في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تنتقل أزمة الطاقة في أوروبا من أسواق النفط والغاز إلى دفاتر المالية العامة وقواعد العجز والدين، بعدما تعامل الاتحاد الأوروبي مع ارتفاع كلفتها في السنوات الماضية باعتباره طارئا مؤقتا يمكن احتواؤه بإجراءات محدودة زمنيا.
وحسب وكالة بلومبيرغ وصحيفة فايننشال تايمز البريطانية، تدرس المفوضية الأوروبية السماح للدول الأعضاء بإنفاق ما يصل إلى 0.3% من الناتج المحلي الإجمالي على إجراءات مرتبطة بالطاقة، من دون أن تُعامل هذه النفقات بالطريقة المعتادة داخل قواعد الاتحاد المالية.
وتصف الصحيفة المقترح بأنه "هامش طاقة" يهدف إلى طمأنة الحكومات بأن دعم الأسر والشركات في مواجهة ارتفاع الفواتير لن يعرّضها تلقائيا لإجراءات العجز المفرط.
ويأتي ذلك بعد ارتفاع أسعار الطاقة إثر اتساع التوترات في الشرق الأوسط وتصاعد المخاوف بشأن إمدادات النفط والغاز، خصوصا عبر مضيق هرمز.
وفي تعليق للجزيرة نت، يقول الأستاذ المساعد في جامعة قطر جلال قناص إن أوروبا تواجه في عام 2026 "واحدة من أعقد أزماتها الاقتصادية الهيكلية"، بعدما رفعت التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط أسعار الطاقة، في وقت تعاني فيه القارة من شح في المعروض بعد استخدام جانب من مخزوناتها الإستراتيجية.
ويرى قناص أن الأزمة وضعت "الصرامة المالية للاتحاد الأوروبي وميثاق الاستقرار والنمو في مواجهة مباشرة مع واقع إنساني واجتماعي صعب"، مشيرا إلى أن أثر الصدمة قد يمتد في المالية العامة الأوروبية حتى نهاية عام 2027، مع اندفاع الحكومات نحو استخدام ميزانياتها واستحداث حزم دعم لحماية المواطنين والمستهلكين والمستثمرين.
في أحدث توقعاتها الاقتصادية، قالت المفوضية الأوروبية إن اقتصاد منطقة اليورو قد ينمو 0.9% فقط في 2026، مقابل 1.4% في 2025، بينما يرتفع التضخم في منطقة اليورو إلى 3% في 2026.
وقدّرت المفوضية أن عجز الموازنات في الاتحاد الأوروبي سيرتفع من 3.1% من الناتج المحلي في 2025 إلى 3.6% في 2027، مدفوعا بضعف النشاط الاقتصادي وارتفاع مدفوعات الفائدة والإنفاق الدفاعي وإجراءات حماية المستهلكين والشركات من أسعار الطاقة.
وأشارت المفوضية إلى أن أسعار الغاز زادت بنحو 50%، وأسعار النفط بنحو 65% بين أواخر فبراير/شباط وأواخر أبريل/نيسان 2026 في سيناريو الصدمة الذي بنت عليه توقعاتها، كما تتوقع أن يتجاوز تضخم الطاقة في أوروبا 11% في الربع الثاني من 2026، وأن يبقى فوق 10% بقية العام.
ويحذر قناص من أن هذه التطورات قد تعيد إلى السطح الانقسامات التقليدية داخل الاتحاد الأوروبي بين دول شمالية أكثر تشددا ماليا، ودول جنوبية مثقلة بالديون وأكثر عرضة لضغوط أسعار الطاقة.
كانت المفوضية
الأوروبية أكثر تحفظا قبل أسابيع قليلة، إذ أعدت المديرية العامة للشؤون الاقتصادية والمالية مذكرة في مارس/آذار 2026 أكدت فيها أن أي إجراءات لتخفيف أثر أسعار الطاقة يجب أن تكون مؤقتة وموجهة، وألا تزيد الطلب على النفط والغاز، وأن تراعي استدامة المالية العامة.
كما حذرت المذكرة من أن منح مرونة مالية خاصة للطاقة قد يضعف مصداقية الإطار المالي الأوروبي.
وتوقع صندوق النقد الدولي، في تقرير "آفاق الاقتصاد العالمي" الصادر في أبريل/نيسان 2026، أن يبلغ التضخم في التكتل 2.8% في 2026، مقابل 2.6% في منطقة اليورو، كما رجح أن يرتفع التضخم العام في منطقة اليورو مؤقتا فوق مستوى 2% في 2026، وأن يبقى أعلى من هدف البنك المركزي الأوروبي في 2027، مع بقاء التضخم الأساسي فوق 2% حتى 2028.
وماليا، شددت المفوضية الأوروبية على أن الإنفاق المرتبط بالطاقة ينبغي أن يظل منسجما مع مسارات صافي الإنفاق التي أقرها مجلس الاتحاد الأوروبي لكل دولة، وأن أي انحراف يجب أن يُعامل وفق القواعد نفسها سواء كان سببه الطاقة أو غيرها.
كما قالت إن تفعيل "بنود الخروج" العامة أو الوطنية لم يكن مناسبا في تلك المرحلة، لأن هذه البنود مخصصة لصدمات أوسع أو أخطر تهدد الاقتصاد أو استدامة الدين.
و"بند الخروج" يسمح للدول بأن تنحرف مؤقتا عن متطلبات الموازنة في ظروف استثنائية خارجة عن سيطرتها، بشرط ألا يهدد ذلك استدامة الدين على المدى المتوسط.
وترتكز القواعد التقليدية للاتحاد، التي ترسخت عبر "ميثاق الاستقرار والنمو"، على عنصرين:
ألا يتجاوز عجز الموازنة 3% من الناتج المحلي الإجمالي. ألا يتجاوز الدين العام 60% من الناتج المحلي، أو أن يكون في مسار تراجع مقنع إذا تخطى هذه العتبة.
وتبدأ "إجراءات العجز المفرط" عندما تخالف دولة عضو معيار العجز، أو عندما يبقى دينها فوق 60% من الناتج من دون انخفاض كاف.
لكن التكتل الأوروبي بدا أكثر تسامحا بصورة تدريجية، ففي رسالة تلخص اجتماع مجموعة اليورو في نهاية مارس/آذار، أقر وزراء المالية بأن أسعار النفط والغاز تضغط على الأسر والشركات، وترفع التضخم، وتضعف النمو، مع التأكيد في الوقت نفسه أن أي استجابة قصيرة الأجل يجب أن تكون موجهة ومؤقتة ومصممة بحسب ظروف كل دولة، وأن المساحة المالية محدودة.
يرى قناص أن الدعم الحكومي لفواتير الطاقة، رغم أهميته الاجتماعية، يظل "بمثابة مسكن آلام لا يعالج المرض"، لأن جوهر الأزمة يتمثل في شح المعروض من الطاقة لا في ضعف الطلب فقط.
ويضيف أن هذا الدعم قد يبقي الاستهلاك مرتفعا في المدى القصير، ويعزل الأسر والشركات عن الإشارات السعرية الحقيقية في السوق.
وحسب قناص، فإن أثر الدعم على التضخم سيكون "متناقضا ومربكا"، إذ قد ينجح في خفض التضخم الظاهري خلال 2026 عبر كبح الارتفاع الفوري في فواتير الطاقة، لكنه قد يمهد لموجات تضخمية لاحقة في 2027 عند البدء في سحب هذه الحزم لتجنب اتساع العجز المالي.
كما يرى أن استمرار الاستهلاك المرتفع قد يغذي التضخم الأساسي، ويزيد الضغوط على البنك المركزي الأوروبي في وقت يحاول فيه إعادة التضخم إلى مساره المستهدف.
تبدو نسبة 0.3% من الناتج المحلي مألوفة للمفوضية الأوروبية، ففي مراجعتها لتجربة دعم الطاقة بين 2022 و2024، قالت المفوضية إن الكلفة الصافية لإجراءات الطاقة في الاتحاد الأوروبي بلغت 2.2% من الناتج المحلي الإجمالي تراكميا خلال تلك الفترة، منها 1.2% في 2022، و0.9% في 2023، و0.1% في 2024.
وأضافت أن نحو 60% من الإجراءات اتخذت شكل خفض للأسعار، مقابل 40% لدعم الدخل، وأن ربع الإجراءات فقط كان موجها بدقة للفئات الأشد احتياجا.
وقدّرت المفوضية أن تعويض الأسر الواقعة في أدنى خُمسين دخليين عن صدمة أسعار الطاقة في 2022 كان سيكلف، في المتوسط، نحو 0.3% من الناتج المحلي الإجمالي.
ويتجه دعم دخل الأسر الضعيفة في التكتل الأوروبي إلى اتخاذ شكل قسائم طاقة، أو تخفيضات موجهة على فواتير الكهرباء، أو مساعدات حكومية مؤقتة للقطاعات الأكثر تعرضا مثل النقل والزراعة والصناعات كثيفة الطاقة.
وتقول المفوضية إن الإطار المؤقت الجديد لمساعدات الدولة بسبب أزمة الشرق الأوسط سيبقى ساريا حتى 31 ديسمبر/كانون الأول 2026.
ويرى قناص أن أولوية بروكسل الآن لا تتعلق فقط بحماية الأسر من "فقر الطاقة"، بل أيضا بحماية القاعدة الصناعية الأوروبية، خصوصا الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة مثل الكيماويات والصلب والأسمدة، والتي قد تدفعها التكاليف المرتفعة إلى تقليص الإنتاج أو نقل جزء من أنشطتها خارج القارة.
ويضيف أن قطاع الزراعة يدخل بدوره ضمن القطاعات الأكثر هشاشة، لأن ارتفاع الطاقة يضغط على كلفة الإنتاج والنقل وسلاسل الإمداد الغذائي.
تحاول المفوضية الأوروبية بذلك تكرار تجربة 2022، حين خففت إجراءات الدعم ارتفاع الفواتير، لكنها في المقابل رفعت كلفة الموازنات.
وفي مذكرتها الأخيرة، حذرت المفوضية من أن الدعم السعري الواسع قد يزيد الطلب على الطاقة، ويؤخر خفض الاستهلاك، ويخلق التزامات يصعب سحبها سياسيا.
تعد أوروبا مشتريا كبيرا للطاقة وشريكا تجاريا مهما لعدد من الاقتصادات العربية، وأي تغيير في دعم الطاقة الأوروبي قد ينعكس على الطلب والأسعار والتضخم وسلاسل التوريد.
وفي 2025، استورد الاتحاد الأوروبي منتجات طاقة بقيمة 336.7 مليار يورو. وتكشف بيانات يوروستات أن قطر شكلت 8.9% من واردات الاتحاد من الغاز الطبيعي المسال، بينما شكلت الجزائر 17.4% من واردات الغاز عبر الأنابيب.
كما تظهر وثائق المفوضية أن دول الخليج كانت مصدرا لنحو 19% من صافي واردات الاتحاد الأوروبي من النفط والمنتجات البترولية في 2024.
وبالنسبة لمصدري الغاز في الشرق الأوسط، يمكن للدعم الأوروبي أن يخفف تراجع الطلب في الأجل القصير، لأنه يحمي المستهلكين والشركات من جزء من ارتفاع الأسعار.
ويقول قناص إن استمرار الدعم المالي الأوروبي للطلب يعني بقاء القوة الشرائية الأوروبية مرتفعة نسبيا، وهو ما قد ينعكس على قيمة صادرات قطر المستقبلية من الغاز الطبيعي المسال، وصادرات الجزائر عبر خطوط الأنابيب، وصادرات دول الخليج من النفط والمشتقات.
ويرى أن هذه التدفقات قد تعزز الفوائض المالية في عدد من الاقتصادات العربية المصدرة للطاقة، وترسخ مكانتها بوصفها موردا إستراتيجيا في معادلة الطاقة العالمية الجديدة.
لكن الأثر في الأجل المتوسط قد يكون مختلفا، إذ قد يدفع ارتفاع كلفة الدعم أوروبا إلى تسريع سياسات خفض الاعتماد على الوقود الأحفوري، وهي سياسة تؤكدها المفوضية باستمرار عبر زيادة الكهرباء النظيفة، وتسريع نشر الطاقة المتجددة، وخفض الاعتماد على النفط والغاز المستوردين.
ويرى قناص أن الدعم المالي المؤقت قد يؤخر بعض جهود مكافحة التغير المناخي إذا أدى إلى استمرار الاعتماد على الوقود الأحفوري، لكنه في الوقت نفسه يعكس بعدا إنسانيا وأمنيا لا يمكن تجاهله.
ويخلص إلى أن الحل المستدام أمام أوروبا يكمن في تسريع التحول نحو الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، لأن تقليص الارتهان لتقلبات الجيوسياسة العالمية أصبح شرطا لضمان دفء المواطنين واستمرار دوران عجلة المصانع في المستقبل.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة