أثّرت سياسات الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي الاقتصادية بشكل متفاوت على القطاعات الحيوية في البلاد، إذ تراجعت أنشطة الإنتاج والتجارة والبناء تحت وطأة التقشف وفتح الاستيراد، في المقابل انحسر التضخم وتحسّنت المؤشرات النقدية، ما يعكس إعادة تشكيل عميقة للاقتصاد الأرجنتيني وتوازناته القطاعية، وفق مراقبين.
وانكمش النشاط الاقتصادي في الأرجنتين بنسبة 0.3% في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي، مسجلا بذلك أول انكماش شهري في عام 2025، وفق بيانات وكالة الإحصاء الأرجنتينية الصادرة الأربعاء الماضي.
وسجلت 5 من القطاعات المكونة لمؤشر النشاط الاقتصادي الشهري انخفاضات سنوية، كان أبرزها:
لكن في المقابل، أظهر استطلاع أجرته رويترز أن معدل التضخم السنوي في الأرجنتين بلغ أدنى مستوى له منذ أكثر من 7 سنوات بنهاية عام 2025، ما يشير إلى أن سياسات الرئيس خافيير ميلي التجارية المنفتحة وإجراءات التقشف التي اتخذها قد خففت من ضغوط الأسعار في ثاني أكبر اقتصاد في أمريكا الجنوبية.
وتباطأ ارتفاع أسعار الملابس والأجهزة المنزلية العام الماضي، حيث أدت جهود ميلي لفتح اقتصاد البلاد إلى زيادة المنافسة نتيجة لارتفاع الواردات الأرخص.
ومن المرجح أن تكون مكونات أخرى من مؤشر أسعار المستهلك قد تباطأت استجابة للخطوات الحكومية المستمرة لكبح الإنفاق.
وزاد التضخم إلى 32.5% في ديسمبر/كانون الأول الماضي على أساس سنوي، وفق بلومبيرغ، مقارنة بـ 31.4% في نوفمبر/تشرين الثاني السابق له.
وقالت خيمينا زونيغا الخبيرة الاقتصادية الأرجنتينية لدى بلومبيرغ إيكونوميكس :"إلى جانب بيانات التضخم الأخيرة، تشير مؤشرات النشاط الاقتصادي إلى أن مخاطر الركود التضخمي تُلقي بظلالها على ما كنا نتوقعه من عام مزدهر في 2026″.
وأضافت: هذا خبر سيئ، لكنه ليس كارثيا. من غير المرجح أن يؤدي تباطؤ النشاط الاقتصادي وارتفاع الأسعار بوتيرة أسرع، في حد ذاتهما، إلى عرقلة مسار البلاد نحو اقتصاد كلي مستقر ونمو أكثر استدامة".
واستدركت: "لكن الخطر الأكبر يكمن في أنهما قد يُضعفان ثقة الجمهور بالحكومة ويُثيران الشكوك حول الاستدامة السياسية لبرنامج ميلي".
وفي أكتوبر/تشرين الأول الماضي، أعلن المكتب الوطني للإحصاء عن تطبيق منهجية جديدة لمؤشر أسعار المستهلك، بدءا ببيانات يناير/كانون الثاني 2026 المقرر صدورها الشهر المقبل.
يتفاخر الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي بأنه أطلق "أكبر عملية إصلاح مالي في تاريخ البشرية" لاقتصاد بلده الذي يعاني مشاكل هيكلية، لكنه اعترف في خطاب في أغسطس/آب 2024 بأن الجميع يرى هذا "باستثناء الأرجنتينيين"، وفق ما نقلت صحيفة إل باييس الإسبانية.
كان ميلي نجح في خفض التضخم الشهري من 20% في يناير/كانون الثاني إلى 5% في أغسطس/آب 2024.
لكن الأوضاع تغيرت بسرعة كبيرة، فبعد عام وتحديدا في سبتمبر/أيلول 2025 تعثرت الحكومة الأرجنتينية، إلا أنه بعد زيارة ميلي إلى نيويورك لحضور الجمعية العامة للأمم المتحدة، أبرمت الولايات المتحدة مع الأرجنتين صفقة مقايضة عملات بقيمة 20 مليار دولار لتعزيز احتياطيات البنك المركزي، كما اشترت سندات دين أرجنتينية، و"ائتمان احتياطي كبير عبر صندوق استقرار الصرف"، وفق صحيفة إل باييس.
وورثت حكومة ميلي في ديسمبر/كانون الأول 2023 اقتصادا يعاني من عملة منهارة، وتضخم متصاعد، وبنك مركزي مفلس، فلجأت إلى سياسة الصدمة الاقتصادية، حيث:
برز قطاع التصنيع كأحد أكثر القطاعات معاناة من سياسات ميلي إذ حفّز رفع القيود التنظيمية منافسة متزايدة من جانب الواردات الأرخص التي استفادت من ارتفاع قيمة البيزو.
ففي أغسطس/آب الماضي وحده، انخفض الإنتاج الصناعي بنسبة 4.4% على أساس سنوي، وزادت نسبة البطالة في ضواحي بوينس آيرس، التي تكثر فيها المصانع، إلى 9.8% في الربع الثاني من العام، مقارنة بـ 9.1% قبل عام، وفقاً لوكالة الإحصاء الوطنية.
وبعد توليه منصبه، اعتمد ميلي على رفع قيمة العملة المحلية، وخفض الإنفاق العام، ورفع أسعار الفائدة للحد من التضخم السنوي الذي كان يدور حول 200%.
لكن هذه السياسات، وخاصة المبالغة في قيمة البيزو، ساهمت في زيادة الواردات، حسبما نقلت رويترز عن خبراء اقتصاد.
أشار تقرير لرويترز إلى أن خفض الإنفاق العام في الأرجنتين، أثر سلبا على:
وحسب تقرير صادر عن شركة الاستشارات المحلية "سي تي إيه أوتونوما"، انخفضت رواتب القطاع العام بأكثر من 15% بالقيمة الحقيقية في العام الذي تلى تولي ميلي منصبه في ديسمبر/كانون الأول 2023.
أما العاملون في القطاع الخاص، فتجاوزت رواتبهم معدل التضخم، وارتفعت خلال الفترة نفسها بنحو 3.3% بالقيمة الحقيقية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة