبقة الوسطى صورة رومانسية على المجتمعات الريفية أو مجتمعات السكان الأصليين أو المجتمعات الأقل نمواً، ويقدمون أنفسهم بذلك بوصفهم مختلفين عن السياح التقليديين".

ويضيف: "إنهم يستعرضون نوعاً متخصصاً من الرصيد الثقافي، لا يهدف فقط إلى ربط أنفسهم بثقافة المجتمع المضيف، بل أيضاً إلى الإيحاء بأنهم أرفع مكانة من السياح العاديين الذين يقصدون وجهات تقليدية يسهل الوصول إليها".

مصدر الصورة

جميعنا يعرف هذا النوع من المسافرين: الأمريكي الذي أمضى شهراً يتعلم الإسبانية في ريف غواتيمالا، ثم أصبح لا يأكل سوى خبز التورتيلا المصنوع من عجينة الذرة؛ والكندي الذي عاد لتوه من لاوس، وأصبح يضم كفيه وينحني كلما ناوله أحد شيئاً؛ والأوروبيون الذين يجوبون الهند بحقائب الظهر مرتدين الساري أو الدوتي الملتف حول الخصر.

ويمكن النظر إلى تبني المسافرين ثقافة البلدان التي يزورونها بوصفه نوعاً من المزايدة والاستعراض، فشخص ما ينتظر دوره لالتقاط صورة مثالية لنفسه أمام شروق الشمس في ماتشو بيتشو وهو يؤدي وضعية "المحارب الثاني" في اليوغا، ولا يطيق الانتظار حتى ينشرها على إنستغرام.

وشخص آخر يعود الآن إلى بلده، وسيبدأ عبر تيك توك بتعليم العالم طريقة إعداد مشروب "بيسكو ساور" وطبق "سيفيتشي" بإتقان، بينما ينطق اسم فلفل "آخي أماريو" بلكنة مثالية، رغم أنه لم يسمع بأي من هذه الأشياء قبل رحلته.

وأعتقد أن هذا ما كنت أفعله عندما عدت إلى الولايات المتحدة بعد إقامتي في براغ، فمن خلال مظهري وطريقة كلامي الجديدين، كنت أحاول من دون وعي أن أقدم نفسي مجدداً إلى أصدقائي القدامى، وأن أُظهر لهم أن ثقافة مختلفة عن ثقافتي قد غيرتني.

وعندما أنظر إلى الأمر الآن، أعتقد أن ذلك التصرف العابر ربما كان موجهاً إلي أكثر من الآخرين؛ فقد كان وسيلة أُثبت بها لنفسي مقدار التغير الذي طرأ علي، أما الآخرون، فعلى الأرجح أنهم اعتبروني مجرد أحمق متصنع.

بي بي سي المصدر: بي بي سي
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار