قد يستأنف مضيق هرمز عمله بصورة طبيعية خلال الأيام المقبلة، لكن الأشهر الماضية تركت أثرا أعمق من أن تمحوه عودة السفن إلى العبور. فالحرب الإيرانية لم تؤد فقط إلى اضطراب مؤقت في تدفقات الطاقة، بل دفعت المنتجين والمشترين إلى إعادة النظر في تكلفة الاعتماد على أحد أهم الممرات النفطية في العالم.
ورأت وكالة بلومبرغ أن التجربة الأخيرة "ستغير على الأرجح بصورة دائمة ديناميكيات تجارة النفط في الشرق الأوسط"، بعدما تحول إغلاق مضيق هرمز من سيناريو افتراضي كان يقتصر على نماذج المحللين إلى خطر عملي أثبت قدرته على تعطيل أسواق الطاقة العالمية.
وبحسب بلومبرغ، أظهرت الحرب "مدى سهولة قدرة إيران على شل سوق النفط العالمية"، وهو ما يعزز إدراك المتعاملين بأن التوصل إلى اتفاق أولي بين واشنطن و طهران لا يعني انتهاء المخاطر بالكامل، في ظل استمرار ملفات خلافية عديدة بين الطرفين.
قبل الحرب، كان المشترون الآسيويون يركزون على السعر وجودة الخام وتكاليف الشحن. أما اليوم، فتدخل اعتبارات جديدة إلى حساباتهم، من بينها مخاطر المرور عبر مضيق هرمز واحتمالات تعطل الإمدادات.
وتوقعت بلومبرغ أن:
وبذلك، تصبح المخاطر الجيوسياسية جزءا من تكلفة البرميل، حتى بعد انحسار العمليات العسكرية.
ويشكل المشترون الآسيويون الوجهة الرئيسية لصادرات النفط الخليجية، إلا أن الحرب دفعتهم إلى تنويع مصادر الإمدادات بوتيرة غير مسبوقة.
ورأت بلومبرغ أن المصافي الآسيوية ستعود إلى شراء النفط الشرق أوسطي بمجرد استئناف تدفقه بصورة طبيعية، لكنها "ستتردد في العودة إلى وضع يعتمد بشكل مفرط على المنطقة".
تنويع مصادر النفط بعيدا عن هرمز لا يخلو من تكاليف إضافية، لأن ناقلات النفط العملاقة المحملة بالخام الأمريكي تضطر إلى الإبحار عبر رأس الرجاء الصالح، في رحلات تستغرق نحو 55 يوماً، أي أكثر من ضعف المدة التي تستغرقها الشحنات القادمة من الخليج.
وتبرز اليابان بوصفها مثالا واضحا على هذا التحول. فقد بُني قطاع النفط الياباني لعقود على أساس الاعتماد شبه الكامل على الخام القادم من الخليج، إذ كانت نحو 90% من وارداته تأتي من المنطقة قبل الحرب، بحسب بلومبرغ.
لكن هذا الواقع بدأ يتغير، وذكرت رويترز أن النفط الأمريكي تحول إلى أحد البدائل الرئيسية للمصافي اليابانية، إلى جانب إمدادات من السعودية والإمارات عبر مسارات تتجاوز مضيق هرمز.
وقال رئيس جمعية النفط اليابانية، شونيتشي كيتو: "نتعامل مع الوضع من خلال مزيج من السحب من الاحتياطيات الوطنية وتأمين مصادر بديلة"، مضيفا: "لا نتوقع مشكلات في الإمدادات خلال ذروة الطلب الصيفي".
وأشار إلى أن بعض الشركات اليابانية اتجهت أيضا إلى شراء خامات من المكسيك والإكوادور و فنزويلا و ألاسكا ومشروع "سخالين-2" الروسي.
غير أن هذا التنويع لا يخلو من تكاليف إضافية. فبحسب كيتو، تضطر ناقلات النفط العملاقة المحملة بالخام الأمريكي إلى الإبحار عبر رأس الرجاء الصالح، في رحلات تستغرق نحو 55 يوماً، أي أكثر من ضعف المدة التي تستغرقها الشحنات القادمة من الخليج.
لم تقتصر إعادة الحسابات على المشترين، بل امتدت إلى كبار المنتجين في المنطقة.
وذكرت بلومبرغ أن الحرب حفزت السعودية والإمارات على تسريع خطط تقليص الاعتماد على مضيق هرمز. وتدرس الإمارات إنشاء خط أنابيب إضافي إلى الفجيرة الواقعة خارج المضيق، بينما قد تحافظ السعودية على مستويات مرتفعة من الضخ عبر خط أنابيب البحر الأحمر.
وتعكس هذه المشاريع إدراكا متزايدا بأن أمن الإمدادات لم يعد مرتبطا بحجم الاحتياطيات فقط، بل أيضا بمرونة البنية التحتية وقدرتها على تجاوز نقاط الاختناق الجغرافية.
ورغم أن الاتفاق الأمريكي الإيراني دفع بعض مؤشرات السوق إلى التراجع، إذ عادت علاوة خام دبي إلى مستويات قريبة من تلك التي سبقت الحرب، وفقا لرويترز، فإن الحذر لا يزال قائما بشأن سرعة عودة الملاحة إلى طبيعتها.
وقال كبير محللي الأسواق لدى فورتيكسا، كزافييه تانغ إن "علاوات مخاطر الحرب المرتبطة بالعبور عبر المضيق ستظل تدعم الأسعار مؤقتا إلى أن تظهر مؤشرات واضحة على سلامة الملاحة".
وسيظل الخليج، بحسب بلومبرغ، مركز صناعة النفط العالمية لعقود مقبلة، لكن الحرب الأخيرة كشفت بصورة لا لبس فيها أن الاعتماد المفرط على منطقة واحدة لتأمين احتياجات الطاقة يحمل مخاطر تتجاوز الحسابات التقليدية للأسعار، وهو درس يبدو أن المشترين والمنتجين بدأوا بالفعل في ترجمته إلى قرارات استثمارية وتجارية طويلة الأجل.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة