لم تعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تؤثر أسعار النفط فقط، بل غيرت حتى طريقة تشكّل السعر نفسه. فالسوق التي كانت تُدار عبر مؤشرات مرجعية مثل برنت، أصبحت تُدار فعليا عبر معادلة أكثر تعقيدا تتمثل في أين يوجد النفط القابل للوصول، وكم يستغرق وصوله، وما تكلفة نقله وتأمينه؟

هذا التغير يعني أن سعر النفط لم يعد يعتمد فقط على الأرقام الموجودة في الأسواق أو العقود، بل أصبح يعتمد أكثر على النفط الذي يمكن فعليا توصيله بسرعة. أي أن المشكلة لم تعد في كمية النفط الموجودة، بل في القدرة على نقله ووصوله للمشترين في الوقت المناسب.

تراجع نفط الخليج

أهم ما غيّرته الحرب هو موقع الخليج داخل السوق العالمية، ليس فقط بحجم إنتاجه، فوفق تقديرات وكالة الطاقة الدولية في تقريرها لشهر مارس/آذار 2026، تراجعت الإمدادات الفعلية المرتبطة بالخليج بنحو 8 ملايين إلى 10 ملايين برميل يوميا، نتيجة تعطل التصدير أكثر من تعطل الإنتاج.

FILE PHOTO: Smoke rises in the Fujairah oil industry zone, caused by debris after interception of a drone by air defenses, according to the Fujairah media office, amid the U.S.-Israel conflict with Iran, in Fujairah, United Arab Emirates, March 14, 2026. REUTERS/Staff/File Photo مصدر الصورة منطقة الفجيرة النفطية تعطل العمل فيها جزئيا بعد سقوط حطام طائرة مسيّرة (رويترز)

لكن الأثر الأعمق ظهر في "وزن" هذه البراميل داخل التسعير، إذ لم تعد خامات الخليج تمثل المصدر الأكثر موثوقية للتوازن العالمي، حتى مع بقائها متوفرة نظريا. وفي هذا السياق، قال المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول في مقابلة مع وكالة رويترز إن خسارة الإمدادات العالمية تجاوزت 12 مليون برميل يوميا، محذرا من أن التعافي "لن يكون سريعا"، لأن إعادة تشغيل التدفقات تعتمد على الشحن والتأمين بقدر اعتمادها على الإنتاج.

وهذا يعني أن السوق لم تعد ترى النفط الخليجي مرجعية مستقرة، بل ترى فيه إمدادا عالي المخاطر، وهو ما أعاد توزيع "مركز الثقل" بعيدا عنه.

انتعاش النفط الأمريكي

في المقابل، أعادت الحرب تعريف موقع النفط الأمريكي داخل السوق، فوفق بيانات كبلر، ارتفعت الشحنات الأمريكية إلى أوروبا وآسيا بشكل حاد، وارتفعت الصادرات إلى أوروبا بنحو 25% إلى 30% وتضاعفت التدفقات إلى آسيا أكثر من الضعف.

إعلان

هذا التحول انعكس مباشرة في الأسعار، ففي جلسات تداول أوائل أبريل/نيسان، تفوّق خام غرب تكساس على برنت، وهو أمر نادر تاريخيا، إذ أغلق عند نحو 111 دولارا مقابل 109 دولارات لبرنت.

لكن الأهم هو ما حدث في السوق الحقيقية، حيث تم بيع شحنات النفط الأميركي (غرب تكساس) بسعر أعلى من نفط برنت بحوالي 15 دولارا في أوروبا، وبأسعار أعلى من ذلك في آسيا. هذا يعني أن المشترين كانوا مستعدين لدفع مبلغ إضافي للحصول على هذا النفط.

وتقول باولا رودريغيز-ماسيو من شركة ريستاد إنرجي إن هذا الطلب "لا يعكس ربحية، بل أولوية الوصول"، في إشارة إلى أن المشترين باتوا يدفعون علاوة على الأمان اللوجستي، وليس فقط على جودة الخام. بمعنى آخر، لم يرتفع النفط الأمريكي لأنه الأرخص، بل لأنه الأكثر قابلية للوصول.

خامات الخليج ترتفع

وفي مفارقة لافتة، ارتفعت أسعار خامات الخليج نفسها إلى مستويات قياسية، رغم أنها أصبحت أكثر صعوبة في النقل. فوفق بيانات رويترز، قفز خام دبي إلى نحو 157 دولارا للبرميل، وخام عُمان إلى أكثر من 152 دولارا، مع تسجيل بعض التقديرات مستويات اقتربت من 170 دولارا.

ERBIL, IRAQ - MARCH 17: A view of the oil refinery on March 17, 2026 in Erbil, Iraq. Recent drone attacks in the region have forced some oil refineries here to cease operation, while others continue. More broadly, Iraq, a member of OPEC, has had to sharply reduce oil production as its main export route, through the Strait of Hormuz, has been block due to the war between Iran and the U.S., Israel and their regional allies. On March 12, two oil tankers were attacked in Iraqi waters offshore from its main port of Basrah, allegedly by Iranian forces. Meanwhile, Baghdad and the government of semi-autonomous Iraqi Kurdistan are negotiating to try to increase exports through the Iraq-Turkey Pipeline, which has been a source of political and legal tension. (Photo by Sedat Suna/Getty Images) مصدر الصورة مصفاة نفط في أربيل وسط توقف جزئي للعمليات وخفض إنتاج العراق مع تعطل مسار التصدير عبر مضيق هرمز (غيتي)

كما رفعت شركة أرامكو السعودية سعر البيع الرسمي للخام العربي الخفيف إلى آسيا بعلاوة قياسية بلغت 19.5 دولارا للبرميل فوق المؤشرات الإقليمية، بحسب بلومبيرغ.

هذا الارتفاع لا يعكس قوة الطلب التقليدي، بل "علاوة المخاطر"، أي أن السعر بات يتضمن تكلفة عدم اليقين المرتبطة بالنقل والتأمين. وهنا يظهر التحول، إذ لم يعد النفط يُسعّر فقط وفق العرض والطلب، بل وفق احتمال الوصول.

أفريقيا والأطلسي.. جغرافيا بديلة للطاقة

ومع تراجع موثوقية الخليج، أعادت السوق تنشيط مصادر بديلة، وتشير تقارير من رويترز إلى أن المصافي الآسيوية والأوروبية تحولت بسرعة إلى خامات غرب أفريقيا والأطلسي، مما أدى إلى ارتفاع علاواتها بشكل ملحوظ.

فقد سجلت بعض الخامات الأفريقية، مثل الخام الأنغولي، علاوات قاربت 10 دولارات فوق خام برنت الفوري، بينما ارتفعت خامات أمريكا اللاتينية إلى ما بين 12 و15 دولارا فوق المؤشرات القياسية.

هذه الأرقام تعكس أن السوق لم تكن تبحث عن النفط الأرخص، بل عن النفط "المتاح"، وهنا عادت دول مثل الجزائر ونيجيريا إلى دائرة الضوء، ليس بسبب زيادة إنتاجها، بل لأن موقعها الجغرافي بحد ذاته أصبح ميزة تسعيرية.

النفط العائم.. معروض غير قابل للاستخدام

أحد أكثر مظاهر الأزمة تعبيرا كان تراكم النفط في البحر، فوفق بيانات كبلر، تراوح حجم النفط العالق في الخليج بين 136 و172 مليون برميل، موزعة على مئات الناقلات التي لم تتمكن من التفريغ أو المغادرة.

FILE PHOTO: Cargo ships in the Gulf, near the Strait of Hormuz, as seen from northern Ras al-Khaimah, near the border with Oman’s Musandam governance, amid the U.S.-Israeli conflict with Iran, in United Arab Emirates, March 11, 2026. REUTERS/Stringer/File Photo REFILE - CORRECTING "TANKERS" TO "CARGO SHIPS" AND REMOVING ACTION "SAIL". مصدر الصورة سفن شحن كثيرة علقت في مياه الخليج بسبب إغلاق مضيق هرمز (رويترز)

ويقول فيكاس دويفيدي من شركة ماكواري إن هذه الكميات "ليست جزءا من المعروض الفعلي"، لأنها غير قابلة للوصول في الوقت المناسب، مشيرا إلى أن تفريغها قد يستغرق أسابيع بسبب قيود التأمين والعقوبات.

هذا التطور يكشف مفارقة جوهرية تتمثل في أن السوق قد تعاني من نقص في الإمدادات، رغم وجود النفط فعليا لأنه ببساطة في المكان الخطأ أو في الزمن الخطأ.

البرميل الفوري.. السلعة الأكثر قيمة

التحول الأوضح ظهر في السوق الفورية، فوفق بلومبيرغ، لم تعد أسعار العقود الآجلة تعكس التكلفة الحقيقية للنفط، مع اتساع الفجوة بينها وبين الأسعار الفعلية.

إعلان

وتشير بيانات رويترز إلى أن خامات فورية مثل فورتيز وخام برنت الفوري وصلت إلى ما بين 144 و146 دولارا، مع صفقات تجاوزت 150 دولارا، بينما بقيت العقود الآجلة أقل بكثير. كما ظل الفارق بين السعر الفوري والعقود المستقبلية عند نحو 25 و30 دولارا، وهو مستوى يعكس علاوة "التسليم الآن".

وتوضح شركة "إنرجي أسبكتس" أن هذه الفجوة تعكس "شحا فعليا في البراميل القابلة للتسليم"، وليس مجرد مضاربة في السوق، وبذلك، أصبح الزمن نفسه عنصرا مسعّرا، فالنفط الذي يمكن تسليمه اليوم يساوي أكثر بكثير من النفط الذي يمكن تسليمه بعد شهر.